أقف هنا كثيرا، لأتذكر حديثي مع أخي بسام، ونحن نشق طريقنا عبر شارع نادي الجولف ذاهبين لجلسة ثنائية على كورنيش الخور في رأس الخيمة. سألني بسام سؤالا لا يخلو من مكر: يعني بصراحة.. ما حبيتيش عمرك حدا؟ لما كنتي في المراهقة مثلا! من الصعب أن تصارح فتاة أخاها أو أحدا من أهلها بأنها تحب "فلان" أو علان.. خاصة إن كانت في مرحلة المراهقة. والأصعب أن تذكر فتاة لأي فرد في عائلتها أنها في طور المراهقة.. أو تصدق هي شخصيا أنها في هذه المرحلة! في تلك المرحلة من اختلاط البيت بالمدرسة والأهل بالأصدقاء، كنا نجد أنفسنا موزعات على مفاهيم عجيبة.. ولنقلها صراحة وبلا خجل.. كل دروس التربية الأسرية والعلوم وعلامات البلوغ وحالات الإعياء والخجل الشديد وأحيانا الوحدة المفرطة التي تصيب بعض الفتيات في المدرسة. علامات عجيبة كل واحدة منا كانت تنظر للأخرى بعين الريبة، وتسأل نفسها: ماذا يحدث لها؟ هل سيحدث لي مثلها؟ وما هو الموضوع أصلا!! عندما دخلت البنات طور البلوغ والمراهقة.. اكتشفنا – ويا للذكاء! – بعد أكثر من عشر سنوات على الحادثة العظيمة هذه – أثناء نقاش في الجامعة – أن معظمنا.. معظمنا وبلا مبالغة، لم يكن يعرفن ماذا يعني البلوغ أصلا.. وما هي المراهقة، وكل تبعات ذلك.. سواء للفتاة أو الصبي. كل ما حدث أن الأمور تسير على نحو عشوائي متسارع.. وتدرك الأم أهمية درء المعلومات "السرية" عن البنت كيلا تنتابها الهواجس أو تنحرف مثلا. وهي لا تدري أنها بسريتها وكتمانها لمعلومات دقيقة كهذه تجنح بابنتها أو ابنها نحو الهواجس والقلق. في المدرسة الإعدادية.. كنا مراهقات – كما يجب أن نكون – فينا من أبهجتها تغيراتها النفسية والجسدية فآلت على نفسها ألا تنكرها وأن "توظفها" خير توظيف، وغيرهن ممن أنكرن هذه التغيرات وحاربنها، وحاربن كل أساليب المراهقات المتعارف عليها – وكنت قائدة هذه الجبهة بطبيعة الحال! في تلك الفترة، كثرت حالات الحب الغريزي الأول – الحب المعزول عن الفكر والقلب معا – ووجدت الفتيات أمامهن خيارا يتيما، ألا وهو حب سائق حافلة المدرسة! سائق حافلتي – على وقع حوافر الحظ – كان شاميا، فارع الطول ووسيما. عرفت فيما بعد من التحريات التي أجريناها أنه متزوج وله بنتان توأمان وزوجة كفلقة القمر. بطبيعة الحال.. أحبته ثلاثة أرباع طالبات المدرسة. لم تكن لهيثم – السائق – ناقة ولا جمل، وأظن عمله سائقا كان مؤقتا لظني أنه يحمل شهادة عالية، وكانت أخلاقه واحترامه لنفسه يشهد له بأنه مستقيم ولا رغبة له باللعب على أوتار المراهقات المنقطعة من دونه أصلا!! مادة دسمة أمامي.. لم أستطع إلا أن أشارك في إعدادها. ولكن.. على الجبهة المضادة. يمر اليوم الدراسي، ونحن نجمع المعلومات عما استجد من أحداث. غالبا ما تقوم البنات بالمشي في جوار الحافلات المدرسية أثناء الفرصة، أو أثناء الحصص الإضافية أو تلك التي لم تحضر فيها المعلمة. باختصار: يستعرضن طولهن على السائق وينذرن عمرهن لنظرة خاطفة من عينيه تجاههن.. نظرة واحدة كافية لتبعث فيهن الأمل حتى يوم الغد، وهكذا دواليك! جمعنا الكثير من المعلومات.. تكفلت بنقلها على الورق قصصا وروايات. كل يوم، نجتمع في الفرصة الثانية وألملم الأخبار من صديقاتي المتحريات، ونلتقط الصور – في مخيلتنا طبعا – للحظات الحب المخطوفة من عيون المراهقات – ونحولها إلى شريط فيلمي لم ينتج "يوسف شاهين" مثله.. ولا يحلم بأن يفعل! حضرنا "بوستر" الفيلم.. على صور فتاة جالسة تنتظر حافلة تمر من بعيد.. مع اسم الفيلم، وأبطاله.. و.. و.. كنا جميلات جميعنا، ونعي أنفسنا تماما، ونعي كم كان "هيثم" وسيما.. ويفترض أن نحبه مثلهن. لكننا كابرنا على المراهقة، وانتقلنا إلى مشروع آخر مضاد تماما.. يضحكنا على طور مراهقتنا التي اكتشفناها بأنفسنا – ولم تجد علينا بها كتب دراسية ولا مشورات عائلية لم نطلبها أصلا! المضحك في الأمر، أن "هيثم" – أو "هيام" – تحول إلى اثنين.. نسختين!! إذ أفقنا في يوم على سائق حافلة آخر، نسخة طبق الأصل – ولكن سمراء نوعا ما – عن "هيثم". هنا.. دبت الفوضى في قلوب البنات.. يحببن من؟ ومن الأجدر بماذا؟؟ عبء إضافي على كاهل تحرياتنا.. ولكننا واصلنا باهتمام.. أذكر حينها أني كتبت في المذكرة: "اليوم حدث تطور عجيب.. هيام أصبح هيامين.. وبدل هيثم واحد صار عندنا اتنين!!" وكما على الأفلام أن تنتهي.. وصل العام الدراسي إلى ختامه، وحانت لحظة فراق "الأحباب". في ذلك اليوم التقطنا كثيرا من الصور – ليت موبايلات الكاميرات كانت متوافرة – واللحظات المؤثرة، لفتيات أنهكهن البكاء، وأخريات غرز الحب نصله في قلوبهن العذارى. كنت في الحافلة نفسها.. أرقب من شباكي كيف تتأمل البنات سائق الحافلة في أسى، من شبابيك حافلاتهن الأخرى، وكل واحدة تمني نفسها أن تركب هذه الحافلة دون تلك. تساءلت: هل أنا محظوظة لأكون في هذه الحافلة أسجل المشاهد الأخيرة! 
الاربعاء, 25 اكتوبر, 2006
بينما أستمع إلى مقطوعة موسيقية لهذا الذي يبهرني بقراءة حياتنا ككتاب مفتوح أمامه لينشرها على الموسيقى بلا خجل – مارسيل خليفة – أعود إلى المقطوعة فأجد اسمها: "العروس"، وأجدها ضمن ألبومه "أحمد العربي".
في الإمارات عموما، يتولى قيادة الباص غالبا رجل لم يكمل تعليمه، عجوز أو "شايب" – كما نسميه – وغالبا يكون من جنسية آسيوية أو ما شابه، لذلك فإنه يوضع في خانة "البلاك ليست".
جمعت عددا من صديقاتي المقربات، وقررنا أن نوثق كل هذه الأحداث. أعددنا فريق تحريات، واخترنا أسماء مستعارة لكل واحدة منا. كان اسمي المستعار هو: لوبيا، وكنت مؤلفة ومخرجة الفيلم الذي قررنا إصداره بعد انتهائنا من التحريات. عنوان الفيلم هو: أنا هنا.. فانظر إليّ!
نثرنا العيون في أرجاء المدرسة كافة. على أن نأتي بأخبار البنات اللواتي يلاحقن السائق طوال فترة تواجده في غرفة البواب مشاطرا السائقين الآخرين جلستهم. أعطينا للسائق – هيثم – اسما مستعارا آخر، وهو "هيام".
ما زلت إلى الآن.. أحتفظ بـ"بوسترات" الفيلم، ضمن كتاب مذكراتي. أما "السيناريو".. فقد أحرقته منذ زمن؛ ضمن ما أحرقت!
... لم أهرب من الإجابة على سؤال بسام.. لكن صفحات المراهقة أجمل من أن تطوى في مدونة واحدة!
أضف تعليقا
اضيف في 26 اكتوبر, 2006 11:06 م , من قبل asma
الأستمرار لا يكون بأحراق الماضي
طريقة واحدة لتستمر للأمام ...أمشي بالخلف وعيناك مفتوحتان على الوراء!
اضيف في 27 اكتوبر, 2006 12:59 ص , من قبل amalna
------) تحياتي لك رفيق الحرف/ كملاوي..
حياتنا رواية.. نقلب صفحاتها على مهل
تحرقنا.. وأحيانا نحاول أن نحرقها فنفشل
كن بخير دائما
اضيف في 27 اكتوبر, 2006 01:01 ص , من قبل amalna
--------) أسماء..
آخر الدواء الكي يا أسماء
ألا وهو "حرق" الجسد..
إن جاء العلاج على بضع أوراق فهانت.
لكننا نحرق الماضي لنؤصله فينا، وليس لنبحث عنه على الورق.
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية



























بصراحة شدتني الرواية ، وضعت في سراديبها وحكاياتها..إنهاتجمع بين تراجيديا شيقة تحمل بعض الفرح والكثير من الآلام .. آخرها إحراقك لبعض المقتنيات الحلوة .. إنه إجراء قاس .. فقد فعلت ذلك ذات يوم..