أقف هنا كثيرا، لأتذكر حديثي مع أخي بسام، ونحن نشق طريقنا عبر شارع نادي الجولف ذاهبين لجلسة ثنائية على كورنيش الخور في رأس الخيمة. سألني بسام سؤالا لا يخلو من مكر: يعني بصراحة.. ما حبيتيش عمرك حدا؟ لما كنتي في المراهقة مثلا! من الصعب أن تصارح فتاة أخاها أو أحدا من أهلها بأنها تحب "فلان" أو علان.. خاصة إن كانت في مرحلة المراهقة. والأصعب أن تذكر فتاة لأي فرد في عائلتها أنها في طور المراهقة.. أو تصدق هي شخصيا أنها في هذه المرحلة! في تلك المرحلة من اختلاط البيت بالمدرسة والأهل بالأصدقاء، كنا نجد أنفسنا موزعات على مفاهيم عجيبة.. ولنقلها صراحة وبلا خجل.. كل دروس التربية الأسرية والعلوم وعلامات البلوغ وحالات الإعياء والخجل الشديد وأحيانا الوحدة المفرطة التي تصيب بعض الفتيات في المدرسة. علامات عجيبة كل واحدة منا كانت تنظر للأخرى بعين الريبة، وتسأل نفسها: ماذا يحدث لها؟ هل سيحدث لي مثلها؟ وما هو الموضوع أصلا!! عندما دخلت البنات طور البلوغ والمراهقة.. اكتشفنا – ويا للذكاء! – بعد أكثر من عشر سنوات على الحادثة العظيمة هذه – أثناء نقاش في الجامعة – أن معظمنا.. معظمنا وبلا مبالغة، لم يكن يعرفن ماذا يعني البلوغ أصلا.. وما هي المراهقة، وكل تبعات ذلك.. سواء للفتاة أو الصبي. كل ما حدث أن الأمور تسير على نحو عشوائي متسارع.. وتدرك الأم أهمية درء المعلومات "السرية" عن البنت كيلا تنتابها الهواجس أو تنحرف مثلا. وهي لا تدري أنها بسريتها وكتمانها لمعلومات دقيقة كهذه تجنح بابنتها أو ابنها نحو الهواجس والقلق. في المدرسة الإعدادية.. كنا مراهقات – كما يجب أن نكون – فينا من أبهجتها تغيراتها النفسية والجسدية فآلت على نفسها ألا تنكرها وأن "توظفها" خير توظيف، وغيرهن ممن أنكرن هذه التغيرات وحاربنها، وحاربن كل أساليب المراهقات المتعارف عليها – وكنت قائدة هذه الجبهة بطبيعة الحال! في تلك الفترة، كثرت حالات الحب الغريزي الأول – الحب المعزول عن الفكر والقلب معا – ووجدت الفتيات أمامهن خيارا يتيما، ألا وهو حب سائق حافلة المدرسة! سائق حافلتي – على وقع حوافر الحظ – كان شاميا، فارع الطول ووسيما. عرفت فيما بعد من التحريات التي أجريناها أنه متزوج وله بنتان توأمان وزوجة كفلقة القمر. بطبيعة الحال.. أحبته ثلاثة أرباع طالبات المدرسة. لم تكن لهيثم – السائق – ناقة ولا جمل، وأظن عمله سائقا كان مؤقتا لظني أنه يحمل شهادة عالية، وكانت أخلاقه واحترامه لنفسه يشهد له بأنه مستقيم ولا رغبة له باللعب على أوتار المراهقات المنقطعة من دونه أصلا!! مادة دسمة أمامي.. لم أستطع إلا أن أشارك في إعدادها. ولكن.. على الجبهة المضادة. يمر اليوم الدراسي، ونحن نجمع المعلومات عما استجد من أحداث. غالبا ما تقوم البنات بالمشي في جوار الحافلات