فلتكن إذن أيها المتصفح المستاء؟ فهذا ما أردتها أن تكونه!!
أحسست بالوحشة تتسلل إليّ وأنا أدخل مفتاح المكتب في قفل الباب. لأول مرة أدخل مكتبي فأراه موحشا هكذا.. رغم كل البنفسج الذي يتراقص في أجوائه. رغم الدمية التي تشبه "عـَروض" بزمبركها الراقص.. رغم الزنابق البيضاء وتلك البنفسجية. كان مكتبي موحشا جدا. أخرجت ورقة صغيرة، كتبت بضع كلمات لمديري – عندما أستعيدها الآن أتذكر كم كانت ساذجة!! – قلت فيها إنني أستأذنه الخروج لـ"أتمشى". وتركتها على مكتبه، ومضيت. لم أحدد وجهة لسيري! أصبحت أتمشى في شوارع رأس الخيمة كثيرا هذه الأيام. هناك علاقة لا أستطيع تفسيرها تنشأ بين خطواتي وبين أرصفتها القرميدية. رغم أن ليلة البارحة كانت ماطرة، لم يغادر فيها البرق والرعد سماءها إلا عندما غفت جفوني عن متابعة ضوئها من النافذة، إلا أن شمس اليوم حارة جدا؛ كأنها تعاقبنا على بذخ الليل! تذكرت "محمد منير" وهو يغني: "إديا في جيوبي وقلبي مضطرب.. سارح ف غربه.. بس مش مغترب". كنورس أضاعه السرب، أخذتني خطواتي باتجاه البحر. هذه المرة كنت سأتخطاه لكنني عدت أدراجي، من طريق مدرستي الإعدادية/الثانوية التي تحولت إلى مدرسة ابتدائية. وصلت إلى بحر لم أره من قبل في حياتي. بحر تتقاذفه الأمواج.. بحر مضطرب مثلي تماما. ما عدا ذلك فالبحر ساكن حد الموت. لماذا هنا فقط! لماذا هنا فقط يجن جنون الموج إذن؟! جلست على إحدى الصخور الضخمة، وكسرتني الموجات واحدة تلو الأخرى. بكيت.. لكن الدمع خانني، لم أطل البكاء ولم أنتحب. بضع قطرات من الدمع فقط، لم أكن في حاجة لتجفيفها! تائهة.. بمجرد أن غادرني البحر. تمنيت لو أن بيدي رسالة أضعها في البريد ككل مرة أخطط فيها مسبقا للمشي. إذ ذاك، قررت أن أزور صديقتي "حنان" في عملها الجديد. مفاجأة.. إيه! أحسست أني في حاجة لأن "أبحلق" في حياة أي إنسان آخر.. سواي! أجل.. كنت في حاجة للمشي عليّ. للمشي على أي رصيف لا يتركني مداسا للأفكار المسرعة. هناك، اتصلت صديقتنا "ربا" مصادفة، لتبلغنا بأنها قادمة لزيارتي في العمل لكنها لا تجدني في مكتبي. في تلك اللحظة شعرت بغصة البكاء تنتابني مرة أخرى. تذكرت بريدا إلكترونيا وصلني منذ فترة، توصي فيه أم ابنتها بألا تفقد صداقاتها أبدا؛ لأنها ستجد كل صديقاتها إلى جانبها – أو بعضهن على الأقل – عندما تكون في أشد لحظاتها حاجة لدعمهن، وروحهن العالية. أدركت حقا.. كم هن صديقات حقيقيات.. وأنني لست في حاجة للتوجع لأجدهن بجانبي. عندما وصلت مقر عملي كان هناك عمل ينتظرني، ومديري القلق على هذا الاستئذان المحير. حمدت الله أن جعل لي مديرا/ أبا، متفهما وطيبا، و.. حليما! في خضم هذا اليوم البائس الجميل.. أتساءل لماذا يحدث دائما أن أقوم باستبدال حذائي بـ"شبشب" في مشاوير عفوية كهذه؟ ففي خضم المشي تأثر كعبي، والتهب الجلد جراء احتكاكه بالصندل. لم أستطع مواصلة السير بصندلي ذي اللون الزيتي.. الصندل نفسه الذي انتعلته عندما طفنا الأهرامات مرورا بامتطاء الخيل.. ولم يسبب لي أذى حينها! فاضطررت لدخول محل اشتريت منه "شبشبا" حليبي اللون، تابعت به يومي. أتساءل إلى متى لن أحظى بفرصة لرؤية صديقتي "منار منجد" شخصيا، بعد أن أجهضت "السلطات العليا" محاولاتي المستميتة لحضور افتتاح معرض تشكيلي في الشارقة، كان يمكن أن ألتقي فيه بـ"أمل" أخرى. أبحث عن سبب مقنع يجعلني أفهم لم كتبتُ لـ.. "زميلتي" في العمل، إهداءً على غلاف كتاب أهديتها إياه في يوم ميلادها، دونتُ فيه اسمها، مرفقا بـ"لك يا زميلتي"، مما جعلها تكتئب طيلة اليوم لأن "الزمالة" من أدنى درجات المعرفة برأيها. قبل أن أكتب هذه المدونة، شاهدت صدفة – كالعادة – حلقة من مسلسل "أهل الغرام". يعجبني هذا المسلسل جدا، لكنني أدعو الله جاهدة، ألا أكون في يوم من الأيام، إحدى حلقاته! أحاول أن أرتب غرفتي، أن أتخلص من الأشياء التي تركت ظلالها ثقيلة على كاهلي ورحلت دوني. لكنني أعجز عن ذلك حتى اللحظة. "بسام" في جزيرة "كيش" الإيرانية.. ماذا يفعل الآن يا ترى؟ هل سيلعب دوره مرة أخرى ويقرأ كل المدونات التي فاتته يا ترى؟! . . . أظنني استعيدني تدريجيا.. إلى كل الأحبة الذين سيفتقدونني خلال الأيام القادمة: أظنني متصالحة مع عزرائيل، فلا تقلقوا.
البارحة* تبرعت بالدم.. فكرت في المثل الذي ذكرته أعلاه - بعد تحويره نوعا ما - حين انتابتني نوبة من "الدهشة" المفاجئة وأنا أضغط على الكره المطاطه ليسيل الدم من الأوردة إلى الكيس البلاستيكي الذي أخذ ينتفخ تدريجيا... دغدغتني السعادة؛ فلم أكن أظن أني قادره على التبرع بالدم قبل الآن. ظننت دائما – بالأحرى كان كل من يرى هيئتي – أني مصابة بفقر دم بسبب وزني، وبرودة أطرافي حد التجمد لأقل درجة برودة يسببها التكييف أو الجو. قبل أن تستقر تلك الإبرة - التي بدت كفوهة دبابة تستقر في وريدي المسكين – كنت أعاني من تشوش فكري وخلل في الإرسال النفس/عاطفي. هناك سيل من الأفكار تجتاحني، ومزاجي غير رائق إطلاقا. يمكنني أن أقلب الابتسامة عبوسا، والعبوس ابتسامة متى شئت. النكات قد تنطلق لتضحك أو تجرح.. أي شيء في تلك الفترة كان ممكنا. بمجرد أن بدأ خيط الدم الرفيع يتسلل تدريجيا.. ابتسمت.. ثم ضحكت.. يااااااااه.. إنه دمي! لحظات نادرة، لا أعوضها بمال الدنيا، أحسست بأن لحياتي معنى آخر! وكذلك أحسست بكل اضطرابي وعكارة دمي تسيل عبر الأنابيب خارجة من دمي. ببساطة.. أحسست أنني أتطهر من دمي! كنت