لا سعيداً لا حزيناً لا أنا أو لا أحد" ومنذ هذا اليوم.. سنجلس هكذا وإلى الأبد.. ممررين لساننا على الشفاه لنتذكر طعم آخر قطعة خبز، ونبحث في ذرات الهواء عن رائحة تعيد إلينا فلسطين ممزوجة بالطين والدم والطحين. كم يبدو صعباً أن نعيد تكرار الحروف في محاولة لاستعادة ذاكرتنا التي بدأت تتسرب من بين أصابعنا، بتسرب شعرائنا إلى حياة أخرى.. تاركين لنا عد الخراف قبل النوم، وتلاوة هلاوس السياسيين حول الحرية والديموقراطية والعولمة.
يرحل درويش وأظن ما تبقى من قصائدنا شعراء معاصرين ستأكلها الضآلة وتجري في عروقها الغربة إلى أن تصل إلى نص ميت... ميت.. ميت: أحن إلى "كرواسون" ستار بكس.. وقهوة "إكسبرسو" ولمسة "ماري"... يبدو أننا فقدنا خبز أمهاتنا إلى الأبد.. وفقدنا القهوة التي كانت تبقي أعيننا مفتوحة على الجرح.. فهل سنفقد حواسنا الخمس أيضا! أخشى أن أبدأ العد على أصابعي... وقد نقصت واحداَ... فلا أنتهي بها إلا مبتورة.. أتساءل: كيف سأسلم على فلسطين حينها!
همسة: أحمد الله أن درويش مات قبل أن يشهد قيام "دولة فلسطين".... وإلا لخضع لعملية "قلم" مفتوح! 

قبل أن تفسدنا العلوم، و"تعقد" مفاهيمنا البسيطة حول الأشياء من حولنا، كنت أظن دائما أن حبة الرمل دقيقة في تركيبها، رقيقة ووادعة.. وأن "حبة الرمل" التي يتكون منها الطين أكبر، وأضخم.. إلى أن أثبتت لي دراسة الجيولوجيا والكيمياء والفيزياء العكس تماماً! دائماً كنت مأخوذة بمنظر حبات الرمل وهي تتسرب من بين الأصابع.. ربما جلست بالساعات آخذ حفنة من الرمل وأتركها تنساب بهدوء بين أصابعي، لأعيد الكرة مرات ومرات.. في لحظة ما، تفقد الإحساس بالزمان والمكان.. الساعة الرملية التي اخترعها القدماء هي ساعة لانسياب الـ"روح".. لا مجرد ساعة زمنية جافة. وبينما تقبض في كل مرة حفنة جديدة من الرمل، لتتكرها تنساب بين أصابعك، يخيل إليك فجأة أن قبضة يدك حملت هذه المرة كمية أكبر.. أو كمية أقل من الرمل عن المرة السابقة.. لن يعني ذلك شيئاً.. ربما يذكرك فقط بأن روحك التي تنساب بين أصابعك، هي نفسها التي تعود إليك كل مرة محملة بشيء جديد.. أو فاقدة لبعض ما كان فيها. قد تتسلل حصاة صغيرة بين حبات الرمل.. حصاة تسد الفراغ بين أصابعك، تؤلمك، فتفرج أصابعك أكثر لعلها تسقط، وتفسح مجالاً لحبات الرمل الصغيرة لتنساب من جديد في مجراها. في مرة أخرى، ربما لا يحالفك الحظ فتجرح جلد أصابعك الرقيق قطعة زجاج غمرها البحر، وجئت توقظها من سباتها دون قصد بحركتك المكرورة! سيجفف الرمل قطرات دمك، ويندمل الجرح بسرعة.. تاركاً أثراً مالحاً في روحك. وإلى أن تفيق على الزبد يداعب أصابع قدميك، منبئاً بتسلل مد البحر إلى عالمك الصغير، ستغرق في صمتك، مفكراً في حبات الرمل التي سيغمرها البحر بعد قليل.. لتتماسك، ولا تذوب في أصابعك مجدداً كما هي الآن.. بل تتساقط كتلاً طينية ثقيلة كئيبة. سيحتاج الأمر إلى انتظار الجزر.. وإلى انتظار الشمس تذرع الشاطئ جيئة وذهاباً إلى أن يجف، فتنتعش آمال أصابعك.. وتتجدد عروق روحك.. بمحاورة أخرى، وانسياب آخر. .... أما التفاحة.. فتلك شأن آخر! 