المدرسية أثناء الفرصة، أو أثناء الحصص الإضافية أو تلك التي لم تحضر فيها المعلمة. باختصار: يستعرضن طولهن على السائق وينذرن عمرهن لنظرة خاطفة من عينيه تجاههن.. نظرة واحدة كافية لتبعث فيهن الأمل حتى يوم الغد، وهكذا دواليك! جمعنا الكثير من المعلومات.. تكفلت بنقلها على الورق قصصا وروايات. كل يوم، نجتمع في الفرصة الثانية وألملم الأخبار من صديقاتي المتحريات، ونلتقط الصور – في مخيلتنا طبعا – للحظات الحب المخطوفة من عيون المراهقات – ونحولها إلى شريط فيلمي لم ينتج "يوسف شاهين" مثله.. ولا يحلم بأن يفعل! حضرنا "بوستر" الفيلم.. على صور فتاة جالسة تنتظر حافلة تمر من بعيد.. مع اسم الفيلم، وأبطاله.. و.. و.. كنا جميلات جميعنا، ونعي أنفسنا تماما، ونعي كم كان "هيثم" وسيما.. ويفترض أن نحبه مثلهن. لكننا كابرنا على المراهقة، وانتقلنا إلى مشروع آخر مضاد تماما.. يضحكنا على طور مراهقتنا التي اكتشفناها بأنفسنا – ولم تجد علينا بها كتب دراسية ولا مشورات عائلية لم نطلبها أصلا! المضحك في الأمر، أن "هيثم" – أو "هيام" – تحول إلى اثنين.. نسختين!! إذ أفقنا في يوم على سائق حافلة آخر، نسخة طبق الأصل – ولكن سمراء نوعا ما – عن "هيثم". هنا.. دبت الفوضى في قلوب البنات.. يحببن من؟ ومن الأجدر بماذا؟؟ عبء إضافي على كاهل تحرياتنا.. ولكننا واصلنا باهتمام.. أذكر حينها أني كتبت في المذكرة: "اليوم حدث تطور عجيب.. هيام أصبح هيامين.. وبدل هيثم واحد صار عندنا اتنين!!" وكما على الأفلام أن تنتهي.. وصل العام الدراسي إلى ختامه، وحانت لحظة فراق "الأحباب". في ذلك اليوم التقطنا كثيرا من الصور – ليت موبايلات الكاميرات كانت متوافرة – واللحظات المؤثرة، لفتيات أنهكهن البكاء، وأخريات غرز الحب نصله في قلوبهن العذارى. كنت في الحافلة نفسها.. أرقب من شباكي كيف تتأمل البنات سائق الحافلة في أسى، من شبابيك حافلاتهن الأخرى، وكل واحدة تمني نفسها أن تركب هذه الحافلة دون تلك. تساءلت: هل أنا محظوظة لأكون في هذه الحافلة أسجل المشاهد الأخيرة! 
أو ربما كنت أتظاهر بالتهريج كالعادة فقدت مخزون الطاقة من الابتسام أريد أن أبكي أبناء جيراننا يطلقون المفرقعات – بتعبير آخر: الدراهم تحترق في الجو. إحداها تصل جنينة البيت. لها دوي هائل. يفزع الحمام من الدوي. لم أعد أكترث للصوت. شاهدت صدفة فيلما أجنبيا كنت أتمنى أن أراه (Finding Forrester) ينتهي الأدباء إلى أحد اثنين: الموت الحي أو الجنون. بسمة فتحي تكتب نصا تحت عنوان "عروسة". هل كتبت لها نص "نشيد العروس" إذن؟ إلى متى تلاحقنا المسافة! دانة حامل. كنت أول من علم بالخبر. أهي صدفة أم أنني أول من فكرت بإخبارها؟ لماذا أرغب في البكاء الآن، بعد شوط من التهريج على سماعة الهاتف! أريد أن أدعو الله كثيرا.. ليرحمني.
