رحيق
.

:: كللللللللهم عشــاق!

يا عزيزتي.. كلهم عشاق!
أولئك الذين يبحرون في الفضاء السيبروني، بلا مجاديف، بلا أطواق نجاة، بلا بذلات غطس... يطيب لهم الغرق في أوهام الحب، في يومياته المكرورة، في رنات الصباح والمساء، ورسائل الإنترنت التي تقفز من الجانبين بين حين وآخر..
 
لماذا يلتهم الحب جل تفكيرهم؟ ولماذا تصبح كل الأسباب نتائج عشق محتملة؟!
هناك.. في تلك النافذة الضيقة المضيئة، تذوب القيود، وتلقي المردة فوانيسها على طرقات الكلمة.. تترك لهم تمسيدها بحنو، والعبث بخصلات شعر المسافة، وصبغها، وقصها، وتجديلها.. لكنها تتشابك رغما عنهم، أو.. بإيعاز من أصابعهم التي يشدها العبث بلوحة المفاتيح.
 
إنها تشبهه، إنها تختلف عنه، إنها............
إنه يشبهها، إنه يختلف عنها، إنه.............
 
هما معا.. يتفاهمان بود، بحنو، كلماته تذوب فيها، وكلماتها تتسرب إلى مسامه.
يدخلان في بهجة التمني، بأنه نصفها المنتظر، وهي ضلعه المفقود، لا أحد سينتبه إليهما معا، متشابكان يدا بيد، لا أحد.. هما فقط ينسجان كلاما وسلاما وأخبارا تخص كوكبا لا يقطنه سواهما.
 
أتحبه؟ أيحبها؟
 
يولد ذلك الكائن العذري.. ينتحل صفات الأبناء جميعا، وينسب نفسه لعائلة مقامها بضع علامات وفاصلة. يرضع حليب الانتظار، والمواعيد المؤجلة والحاضرة، لكن أحدا لا يفكر في فطامه.
 
ينتحر الحب على الشاشة
يولد حب آخر..
تشنقه شاشة أخرى
يقفز حب من نافذة مشرعة
يهوي من طابق البريد العاشر حب متعثر
يتسلق حب سلم النجاة
يحترق في حريق يلتهم الأخضر واليابس
 
 
هما..
يعرفان أن ليس الحب من يركض لاهثا خلفهما..
إنها دقائق من التمثيل على الوقت
لا جمهور على المسرح
هما يصفقان وحدهما
ليردد الصدى.
 
 

(0) تعليقات

:: من طينـة بـلادك...

 

 استحلفتُ أمي اليوم أن تدعوَ لأحد زملائي، لكنها فتحت باب الدهشة على مصراعيه بمجرد ذكر "تفاصيل" هذه الدعوة، ونوعها، وقياسها، وطولها، وعرضها.. ثم أعلَنَت أن دعوة كهذه لن تكون خالصة من قلبها صافية السريرة! وأن كل ما لديها هو: الله يجيب اللي فيه الخير.. ويرزقه اللي أحسن منها، ويرزقها اللي أحسن منه!

 

زميلي هذا تقدم مؤخرا لخطبة فتاة أحبها وأحبته، لكن والدها رفضه متذرعا بأنه لن "يغـرّب" ابنته ويزوجها من "غريـب". بالنسبة للأب كانت المسألة محسومة فيما يتعلق بالغريب والقريب، وبالنسبة لنا كانت مدعاة للحسرة على تلك الحدود التي رسمها الاستعمار ولم نستطع حتى الآن تجاوزها!

 

وبينما كنت أعبر لأمي عن مدى "دهشتي" و"استنكاري" لموقف الأب – رغم أن زميلي من الخليل ولا يبعد "دهرا" عن غزة وهي مسقط رأس محبوبته! – وكيف أننا نحن من رسم لأنفسنا دائرة لا نبرحها، وجدتها تهز رأسها موافقة.. متعللة بالمثل الفلسطيني: "مِنْ طِـينةْ بْـلادَك.. لـَيِّـسْ عَ خـْـدَادَك".

 

من يراجع أمثالنا الفلسطينية – ومعظم الأمثال الشرقية عموما – يجد كما لا يستهان به من التشرنق والانغلاق على البيئة والعادات والثقافة المحلية، وخوفا وترددا ووعيدا بالخسران والخذلان لكل من يجره فضوله للاطلاع على ما يتجاوز ذلك. لكن أن يصل الحد بنا إلى تقسيم وترسيم حدود بلادنا المستباحة أصلا، وإعادة تعريف "الغريب" و"القريب" من هذا المنظور الضيق – نحن الذين فقدنا قرانا ومدننا واحدة تلو الأخرى، وما تبقى منها يستباح ليل نهار أمام سمع ومرأى العالم – يعني أن الاستعمار والاحتلال نجح في التغلغل إلى أعماق هويتنا، ونجح في تغريبنا وتهجيرنا عن أنفسنا وأهلنا مرة ثانية وثالثة ورابعة.