تتسرَّبُ روحكَ من بين أصابعكَ لتدفنَ في الرملِ وحيـداً تغمركَ الكلمـــات.. الـ.. قالت.. سمعت.. فرحت.. غضبت... ثرثرةٌ لا تنـسى والقادم أكثر. جرِّب أن تُبعَثَ روحكَ روحاً أخرى بثيابٍ كحليه؛ فالأبيضُ لون جناحين فقدتَّهُما أثناءَ الموتِ الأول ستطيرُ على الرملِ فليست تلك سماءُ جناحيكَ الآن.. أمنية الأزرق ماتت في الزبدِ وطَعمُ الأغصانِ تكسّرَ في شفتيكَ فجـَرّبْ روحكَ تتسربُ.. تتســـــربُ...... تتســـــــــــــربُ...... منكَ إلى الشارع.... وتدوسُ حقائب قلبك عجلات السيـارات وفي منتصف الحلم... تـُكـَفِّنكَ قصيــدهْ.
مجلة تحمل عبق الأجداد، والتاريخ، والتراث.. وتنطلق لتحفر عميقاً في الأدب والثقافة العربية والعالمية.. وتستخرج الغالي والنفيس، تنثره كلمات على صفحات سهرت أسرة التحرير وهيئتها الاستشارية على أن تهبها وقتاً وجهداً ثمينين. هذه دعوة صادقة لإرسال مشاركاتكم إلى مجلة نخيل، للمشاركة في عددها السادس والعشرين، وهي تكتسي حلتها الجديدة.. حيث ستقوم أسرة التحرير والهيئة الاستشارية بمراجعة المشاركات وتحكيمها، وانتقاء الجيد والمتميز منها. nakheelmag@gmail.com أو تصفح الأعداد السابقة من مجلة نخيل على موقعنا الإلكتروني: www.al-nakheel.ae في انتظاركم.. 

قبل عدة أيام، وأثناء ترتيبي لأدراجي، تعثرت بشريط "امبارح كان عمري عشرين".. لمحمد منير... لم أعد أسمع الأغاني – رغم ندرة ما أسمع – منذ فترة، بعد أن اتجهت للأناشيد، امتلأت سيارتي بCDs للعفاسي وعبد القادر قوزع وسامي يوسف وآخرين.. أمرر على سمعي الأغاني أو الأناشيد التي كانت تعد "مرحلية" ومؤثرة في فترة ما، وما شكلته من نمط تفكير، وذكرى.. ببساطة نكتشف أننا نسمع الكلمات التي نرغب في أعماقنا أن تعيد "تشكيلنا".. ولكن، بأيدٍ خفية. لو قال لك أي شخص: عليك أن تتغير، فلن تفعل.. لكن.. جرب أن تدندن لحناً ما.. ردد كلمات ما.. ستجد أنك تصبحها بعد حين! وفيما يبدو لي، فإن كل الأشياء تدور في فلك الترجمة!! ما جعلني أكتب هذه المقالة بعد انقطاع، هي رغبتي الجامحة في استعادة الروح الشفافة التي تسللت من بين أصابعي.. روح الكلمات! بعد إصدار نبضات.. أحسست أني قطعت من يدي وريداً... وبعد أن سافرت صديقتي اللدودة آمال.. تملكني إحساس جامح بالفقد... وبعد......................! في إحدى المرات، أسمعني فواز أغنية روسية يحبها.. لحنها عذب، وصوت من تغنيها شفاف وصادق. وعلى ذمة أخي محمود – الذي ترجم لي الأغنية كاملة ترجمة حرفية – فإن المغنية ضريرة. شعورك وأنت تسمع الكلمات دون أن تعرف ترجمتها لا يوصف.. حتى وإن فقدت المعاني دربها إليك، فإن هناك درباً آخر يفتح لك بابه.. حفظت كلمات الأغنية قبل أن أعرف ترجمتها.. اكتفيت بـ"برستي برستي".. أي: سامحني.. سامحني. اليوم.. أحببت أن أتشاطر معكم الترجمة الكاملة للأغنية.. وأرجو أن أكون وفقت في ترجمتها الترجمة الصحيحة المعبرة، بناء على الجلسة المطولة التي قضيتها مع محمود لتحليل كل سطر.. فلنعتبرها ترجمة مبدئية.. لروح النص الذي سيتسلل إليكم تلقائياً.. فالكلمات هنا تفتح بابا آخر، ولكل منكم مفتاحه.