حادثت خالد وحسن اليوم.. شعرت بالحزن لا أدري لم. حلمت بأني أسبح ليلا في البحر. كان الظلام حالكا. سبحت ناحية الشاطئ أول الأمر، ثم سبحت عميقا عميقا حيث لا أحد. في الحلم، كنت أعلل ذلك بأن الشاطئ ملوث جدا، وأن عمق البحر وحده النظيف. ماذا يعني هذا؟ أدرس Syntax أريد أن أستعيد لياقتي النحوية S àNP + VP + AdvP = (Det + N) + V + (Deg + Adv) هذه أبسط مسألة. سأرسم لها شجرة توضيحية.. هل فهم أحدكم شيئا؟ هناك قصيدة جديدة ستولد قريبا الآن أعرف لم تفضل "الحوامل".. القيصرية! أحيانا.. أتمنى أن أسجن السجن جميل عكس ما يظنه الناس على الأقل لن يكون ثمة مجال لأهرب منّي.
من يستطيع منا أن يضحي بوقته وعقله وصبره لمتابعة مباريات المسلسلات في رمضان؟! كنت قد عقدت العزم على أن أتابع شاشة رمضان على مبدأ: "من كل بستان زهرة"، فلا أتابع مسلسلا بعينه، ولا قناة محددة.. إلى أن يفرض برنامج ما جدارته عبر مشهد عبقري يهطل بلا ترتيب مسبق. حقيقة لم يسبق لي أن تابعت مسلسلا عن نية مسبقة منذ حلقته الأولى.. غالبا ما أصل إليه في منتصفه أو في حلقاته الأخيره، وأستدرك كل ما فات في لقطة أو اثنتين. هذه المرة.. صاحبت مسلسلاتنا الرمضانية ضجة إعلامية معهودة، فكان "خالد بن الوليد" و"الأمين والمأمون" و"مرايا" و"غزلان في غابة الذئاب" و"نجمة الخليج" و.... و"على طول الأيام". كما وتدخل على الساحة مسلسلات كرتونية لأول مرة وهي: "فريج" و"شعبية الكرتون". طبعا ما لا أذكره من مسلسلات يعني أني لم أسمع به أو ألتقط منه شيئا. دعونا نضع كل المسلسلات على طرف، ونأخذ من كل بستان – تاريخيا، اجتماعيا، كرتونيا – ثلاثة فقط: "خالد بن الوليد" "على طول الأيام" "فريج" سيف الله الذي لن يكسره مسلسل رديء "خالد بن الوليد" هي طفرة التاريخ إذن.. تجتاح المسلسلات الرمضانية وسواها، وصار لزاما على المخرجين أن يتحفونا بين فترة وأخرى بمسلسل يتناول إحدى الشخصيات التاريخية، بدأ الأمر بالعلماء المسلمين، ثم بالتابعين، ثم بالصحابة، وبالخلفاء.. ولا ندري إلى أين سنصل! نقف بين يدي شخصية "خالد بن الوليد" هذه المرة، والتي لم يوظف فيها المخرج غير بنية الممثل "باسم ياخور" الجسدية وشعراته وذقنه ليوهمنا بأنه خالد بن الوليد! وعبر أداء مهزوز وجامد، سواء للبطل أو للمثلين جميعهم، وعبر مغالطات تاريخية فجة، وترفع الضغط، يجد المشاهد نفسه مستنكرا للشخصية، وللأبطال، وللموقف التاريخي برمته، عوضا عن أن يحس بالرضى ويهز رأسه فخورا بخالد وبالصحابة الآخرين. على سبيل المثال لا الحصر.. أذكر بعضا من المغالطات التاريخية التي "أبدع" المخرج والممثلون في إبرازها – وعلى عينك يا تاجر: طبعا لن أسألكم منذ متى كان يقرأ الصحابة "الفاتحة" على أرواح الشهداء هكذا! هذه "بعض" النقاط التي (رفعت ضغطي).. لأني لم أتابع المسلسل من أوله، ولم أستطع أن أتابعه في منتصفه ولا آخره.. وصراحة، لا أريد أن أتابعه لأني أخاف على صحتي، وإيماني