سعيدة، أمازح الطبيب الذي كان يخشى أن أصاب بالدوار خلال عملية نقل الدم، لكنه ما لبث أن بدل رأيه وارتاح نفسيا من عبء القلق الذي ينتاب الأطباء من المتبرعات.. لا المتبرعين. أصعب ما في عملية نقل الدم هو استخراج الإبرة من الوريد في نهاية العملية. تكون قد استرخيت فعلا، وبدأت مخيلتك ترسم صورة ذلك الذي سيحظى بدمك، هل سيقودك إليه يوما.. حدس دمك؟ أم أن رابطا شعوريا خفيا سينشأ بينكما مرده دمك الساري في أوردته! ربما أيضا أحسست بأن العضلات نبتت في أصابعك بسبب ضغطك المتكرر على الكرة المطاطة. فجأة.. يرن الجهاز معلنا أن عملية النقل تمت، وأن لا مجال لسحب المزيد من دمك خشية عليك لا على انفجار الكيس! سألته: خلص هيك؟ محنا قاعدين.. بدري! أجاب الدكتور: كفايه على كده. سألته: طيب كم المفروض تسحبو منّي؟ أجاب: 450 مللي. نظرت إلى الكيس، فوجدت مؤشر الجهاز مستقرا عند الرقم 460. صحت: كمان عشره مللي زياده.. مين قدكم! مبروك عليكم دمّي!! سحب الممرض الإبرة.. إحساسك وهي تتحرك تحت جلدك لا يوصف، ليس الألم فقط ما يترك آثاره على ساعدك، ولا الدم الذي ما يلبث أن يتجلط. هناك إحساس بأن أحدا قام بتنقيتك، أو بتصفيتك، وشعور إضافي آخر بأنك تتمنى لو تظل جالسا جلستك هذه.. إلى أن تصفّى من آخر قطرة من دمك. تخيلت أن أوردتي جفت تماما.. وأن قلبي ما عاد يضخ إلا الهواء. انتعشت لحظة، كم سيكون رائعا أن يتخللك الهواء داخلا وخارجا منك وإليك. أن تستوعب الكون كما يستوعب جناحا الطائر الفضاء الرحب! * البارحة (حسب تاريخ كتابة مسودة المدونة): الأربعاء 15 نوفمبر 2006. 
![]()
ذكرني محمد سعيد حارب - مخرج المسلسل الكرتوني الإماراتي "فريج" - بالتصوير، من يعرف الرسم والموسيقى والقلم لا بد أن يتبادل حميمة من نوع خاص مع التصوير. دائما ما كانت حجتي لالتقاط الصور هي "تخليد اللحظة"، وهذا ما جعل ألبومات الصور تتكدس في بيتنا بمجرد أن أصبحت في سن تؤهلني لحمل الكاميرا، والاحتفاء بامتياز التصوير دون الرجوع لـ"السلطات العليا" لتحصيل الموافقة القانونية على التقاط صورة. يمكن للصور أن تولد في أي لحظة مدهشة، بمجرد أن تتسلل لقطة مناسبة. تمنيت دائما أن يلتقط لي أحدهم صورة – أي صورة – دون إذن مسبق. صورة عفوية تماما، لا تضطر فيها لأن تنظر في عين الكاميرا، ولا أن تسأل مصورك إن كانت وقفتك أو جلستك صحيحة، ولا تستدعي إلى ذهنك كل أرقام الدنيا حتى يجود عليك المصور بـ"واحد اتنين تلاته" أو بـ"تشيز" أو "معيز" أو....!!! في عائلتنا اشتهر أخي بسام باللقطات المدهشة، بأن يكون هو دائما "مادة" الصورة المدهشة، لا ملتقط الصور المدهشة. فهو جاهز دائما لالتقاط صورة عفوية له، ودائما ما تكون حصيلته