 

ربما أجد عذرا – أقول ربما - لهذا الأب بأن يقيس الغريب والقريب على بضعة كيلو مترات هي حدود غزة، لكني لا أجده لآخرين يقيسون عمرا كاملا لم تطأه أقدامهم منذ الـ48، ولا يجدون في أنفسهم حرجا من تغريب وتقريب من يشاؤون، رغم أنهم جميعا في الهم شرق!

 

أجل، ربما – مرة أخرى – نجح الصهاينة في بناء جدار فصل عنصري عزلت فيه المدن الفلسطينية عن بعضها، ولكنهم فشلوا في عزل رائحة الطين عن أهلها، ليثبت لنا العشاق في فلسطين أن من حقهم عشق الأرض، وعشق أهلها، وشبابها وبناتها، دون تمييز لشبر من طين عن آخر، يطالب الآباء بأن "نليسه" على "خدادنا"!

(1) تعليقات

:: سيحدث أن...

منذ يومين قرأت مقالا لباولو كويهلو في البيان الإماراتية، يتحدث فيه عن لقاء أجراه معه صحفي مستفز، يتعلق بترتيبات موته الصغيرة التي "يحضرها" لنفسه.. وعوضا عن أن يهشه كويهلو متشائما منه صائحا: فال الله ولا فالك. فإن كويهلو مشى معه في لعبته حتى نهايتها.
 
وربما هذا ما ذكرني بقصيدة وليام بليك - الأثيرة على قلبي هي وكل قصائده - مرة أخرى "الذبابة".. آخر مقطع فيها بالتحديد إذ يقول:
 
Then am I
A happy fly,
If I live,
Or if I die.

أتذكر أيضا بعض ما قالته "منى كريم" - صبية عراقية تفيض شعرا - في مقالها "ماذا لو ماتت منى كريم؟". تختلط الأفكار وتمتزج وينتابني إحساس غامض يلف كائن الموت الذي يتلبسني أحيانا ويستخف بكل ما الموت آت به.. ربما أظن أني سأقول بإنجليزية مستخفة: So.. what?! أجل.. ربما أقولها، ولكننين أدرك ما بعدها بسخرية مريرة..
 
إذ ذاك مـُـتّ، نزفوا من الدمع ما هون عليهم فاجعة الفراق.. مكتبي في الجامعة أعلن خلوه من رفيقة يومه، وآن لربا أن ترتب المكتب كما يحلو لها دون أنغص عليها بكركباتي المعتادة وأوراقي الملقاة هنا وهناك أنصاف قصائد وأفكار عابرة تخشى ألا تكتب لها الولادة.
تتنفس الطالبات الصعداء إذ لا مشكلة في مزيد من التجاوزات اليومية التي لن ينبههن أحد إلى ارتكابها.. يتقافزن ههنا وهناك فلن تناديهن أي موظفة أخرى ساخرة بـ: شباشب الأمـّة...
أما نيرمين فسوف تعتصم في مكتبها وستهجر الطابق الثاني من الجامعة وكل ما له علاقة بالمكتبة ومركز مصادر اللغات، وربما لن تتحدث مع موظفة أخرى لفترة من الزمن ولن تتبادل حديثا وديا حميما لفترة طويلة.. وربما تأخذ إجازة من العمل تحولها إلى نوبة نوم ليلية ونهارية لتداوي موتي الذي ليس أكثر من تذكير لها بأن كل من ترسلهم يد القدر اليمنى لتسند قلبها على جدارهم تأخذهم اليد اليسرى بعدها بقليل!
 
أعود إلى البيت فأجد هالة من الصمت الداكن تطوف بجنباته.. والدي يسح الدمع كلما لمح طيف كلماتي يمر أمامه وكلما أمسك بقلم يدون خاطرة ما أو كلما هم بتحضير خطبة الجمعة؛  فكل قلم وكل تجربة كتابة يذكره بي!
 
أمي لن تعود إلى طبخ الكفتة باللبن أو إلى تحضير "الشعيرية بالسكر" بعد اليوم. ولن تستخدم ملعقتي أو كما أسميها باللهجة الإماراتية والإنجليزية معا: "ماااي خااااشوقه"، في الطبخ بعد اليوم.. لأنها تدرك تماما أنني لن أعود من العمل لأقتحم المطبخ عليها بملخص العمل اليومي، ولا بتأنيبي الساخر من استخدامها لملعقتي مرة أخرى دون أن نتنبه، فتلح أن: القلوب عند بعضها.. وأنها تحب المعلقة وصاحبتها حبا لا مجال لإدراكه!
 