أيضا!! أسرارنا المباحة حاتم علي.. بطل "على طول الأيام" من يتابع الممثل والمخرج "حاتم علي" منذ بداياته ممثلا لا ينكر تلك النظرة الحادة – والجادة أيضا – التي رافقته طوال مسيرته، لتنتهي به مخرجا يضع اسمه في خانة مميزة لا تستوعب سواه. لم أستطع أن أنتقي لحاتم علي بطولة إخراجية تتفوق على سواها في أعماله، سواء التاريخية أو الدرامية أو الاجتماعية، فتألقه ودقته في أبسط الأمور، وعدم ضحكه على ذقن المتفرج في أبسط المشاهد، بدت واضحة في مسلسلات راقية مثل: صلاح الدين الأيوبي، التغريبة الفلسطينية، الفصول الأربعة. على شاشة رمضان يعرض مسلسل "على طول الأيام"، مسلسل اجتماعي بسيط وناجح جدا، رغم أن القناة التي تعرضه – "سما دبي" – لا تعرض لها مساحة إعلانية إطلاقا، كما تفعل مع "نجمة الخليج" أو "خالد بن الوليد" مثلا.. ما يميز هذا المسلسل بعده عن التعقيد، واقترابه من حياة المشاهد حد التعرض إلى تفاصيله الخاصه بجرأة ووعي في الطرح. أيضا يتميز المسلسل بأسلوب ذكي في الإخراج، يعتمد على النوافذ المتعددة التي تستوعب لنا عدة مشاهد في إطار واحد، ومؤثرات صوتية مميزة. لم أتعرض لتأثير المسلسل منذ بدايته، تابعته في الحلقة المفصلية، وبالصدفة البحتة.. عبر مشهد انفصال خطيبين إثر "خداع" الخطيبة لخطيبها.. لكن صدق المشهد وعفوية الممثلين جعلت المسلسل يعلق في ذهني، لأبحث عن ساعة إذاعته على الشاشة، وأتابعه. أجل، ربما يكون المشهد مكررا، لكن طريقة معالجته الفذة، وما تتابع من أحداث، وبراعة الممثلين – على سبيل المثال لا الحصر: خالد تاجا، تيم حسن، سلاف فواخرجي، وغيرهم. الجميل في مسلسلات من هذا النوع أنك تتابع وأنت ترغب في قراءة تفاصيل النص والسيناريو على وجوههم.. أدائهم، وتلك التفاصيل الدقيقة التي يضيفها المخرج والممثل على النص، وترسم ملامحها على المشهد بكامل أجزائه. أعيب على المسلسل مساسه لبعض الأخلاقيات والعادات الاجتماعية، إذ يجعل لنا تقبيل الأصدقاء لبعضهم – شبابا وفتيات – أمرا لا حرج فيه، في مختلف المناسبات السعيدة – وأخذهم بالأحضان – في المناسبات التعيسة! أخيرا.. قال الإنتاج المحلي كلمته كلنا نذكر الإعلان الذي أذيع قبل سنة تقريبا على أخبار الإمارات في قناة دبي الفضائية، مفاده أن مجموعة من الشباب الإماراتيين يخططون لتقديم مسلسل كرتوني يعد الأول من نوعه في الإمارات. نمنا على الخبر سنة كاملة، وها هو يعود بقنبلة اسمها "الفريج" تعرض على كل من "دبي الفضائية" و"سما دبي"، في وقت حيوي ومريح للعائلة – بعد الإفطار بنصف ساعة تقريبا. تكفلة المسلسل الكرتوني العالية – مليوني درهم على ما أذكر – آتت ثمارها، ومهما كان المبلغ كبيرا، فإن الجهد المبذول، وحسن التصميم والإخراج جعلنا نعيد النظر في إمكانية تحقيق مسلسلاتنا الكرتونية – المحلية خاصة –الشهرة والنجاح. أجل، ربما لا يكون المسلسل موجها بالدرجة الأولى إلى العالم العربي – إذا أخذنا بعين الاعتبار اعتماد