الأوفر، والأقرب إلى الذهن عند استدعاء اللقطات من الذاكرة. هاجس "تحميض" الأفلام تلاشى الآن؛ فلم يعد لزاما عليّ انتظار تحميض الأفلام، وتحميلي "جـْمـِيلة" تحميضها عند استوديو الأفلام حالما ينتهي شريطها الذي يضم 36 صورة – تطلع الروح حتى يتم التقاطها جميعا في مناسبات قد تمتد أشهرا!! – البركة كل البركة في موبايلات الكاميرات، التي وفرت علينا عناء التقاط الصور، بل وأعطتنا مدى أرحب سواء في طريقة التقاط الصور أو التأكد من جودتها وملاءمتها. لا يمكن أن أنسى بالتأكيد ذلك الكم الهااااااائل من الصور التي التقطت في حفل ديوان العرب في نقابة الصحفيين في مصر، وفي نهاية الأمر.. اكتشفنا أن الكاميرا بلا فيلم!! تمنيت فعلا وقتها أن أستنسخني إلى اثنتين: أمل على المنصة تلقي برنامج الحفل، وأخرى تلتقط الصور للجمهور والفعاليات المتلاحقة! كان جنونا ذلك اليوم.. وهاكم بعض الصور الفريدة من نوعها التي التقطتها لرأس الخيمة، أثناء سيري "الحر" – أشبه بالسقوط الحر في ارتطامه بـ"يابسة" الحرية – في شوارع رأس الخيمة، وبعض الأماكن التي أزورها من حين لآخر. رأيكم.. يا أعين العالم. 
زاوية مطعم باستامانيا المعتادة - مركز منار/ رأس الخيمة


(ممنوع..!)






لا، لم أساوم قاتلي فيلمطرالوطن الغياب فإنني "وطني "
فليمطر الوطن الغياب فإن لي وطنا إذا ناديته لبى..
أجــــــــابَ
وإنّ لي حـبا سماوي الخطى كالعندليب سينشد الجـٌرم الذي حجبوه عن عين الرجال بأغنيهْ
لم أفتعل حربا
ولم أخسر من الأشياء إلا ظلها
أنا كائنٌ يقتاتُ نور الشمس لستُ أريد ظلا
إنني ظلي وإني أصل وحدي..
إنني وطنٌ يدبُّ على المسافهْ.
هي تلكَ..
امرأةٌ وأخرى
ألف امرأة توضّتْ من دمي وهجرتُها بحثا عن الأخرى وكنتُ أدور ثم أدور ثم أعود للأولى وأفتعل اندهاشي إن توضت من دمي..
كل النساء تطهرتْ..
كل النساء تركنني نجسا من الظل/ الوطن.
كنت الجريحَ
أنا الشهيدُ
.... هو البطلْ!
أجتاحُ أرضي كي تعودَ لأصلها
كي تنزعَ الوجهَ القبيحَ عن الكرومِ وتنبـِتَ الزيتونَ أخضرَ مثلما عَرَفـَتهُ في حطينَ
أحمرَ مثل تفاحِ البلادِ
وأسودَ العينينِ مثل الثوبِ
أبيضَ كالحقيقهْ.
ما إن تمرَّ على البلاد فتبدأ "الأشياء" تبكي
أي زنبقة ستنسى شاطئا
حباتِ رمل أو قطيع نوارس كانت تبادلها التحيةَ
طفلة داستْ ولم تدري عليها
دعوة لقضاء أمسية بجانبها
نجوم لن تطل الآن غيبها الأرق.
أتظن أني قد أبالغ في حنيني للوطن؟
أتظن أني لن أبالغ في اجتياحي
من سيقتلني..
انتظاري لانتظاري؟!
إن يكن!
وأعرف كيف أمحو ظله عني
وأعرفني
أنا
هو
والوطن.
دعوني أتوقف لأتنفس قليلا تعبت من الكتابة تعبت مني.. اشتريت جملا.. بأربع قوائم.. وسنام.. من قطن ليعلمني الصبر.