يوم الجمعة يجتمعون ولا يجد أحدهم ما يقوله للآخر، الأحاديث ذابلة لكن مروه وأروى وطارق وخالد لن يستوعبوا الحدث.. عمتو أمل سافرت إلى مكان ما لا نعرفه.. ربما هي مسافرة مثلما سافرت قطتها "سمسونة" من قبل!
يحطم محمود جليد الصمت بلعناته للمسلمين المتخاذلين واللحى الكاذبة، وحسام يحاول تهدئة الموقف كيلا يتسرب اليأس إلى القلوب المحطمة أكثر، لكن عصام سيهز رأسه ولن يكترث، ومحمد سيعود أدراجه إلى غرفته ويعبث بالموبايل أو بالكمبيوتر أو ربما ينام.
 
بين حين وآخر ستظل اتصالات مها وهدى الباكية الكسيرة تتوالى على البيت، وإن كان موتي محظوظا فسيكون بسام قد جاء لزيارتنا مرة أخرى وربما ساهم حدث موتي في تسريع زيارته شيئا ما. أظنني سأحزن لأني قد أموت دون أن يكون بسام في الجوار ساعة موتي.. لعلي ألخص له الحياة - كما أراها ساعة مغادرتها - كما لخصها لي من قبل في السيارة وهو يتوجه بي للمطار.
متجنبا تناول "الكـَباب" في أي مطعم عابر، أو ذكره على هامش أمسية مع أي صديق، أظن بسام لن يعود إلى تناول الكباب أو المشي على كورنيش طرابلس.. حتى لو كان ذلك وحده!
 
دار عمي سيقيمون دار عزاء مصغرة في بيت كل واحد منهم.. لكن ابن عمي الأصغر المتزوج حديثا سيتنفس؛ فالله انتقم له من رفضي له، وربما تعلل خالتي ذلك بأن الله اختارني قبل أن أتزوج زيجة لا تسعد بها العائلة بعد أن رفضت ابنها الذي أوشك أن يصبح "عانسا"! وكذلك لن تحتاج زوجته إلى تقصي أخبار ابنة العم المثيرة للجدل بعد اليوم.
 
أتأمل ألا تقصر هامة هدى أو مها بعد موتي. في آخر زيارة لهما ذكرتاني بأنهما تحسان بتسرب بضع سنتيمترات إليهما مني.. كيف حدث هذا؟! لا تدريان.. لكنهما تشعران حقا بأنهما "أطول" مما كانتا عليه في السابق قبل أن أزورهما - بعد غياب دام ست أو سبع سنوات متواصلة.
مها ستتساءل عن "عشاق" تركتهم ورائي، بعد أن تركت لها الفرصة مرة لتتعرف إلى بعض الحكايات التي ولدت وماتت من طرف واحد يترك لي مساحة من التأمل في خلق الله وفي أحوالهم وفي تحويلهم إلى مشاهد دراماتيكية تغني عالمي المتصوف بالأدب. تمعن التفكير كثيرا حتى تكاد ترى - متجاوزة أزمة حرارة المسافة - ورقة وضعتها تحت طيات ملابسي - أجددها كلما سنحت الفرصة - لعدد من الأسماء كلها مشطوبة، وفوقها كتب: عدد القتلى!
 
 
هناك في البيت، عند مدخل البيت، لن أسمع تنهيدة شجرة زهرة الفتنة، كلما مررت بها داخلة أو خارجة، ولن تكبر أكثر بعد لأني لن أقف بالساعات أحدثها بعد يومي ذاك، ولن تجد فرصة لتبوح بأسرارها النباتية لسواي. ستقف عند ذلك الحد، ولن تزهر من جديد زهورها البيضاء ذات القلب الأصفر البهي.
وفي ركن لا يدركه أحد في جامعتي.. قد تطارد شجرة البرسيانا فكرة الذبول حزنا عليّ، لكنها أدعو الله أن تحجم عن هذه الفكرة، وأن تقاوم طوفان الأيادي العابثة بوريقاتها ليل نهار وتتحمل الألم. قد ترسل رسالة طويلة تبعثها مع النسيم إلى شجرة البرسيانا في جامعة الفاتح - كلية الزراعة - وإلى شجرة الزيتون. هناك سأتألم كثيرا في قبري.. لا أريد للنسيم أن ينقل أخبارا كهذه.
 
لا أعرف ما سيكون عليه لون البحر يوم موتي.. لكني لا أريده أن يطل من نافذة مكتبي شاحبا منهكا؛ لعله يسمعني فينشر دكنته وزرقته اللؤلؤية التي يتوقف لها الزمن دهشة.
 
عند هذا البحر سيقف مركب كبير كنت أراه كثيرا، روحي ستصبح من القوة - بعد موتي - بما يكفي لأن تدفع به إلى شواطئ فلسطين.. أو لعلي أكون مت في فلسطين.. بطريقة أو بأخرى وصلتها ومت هناك تحت شجرة زيتون أو تحت نوار البرتقال، لأكتب رواية جديدة لا برتقال حزين فيها. أعرف أن المسافة ستذوب في فمي، ولن تكون مُرّة هذه المرة أبدا.
 