السيناريو على الطابع المحلي الخالص، وعلى لهجة العجائز التقليدية، وكذلك معالجة مواضيع محلية بحتة، ربما لا تهم المشاهد العربي – ولكن المسلسل نجح في جذب عدد كبير من المتفرجين، ونستطيع أن نقول بكل ثقة، إنه جذب كل المواطنين والمقيمين في الإمارات، وهذا بحد ذاته كاف. اهتمام السيناريو بالتفاصيل – وأذكر بأهمية التفاصيل في أي عمل تلفزيوني – وتناوله للقطات بعينها يدركها المحليون أكثر من غيرهم، أعطت المسلسل شعبية وأسهما إضافية. كما أن أبطال العمل – صوتيا – هم من فئة الشباب، مع إضفاء طابع الأصالة والواقعية باستضافة بعض الشخصيات المحلية الشهيرة مثل: الممثلة القديرة مريم سلطان، وكبير رابطة المشجعين خالد حرية، ضمن مشاهد المسلسل. 15 حلقة فقط، تتم إعادتها حاليا، وأضمن لأسرة المسلسل إعادة بثه مرات ومرات حتى رمضان القادم ربما! حيث يفكر طاقم العمل بإنتاج المزيد من حلقات المسلسل، ولا شك أننا سنحظى بمتابعة واهتمام متزايدين، وبتمويل أضخم.. وربما من شخصيات بعينها. الخوف كل الخوف من تدني سيناريو المسلسل، أو من إتخامه بالدعم المالي والنفخ الإعلامي لأبطاله – كما حدث من قبل مع مسلسلات أخرى. هي نصيحة إذن لأبطال "فريج" بأن يتابعوا أداءهم كما هو.. ببساطته، وواقعيته، وتفاصيله الجميلة التي تصل إلى المشاهد دون رتوش ولا تعقيدات.

((حين مد إليها يدا.. قال: ظل راجل، ولا ظل حيطه!))
يا ظلّ حائـطِ بيتنا ما أجمَلكْ! كالعقد سطـّرتَ الحَمَامَ على حوافكَ كلّ فجرٍ تـُنشـِدُ الدنيا مَعـَكْ والشمسُ ترسمُ ضحكةً خضراءَ في قلبِ النخيلِ هناكَ أعرفُ من أكونُ.. أفيقُ.. أفتحُ في سماوات الصباحِ النافذةْ والصبح يغسلني نداهُ على الزهورِ أشمُّ رائحةَ الترابِ وظلّكَ الحاني يمر على الوجوهِ الراحله أمي تمشطُ شَعرَها: "يا ربّ أفرحني بها.." شيئا فشيئا يكبر الشقّ القديم على الجدارِ ويضربُ الإسمنتُ جرحا غائرا في جبهتكْ لن أسألكْ: أتحـِسُّ بالوجعِ الغريبِ عن المسافة مثلنا! أتحسُّ كـَمْ كنا لنا.. والآن ظـِلّكَ كم يمدُّ إلى المدى؟ .. ألفا ذراع؟ ألف متر؟ ألف ألفٍ.. كم ترى؟ أنتَ الأبُ الباقي تزلزلكَ الشوارعُ كل يومٍ يعبرُ المارون من درب البياضِ على ظلالكَ يرسمون على امتدادِ الظل صورة حُلمِهِمْ والحيُّ يكبرُ في مَداكَ وكلُّ بيتٍ ينحني لتحيتكْ جَـرِّبْ بأن تقضي نهارك نائماً.. لا الشمسُ تشرقُ لا الفراشاتُ التي تقتاتُ ظلكَ سوف تأتي لا ديوك الحي لا قطط الجوار ولا أحدْ حتى النوافذ سوف يغلقها الكسل إن لم تمد لنا يديكَ ستكبرُ السنواتُ في المرآة حتى لا أراني طفلَتـَكْ يا ظل حائط بيتنا ما أسكـَتـَكْ؟ قم فانثرِ الظلَّ البهيَّ على الخليقةِ أنتَ أدرى ليسَ من رجلٍ له ظلٌّ طويلٌ مثلنا الظلُّ لكْ.. لن أتركـَكْ سأهزُّ نخلتنا لتولدَ من جديد أنتَ طفلي.. أنتَ أهلي.. حينَ تبسمُ كم أذوبُ على ظلالكَ أنتَ ظلّي.. الظل لك! يا ظلّ حائط بيتنا.. من قال إني سوف أرضى.. أن أغيبَ وأبدلَكْ! 