أحـبك... بقدر مسافة تبتلع غصة الألم.. لا سيف بيدي لم أكن يوما "مي زيادة" بحثت عن روح "فدوى طوقان" فرزقني الله قلب "أبي القاسم الشابي" أكرر كلمة "المسافة" كثيرا في كتاباتي.. ما الذي يحدث لي..؟؟
تبدأ بإصبع.. ثم تمتد لتلتهم كفنا، يدنا، قلوبنا................ ستفقد السماء ألوانها قريبا أرتجف "اقـض ِ ما أنتَ قـاض ٍ". 
لا ينسين الوطن، ولا الحق، ولا الموت في سبيل الله.
في "بيت حانون"....
ما لا عين رأت.. ولا أذن سمعت!
لكننا..
يا التي روحك تسكنني
وضحكتك الشفافة ترتسم على صفحة الماء أينما حولت ناظري
أيكفيني أن أضم الأرض والسماء لأبحث عن نسمة مرت على خدك!
عن خطوات الطفولة والصبا على أرض الذاكرة!
.. دفتر شقوتنا.. خطوط رسمتها أقلامنا أحلاما على الورق!
بعدد شهدائنا ودماء زيتوننا ودمع أحبتنا..
سيمد الله أجنحة تحمل أرواحنا منـّا إلينا
"يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون".
أيها القتلى
على أبواب الانتظار
لا درع يدرأ قلوبكم الهشة عن قبضة الحلم..!
عيني
يدي
براء من دمكم.
لم تولدي
ولن تكوني
فحلقي بأمك بعيدا.. بعيدا.
هل سيأتي يوم أتخلص فيه قياسات الذاكرة؟
يجلدني الكتاب
تذبحني الكلمات من الوريد إلى الوريد
إن لم أقرا سأجنّ..!
س
أ
ج
نّ!
اشتقت إليها
أين تركتني وذهبت يا ترى؟
لم أعرف تلك التي أدهشها أن تراني أختلس النظر إليها وهي تغير ملابسها
خافت
اكتشفت أنها مدهشة..
كسرت المرآة.. و...
هربت!
تذوب في شفتي قبل أن أسجلها على الورق
وأني حجزت تذكرة لأسافر إلى البحرين، وسأشهد ولادتها الثانية
كنت أتصل بها هاتفيا عندما استيقظت وأنا أقول لها: سآتي يا ابنتي.. سنفرح سويا وأضم
كيف كانت ستبدو "أمل".. لو أنها لم تكن آخر العنقود؟
ولو أنها لم تشهد كل تلك التجارب الحياتية أمامها؟
ماذا لو كانت الابنة الكبرى....؟
أي كارثة!
ألا يكفي أن تقرضنا المسافة والوقت!
هي هكذا..
أعدكم..
سأهب كل واحد منكم قطعة منها يلونها كما يشاء!
أرسلهما أبي إلى سوق السمك..
..
بعد تفكير طويل
وجدت أن النهاية واحدة!
البارحة نسيت أني لم أتغدى، وتذكرت ذلك ساعة العشاء
سخر الجميع مني لنسيان ما لا ينسى
أفضل الشرب على تناول الطعام
ربما لأنني "سما- ئية"!
ليس بردا
ليس حمى
أو.. لعلهم سيزورونني من جديد.
نبض فستان **** لا أحلم بفستان أبيض بل... بقلــب أبيـــض!