"برستي.. برستي" (اضغط للاستمــاع) سامحـني.. سامحني هذا اليوم على النافذة لم يأت الشتاء بعد ترقبُ عينيّ ما تحمل الريح من أول دموع القطار.. تلك التي تتجه إلى أين تتجه إلى حيث تكون **** الصيف الدافئ لملم أمتعته.. والبرودة اجتاحت كل شيء مرة أخرى.. هكذا يبدو أني أفقدك... إلى الأبد.. إلى الأبد **** سامحني.. سامحني كم أحتاج إلى احتضان عينيك في هذه اللحظة... .. وأنا أعرف أنك لن تأتي فلم يبق لي إلا المطر.. وحدي والمطر. **** أتذكر بيتك أتذكر نظراتك أتذكرك بجانبي وتحت هذا المطر أحنّ إلى الماضي لا بدّ أن أعود إليك! يبدو أننا التقينا لكي لا نكون أبداً لكي لا نكون معاً .. لا نكون إلى الأبد **** سامحني.. سامحني كم أحتاج إلى احتضان عينيك في هذه اللحظة... .. وأنا أعرف أنك لن تأتي فلم يبق لي إلا المطر.. وحدي والمطر. سامحني.. سامحني في الحلم أناديك.. لا تذهب ما كان انتهى.. لن نستعيده وها أنا وحدي.. والمطر وحدي والمطر.
الطريق طويلة إلى أبوظبي.. طويلة بما يكفي لأن يغتال الحريري في نفس اليوم.. 14 فبراير.. رفقة الطريق أبي وأمي وأخي محمد، بين صمت وكلام، وبين صيحات الشيخ كشك الذي أصر محمد على أن يكون مرافقنا في الرحلة إلى أن نصل إلى فرع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في أبوظبي.. مكالمات قصيرة مع الأديب الفلسطيني/ أنور الخطيب.. يسأل فيها عن خط سيرنا، ويطمئن على الجميع. أعود قليلا.. أتذكر فكرة استضافتي في أبوظبي.. أمسياتي قبل ذلك لم تتخط رأس الخيمة في محافل ومناسبات مختلفة، لم يكن أحدها اتحاد الكتاب في رأس الخيمة.. فترة ركود ثقافي بالنسبة لي ربما.. لا أدري.. كنت أنحت الصخر بحثا عن يد تمسح غبار اليأس.. رأس الخيمة أصبحت عروسا الآن.. شهقة واحدة لا تكفي لإحياء ما مات فينا قديما...!! الرسالة النصية التي أرسلت لي تحتفي بموافقة الاتحاد على استضافتي في أبوظبي.. كانت دهشة.. ولادة مفاجأة.. كان مؤمنا بالنبضات ربما أكثر مني.. يحس فينا شعاعا ينطلق من القلب إلى القلب.. يخترق اختراقا.. ويولد فيك طاقة هائلة تكفي لتجعلك ملتحما بالأرض والسماء وكل ما فيهما من كائنات... تكفي لأن تجعلك الكون كله. حضرت نبضاتي.. وقصائدي، وحملتني ودهشتي.. ونوتتي الموسيقية في إلقاء القصائد.. إلى هناك. تهنا قليلا، وصلنا المجمع الثقافي أولا، ثم الشقة التي يوجد فيها فرع الاتحاد.. صدمة نسبيا.. كلمة "اتحاد الكتاب" كان لها صدى أكبر من مجرد شقة سكنية.. تجاوزت ذلك عندما دخل الأديب أنور الخطيب بخطوات لا تسمع لها وقعا، وبابتسامة كريشة طائر.. وعينين شاردتين غائرتين في حزن مباح.. جاء مرحبا، متفائلا بما سيكون عليه هذا الليل.. وهذه الأمسية. متجاوزة لحظات الترقب والانتظار.. كانت الأمسية.. كانت نبضات. ... بالتأكيد.. أن أقوم بإلقاء النبضات على الملأ في أمسية.. يحتاج ذلك لأن أحضر نفسي أولا وأن أحضر الآخرين.. أو أتركهم يحضرون أنفسهم لها. وحده "أنور" كان يعرف تماما كيف يستقبل المرء فكرة عميقة بموجة