ربما كانت هذه الجملة "العربيزية" الوحيدة التي يمكن اعتبارها درس اللغة الإنجليزية رقم 1 لدى كل العائلات – على اختلاف مذاهبها ومشاربها وعصائرها! – وأظن لا حاجة لتفسيرها، ولكن زيادة الخير خيرين – كما تقول أمي دائما. فـِشّ سـَمَك = مفيش (أي: لا يوجد) سمك كـُول فحـم = كل الفحم (لا تحتاج لشرح) أما في الإنجليزية: سمك = Fish = فـِشّ فحم = Coal = كـُوْل وبما أنني أحمل شعار (ترجم ترجم) فيمكن ببساطة أن تصبح الجملة مفرغة من المعنى: "سمك سمك.. فحم فحم"، بحملها على الترجمة العربية التامة أو الإنجليزية على حد سواء. وبمجرد أن تصل إلى هذه النتيجة المريييييحه.. ستحك رأسك، وتكبر معك الجملة لتغطي مساحة حياتك كلها.. أليست (فش سمك.. كول فحم؟)!!!! سأكتفي بهذه النتيجة العبقرية التي توصلت إليها، وسأبحر الآن في الجريمة – أجل.. الجريمة! – التي دبرتها أسماك الخليج لتغتال حضرة وزيرة الثقافة الفلسطينية سنة 2020! كنت أظن أني استعدت لياقة عضلات رأسي عندما شرحت لإحدى الصديقات درسا في Syntax واكتشفت – ويا للهول! – بأن فيوزاتي ما زالت تعمل.. وبإمكاني التفرقة بين Consonant النحو، و Consonant الصوتيات، ورسم Tree بكل فروعها النحوية. بمجرد أن غادرتني صديقتي، وخلدت المعلومات إلى سباتها. أصبت بحالة إعياء شديدة. ألقيت بي على السرير، وبدأت رحلة التسمم. انتهت بي وأحشائي تعتصر وتتلوى.. كالعادة لم أنادي أحدا، لكن صوتي المكتوم وأنفاسي المخنوقة استدعت جميع من كان في البيت. في تلك اللحظة.. كنت على وشك الموت اختناقا، ألما، إنهاكا. فكرت بشيء واحد فقط.. (الأم) كنت أمرر في عقلي مشهدي وأنا أشد بطني وأرتجف وأتقيأ ولا أكاد ألتقط ذرة هواء، ومشهد أمي وهي تلدني.. مشهد أي أم وهي تلد أو وهي تتألم ساعة الولادة. سخرت من نفسي كثيرا لضعفي.. كنت أقول: ياااااااه.. هذا بسيط مقارنة مع ما هو آت إن أتى! تمنيت في تلك اللحظة أن أكون رجلا لأتجاوز الفكرة خوفا مما هو آت.. سأكون صريحة وأقول إنني شعرت بالفخر أيضا لأن المرأة تتحمل كل هذه الآلام.. ولأن الجنة لم تكن تحت قدمي الأم من فراغ. شعرت بالخوف.. والرهبة.. والفرح.. لأني أشاطر أمي شوطا من الألم – الرمزي – ولأن أمي ولدتني! تابعت مشواري طوال الليلة في حالة أشبه بالهذيان القلق، والقشعريرة. لم أنم جيدا، ولم أذهب للعمل. لم يمض نصف النهار حتى انهالت الاتصالات من الجامعة. بلغت زميلتي "نيرمين" لآخذ إجازة مرضية، لكنها بلغت الجامعة كلها بتسممي.. في اليوم التالي عندما حضرت، وقفت الجامعة على ساق واحدة، لم يبد أن أحدا لم يعرف بالخبر! كان السمك.. مسموما. اكتشفنا أن السمك الطازج واللذيذ – والذي لم أذق أطيب منه فعلا ذلك اليوم – كان مسموما، بشكل أو بآخر كان قد اصطيد بالسم عوضا عن الصيد بالشباك العادية. أصيب بالتسمم أيضا بسام، وإسماعيل.. لكنهما تجاوزا التسمم بجسد أشد مني بأسا. عندما سألت أمي وأبي: غريبة..! لماذا لم يصبكما التسمم أنتما أيضا؟؟ كانت إجابة أمي واضحة.. واضحة جدا مثل الجملة التي اخترتها للعنوان. قالت بسخرية مرة عانقتها السماء: هذا خـَد شـِبـِع من اللَّطـمْ.....!