أحلامها رسائل تكشف لها ما أخفته المسافة. هكذا تبدو أمي مرتاحة الضمير وهي تتصفحنا في أحلامها اليومية.. تطمئن على هذا وينشغل بالها على ذاك. وفي كل مرة – تبعا لمناسبة الحلم – تجدها إما تسعفنا بالحلم – الرؤيا – فور وقوعه، أو تتمهل ريثما ينتهي أجل الحلم ويتحقق فعلا، أو تلمح لنا من قريب أو بعيد بأن هناك أمرا سيحدث. في كل مرة.. هكذا.. كأنها الإشارات المنتظرة، تجد الحلم واقعا يركض أمامك. ربما يختلف تفسيره من حسب ظروفه، لكنه يحدث. نغرق كلنا في موجة الدهشة، أو التندر، والاستسلام إلى هذه المرأة الحنون التي تكشفنا جميعا.. برمشة عين. منذ فترة.. وهي تغمزني فرحة أحيانا، وتلقي كلمة هنا أو هناك لترى ردة فعلي. اليوم صارحتني بحلمها. لقد حلمـَت بأنها اشترت لي فستانا بـ25 درهما. بدت سعيدة وهي تقص الحلم وترقب وقعه عليّ. لم أبدأ بتأويل الحلم إذ إن موضوعها الدارج هذه الأيام، وشغلها الشاغل هو تزويجي. وكان حلمها لا يحتاج إلى تفسير. قالت لي إن الفستان لا بد فستان زفافي... وأن الـ25 درهما إشارة إلى مهري! أكان يجب أن أضمها تلك اللحظة – ككل البنات "الطيعات" – وأقبل جبينها فرحة، وأقول لها: ادعيلي يا ماما يا رب أتزوج ياااااااااااااااا رب..!! أم كان يجب أن أحمر خجلا وأركض إلى غرفتي والفرحة تجللني! لم أجدني إلا أفند لها حلمها..: الحلم بثوب عرس يعني الموت! خلاص شكلي حموت.. اقرو على روحي الفاتحة!! وصيتكم الولااااااااااد! رغم ذلك لم أخرب عليها بهجة الحلم.. أكدت لي أن الفستان ليس فستان عرس، وأنه "مجرد" فستان! حاولت أن "أبعكش" في تفاصيل أخرى لكنها لم تستسلم لأسئلتي اللحوحة واكتفت بابتسامة. أمهاتنا طيبات جدا.. صدقوني! لكننا قساة إلى درجة تجعل أفراحهن البسيطة تعاسة وبؤسا في نظرنا أحيانا. نبخل عليهن بأمنية.. بأمل يراودهن.. نخطف لقمة الفرحة من أفواههن.. ولا نأكلها! أجل.. ككل البنات أرغب في أن أتزوج ويكون لي بيت وأولاد يركضون حولي في كل مكان. لا مجال لإنكار هذه الحقيقة لدى أي منا.. مهما علا أو دنا. لكن لدينا جميعا مسؤوليات نهرب منها، أو تهرب منا.. مسؤوليات نؤجلها إلى أن يصبح في إمكانها تأجيل نفسها بنفسها عنا. هكذا نجد مبررا لضميرنا أمام أهلنا، وأمام مجتمعنا. كلما أذكر قافلة القتلى الذين ألقى بهم الزمن في مقبرة "شهداء الحرب"... يؤسفني أن أضيف إليها آخرين مبددة أحلام أمي – أو ربما أحلام العائلة برمتها حاليا. لعل المثل الفلسطيني القائل: "فـِضـِي القرد لمـَعـْطْ الجـِـلد" ينطبق عليّ تماما الآن؛ إذ لا أحد أمامهم سواي وأخي محمد.. والولد لا يفوته قطار ولا صاروخ.. فهو "راجل".. ويمكنه أن يأتي راجلا متى شاء، بلا مواصلات! أحاول أن "أحقد" على مارسيل خليفة.. وعلى مقطوعته الموسيقية "العروس".. لماذا أستمع إليها؟ هل لعنوانها تأثير على أحلام أمي يا ترى؟!! ولماذا لا تحلم أمي بأني أحب أحدا مثلا؟ أو بأني كتبت قصيدة جديدة؟ أو سأنشر كتابا آخر؟ لمَ أحلامها "مصيرية" هكذا وعلى أقصى درجة من الخطورة؟ ربما.. سأحاول أن أقنعها بأن الفستان الذي اشترته لي هو "فستان" تخرج.. وأن الـ25 درهما هي المبلغ الذي سأدفعه لدراسة الماجستير! من يعرف طريق "ابن سيرين"... فليدلني عليه. 
<<الصفحة الرئيسية

