صمت، وتأمل. أما أنا فلم أكن أملك تلك الشجاعة الكافية لأطيـل في قراءة النبضة ببطء.. هكذا.. لتتسرب مباشرة إلى الحاضرين. كنت في لحظة من الترقب.. أكثر منهم! وصلت النبضات إلى قلوبهم كما يبدو.. لكن بعضا منها نز بين الأسطر. في اليوم التالي.. كتبت بعض الصحف عن الاستضافة بخجل.. صحفية جريئة حضرت آآخر الأمسية.. كتبت ببساطة عنوانا يليق بالنبضات التي "استوعبتها".. (نبضات.. ورد وبطيخ). تفاجأت أول الأمر.. لكنني تجاوزته لأن النبضات.. وصلت.. دون أن تدري، بما كتبت للآخرين.. أجل.. نبضات هي مزيج من هذين معا.. مزيج من كل تلك الأشياء البسيطة التي لا نحس بها.. لكننا نترك نبضنا وحده.. يتذكرها.. النبض الذي يجعلنا كائنات من لحم ودم.. النبض الذي يلد روحنا مرارا وتكرارا.. ومن فرط انشغالنا ننساه ولا نعود نسمع دقاته.. هو ذلك النبض الذي أبحث عنه.. ويبدو أنه وصل. مرة أخرى، هكذا.. بدفء ربيع مقيم.. عندما علم الأديب أنور الخطيب، بأني أحضر لأمسية في اتحاد الكتاب في رأس الخيمة - تلت أمسية أبوظبي بأسبوعين تقريبا – قدم لي نصيحة ثمينة.. ما زالت ترن في أذني إلى اليوم.. "أعطِ كل نبضة حقها".. حصيلة أربع سنوات أو تزيد.. نبضات تصدر في كتاب، بتقديم.. وأبوة الأديب أنور الخطيب.. وبدمعة وابتسامة ودهشة وفكرة وأمنية وحلم.. وصلني متأخرا.. ويبدو أن خبر صدورها ما زال ينشر هنا وهناك.. وكم أتفاجأ عندما أقرأ خطأ مطبعيا يسمي أنور الخطيب بـ"أنور إبراهيم".. يسألني عن ذلك فأقول له: يبدو أنك "أبو" الأدباء!! خطأ مطبع غير مقصود.. يؤثر طبعا في القيمة المعنوية والروحية والأدبية، ولكنني ما زلت أعالجه بصورة النبضة.. بصورة ذلك الأب الحنون الذي افتدى بنبضة وريده، وأراه أبا روحيا فعلا للنبضات.. وإن إصدار كتاب واحد لا يعني أنها توقفت.. وأنها لن تستمر.. من رأس الخيمة إلى أبوظبي... مسافة لا يتسع لها النبض.. نبضات.. خطوة خطوة، كلمة كلمة.. أصدق من أن أقول إن هذا الكتاب الذي جمع تنهيدات أولئك الذين عبروا من الحرف إلى الحرف مجرد كتاب.. نبضات ليست نبضاتي وحدي.. بل فيها من كل قلب نبضة.. من قلبي إلى قلوبكم جميعا.. ومن قلوبكم جميعا.. إلى قلمي الذي أهداها إياكم.. بين دفتي كتاب. وفي النهاية ليس لي إلا أن أقول: رب صدفة..... فإن كانت نبضات "ورد وبطيخ".. عنوانا.. فهي أجمل عنوان يمكن أن أتشاطره مع فواز.. ونسرح فيه طويلا، بين وردة بيضاء، وكأس من عصير البطيخ الذي يفضله، ليكون أشهى بين شفتين ترسمهما ابتسامة حب. هي.. نبضاتكم إذن... هي نبضاتنا جميعا. 

ألم تتساءل يوما بأن الناس ليسوا إلا مزيجا فريدا من هذين الكائنين على تنافرهما! ألم تحس من قبل بأن ذلك الواقف أمامك.. ذلك الأخ.. ذلك الصديق.. ذلك الحبيب....... لا يطــــاق!!! في لحظة ما، يتعكر صفو الماء، وتغرق الصور المبهجة في توترات وتذبذبات متعبة.. أنتَ أنت.. أم أنه هوَ.. هو! يصبح منطقيا أن تردد الآن قول أحد الفلاسفة: "الإنسان ما ليس هو.. لا ما هو هو".



