عندما تتحول إلى عصفور، ما أول ما تفكر في التحليق فوقه؟! بأجنحة عصفور الدوري، لن تصمد طويلا أمام قلبك الذي يخفق كالمجنون، وجناحيك اللذين يخطف منهما البرق التفاتته إلى السماء. نظرة واحدة إلى البراح الذي تحلق فوقه.. وتموت من فرط الحرية. طلب مني أحد رفقاء الحرف أن أصف له موقع المدينة التي أقطن فيها – رأس الخيمة – عبر برنامج Google Earth ولم يكن قد سبق لي تجربة هذا البرنامج إلا سنة 2005 عندما كنت في أحد مقاهي الإنترنت في ليبيا – حوالي الساعة 12 بعد منتصف الليل من يوم 7 أغسطس تحديدا – وحينها لم أصل إلى نتائج مرضية في تصفح الكوكب. وأرجو ألا يسألني أحد لم أحفظ هذا اليوم وهذا التاريخ بالذات – أنا المشهورة بتقنية "امسح امسح"!! عدت لتجربة البرنامج مرة أخرى.. مساحة شاسعة من الذاكرة تنفرد أمامي. ما أول ما يمكن أن أبحث عنه على الكوكب؟ (بيتنا يتربع على التلة، وتبدو "جنينة" البيت مطلة من الشمال الشرقي - الجنوب الغربي في الصورة) تبدو رأس الخيمة أليفة من فوق، وكذلك تبدو شوارعها جميلة، رغم مساحات الرمال فإن الخور ينشر مداه في عمقها بما يشعرك بالرهبة. بحثت عن موقع جامعتي التي درست وأعمل بها حاليا.. وجدتها أصغر مما تهيأ لي. أربع سنوات في رحاب الجامعة "مسحت" قانون المساحة من رأسي. معقووول.. قضيت كل هذه الفترة في ذلك المبنى!! بحث الجميع عما يخصهم.. أخي بسام بحث عن بيته في طرابلس، ود. شاكر بحث عن بيته في "بلطيم" ونيرمين بحثت عن بيتها في المعيريض. لم أستطع أن أخبر أخي محمود أو ابنيه - محمد وإسماعيل - باكتشافاتنا، رنت في أذنيّ جملتهم مقدما: "طلعي لنا مولدوفا وكشينوف وروسيا"، في لهفة محمومة لوطنهم الأخضر "الحقيقي".. فغرقت في لعنات الغربة أكثر. هناك مكان واحد.. خشيت أن أبحث عنه فلا أجده. لكنني في النهاية توجهت إليه. في الطائرة، سنة 2005 أيضا، منتصف أغسطس، كنت على متن الخطوط الأردنية، متجهة من ليبيا إلى الأردن، ثم منها إلى الإمارات. بجانب نافذة الطائرة كان مقعدي، وبجانبي زوجان ليبيان. تأخرت الطائرة في الإقلاع، فكان أن وصلت الطائرة حدود فلسطين – جنوبا – مع المساء. منيت نفسي كثيرا، ودعوت الله ألف مرة أن أرى فلسطين أو أستطيع تحديد مكانها من الطائرة على الأقل. لم أر إلا أنوارا غريبة، وحدودا لم أستطع تمييزها ولو بقلب طائر مهاجر. في تلك اللحظة فقط.. بكيت. كم أحسست بأني غريبة! تأملت خريطة فلسطين جيدا قبل أن أبدا البحث، حددت مكان "السوافير الغربية" بين يافا واسدود وعسقلان. أعلم أنها مساحة زراعية خضراء لا تقبع تحت وطأة ثقل سكاني كالمدن المحتلة الأخرى من فلسطين. سألت أمي وأبي لتستقر الاتجاهات في رأسي وقلبي. عندما فتحت الموقع انتشرت فلسطين في كل جبهة، تدفقت دماء الشهداء من كل مكان. توضحت معالم البلد إلا السوافير.. إلا المكان الذي "خمنت" بأنه السوافير. تسمرت أمام الشاشة فترة من الوقت لعل الصورة تنجلي. لم يحدث شيء..... بعد ربع ساعة من الانتظار، من تقريب المسافة والابتعاد قدر المستطاع... وصلت إليها أخيرا. خضراء كما يجب أن تكون.. تتساءل عن أهلها الذين يبحثون عنها من السماء! أدركت أن السوافير جميلة.. جميلة حتى وهي تزرع أهلها فيها فينبتون غرباء عنها.
(السوافير.. محددة في الإطار الأحمر) ناديت أبي، وأمي، ومحمد، وبسام. رأينا السوافير معا. لا أدري ما الشعور الذي خالجنا جميعا، مزيج من الحنين والألم ربما.. غصة عالقة بأرواحنا ربما.. جربت أن أنتقل إلى مناطق أخرى، فلسطين المحتلة لا تبدو واضحة تماما، ولا مجال لتقريب الصورة كما يجب. في غزة بدا الأمر مختلفا، كان لك أن تقترب كما تشاء. وكذا في جميع الدول الأخرى! أي جبن زرع في قلوبكم أيها الأوغاد المحتلون! رأيت شجرة البرسيانا، وشجرة الزيتون في جامعة ناصر الأممية في ليبيا. وعدت شجرة الزيتون ألا أنساها، وأن أزرعها في السوافير عندما أعود إليها يوما. فرحت كثيرا عندما رأيتهما شامختين رغم المسافة، وكم بدتا عظيمتين مشتاقتين تفردان أغصانهما للعناق.
(جامعة ناصر الأممية - كلية الزراعة. تبدو شجرة الزيتون يمينا، والبرسيانا يسارا) رأيت بيتنا القديم، ذلك الذي ما زلت أحلم بأني أهرب إليه راكضة تارة، وباكية تارة أخرى.
(بيتنا القديم، بعد أن غمرت البيوت الساحة الواسعة أمامه، لكنها لم تغمر ذاكرته ) تذكرت مدرستي الابتدائية التي فضلتها رغم بعدها على مدرسة قريبة جدا من البيت، و.. "وكرنا السرّي" فيها!
(مدرسة هند الابتدائية للبنات - كما تظهر في المربع الأحمر - وفي الدائرة "وكرنا السري") رأيت مدرستي الابتدائية العليا، المدرسة التي رغم كثرة المدارس التي مرت علي لا أحلم إلا بها. ولا أذكر أني درست أجمل سنوات حياتي إلا فيها.. بحلوها ومرها، وشجرة "البؤس" خلف المدرسة، تلك التي كنت أجلس تحتها لأبكي وحدي كلما سافر أحد إخوتي. (مدرسة الظيت الابتدائية العليا، لم يعد لـ"شجرة البؤس" وجود.. اقتلعت جميع الأشجار) رأيت أطول طريق قطعته من المسافة إلى المسافة.. يغلفني البنفسج. (مدينة طرابلس، أقصى اليسار: فندق باب الجديد، أقصى اليمين: برج الفاتح، تفصل بينهما مسافة أكلتها آلة الزمن!) رأيت.. ورأيت.. وأخيرا.. عدت إلى أرضي. فردت أجنحتي.. .... اللهم شدد جميع الأجنحة المتكسرة. لمن لم ير
<<الصفحة الرئيسية



