 
تتعثر روحي المتأملة بما تركت.. بالحقائب تحت السرير وبدفاتر مذكراتي القديمة فوق دولاب الملابس.. تتسرب قليلا قليلا للرسائل القديمة المركونة هنا وهناك في أدراج المكتب والكومدينو.
 
عندما تتلاشى رائحة الموت من البيت تدريجيا، ستمتد يد إلى ملابسي وكتبي وأوراقي. أمي تقاوم رغبتها في التعرف على ابنتها من جديد، وتقاوم صدى صوتي وهو ينهاها عن لمس أوراقي التي أعرفها في فوضاها أكثر مما أعرفها في ترتيبها لها. يتردد عاليا صوتي حينها: سيبييييييييهاااااا.. هادي فوضاي المرتبة يا ماما!!
سأقاومها المرة الأولى، وستعود أدراجها دون أن يحالفها الحظ بسبر أغواري، لكنه ستعود مرة ثانية وثالثة ورابعة إلى أن يتحول صدى صوتي إلى بحة لا ترددها الجدران.
ستنبش قبرا دفتنه في صدري، وسترتكب جرائم لم يخطر لها على بال أنني خططت لها وتركت لها تنفيذها بعد موتي. هناك ستطالعها أشباح الأرواح التي مررت بها قبلها دون أن أعطيها مجالا لمصافحتها ولو في طيف عينيّ.
أعرف أنها ستعيد قراءة مذكراتي - مهما كانت ساذجة مذكرات طفولتي ومراهقتي - وستخرج منها بيقينيات جديدة بلا شك، قبل أن تنتقل إلى قراءة دفاتر خواطري - القديم منها والجديد - متعثرة بخربشات صبيانية وأخرى ناضجة. ستتعزز شكوكها وتتلاشى في تضارب يوازي تخبط ضربات قلبها. على مقربة من كل هذا تجد ألبومي صور يضمان صوري منذ الولادة حتى آخر ساعة التقطت لي فيها صورة ما.. تقلبه، وربما تبكي لمشاهدة صورتي وأنا ابنة عشرة أيام متعلقة بأمل كان اسمي، وبسوار المستشفى الوردي على المعصم. ثم ستقلب الصفحات تدريجيا، إلى أن تصل إلى صورة التخرج، وصور المناسبات المختلفة وتعابير وجهي التهريجية المضحكة في الصور.
تترك الألبوم، تفتح خزانتي وتلتقط بنطلون الجيش المموه- الذي طالما وبختني من ارتائه المستمر لأنه يسرق "الأنوثة" من مظهر الفتاة -  وتظل تمسح به دمعها وتتشممه إلى أن تفيق مجددا، فترسل يدها إلى مكان آخر لتجد قطعا من الشوكولا البيضاء بين طيات الثياب، وأكياس شاي "ليلة هادئة" التي كنت اشتريتها مع محمد مؤخرا لرائحتها المميزة ظنا مني أني سأنعم بليلة هادئة فإذا بي أنعم بنهار لا يعترف بنهاية!
وفي صندوق ذهبي صغير ستجد ميدالية فضية أهدتني إياها صديقتي مي عند عودتها من مصر في الإجازة، لكن بريقها انطفأ من كثرة الاستخدام. وخلف الصندوق عدة أقراص صلبة مكدسة فوق بعضها، كل واحد منها لفصل دراسي جامعي، وبعضها لأعمال أدبية متفرقة مجموعة، وغير ذلك مما لن تهتم أمي إلى البحث فيه لعدم درايتها بالكمبيوتر ومصائبه. ستطالعها قدما محمد منير على علبة ألبومه الأخير: مبارح كان عمري عشرين، وربما تبكي عندما تقرأ عنوان الألبوم لأن ابنتها لم تكمل الخامسة والعشرين و............ امبارح............
ستغلق الدولاب ولن تعاود فتحه لفترة طويلة، وستكتفي بما حققت من اكتشافات لهذا اليوم.
 
عندما يعود محمد من عمله كل أربعاء سيجلس قليلا على الكمبيوتر متصفحا شاشة العالم، لن يكترث بزيارة موقعي الشخصي لأنه يحاول أن "يعمي" نفسه عن أنشطتي كيلا يبدأ حربا معي لا تنتهي إلا بكتم أنفاس ما يرى أنه عوره وفضيحة علنية وتضييع وقت. وستأخذه الفكرة إلى أن موقعي لا بد سيغلق بعد حين من تلقاء نفسه، وأن كل عناويني الإلكترونية لن تحتاج إلى قرصنة لأنها ستغلق بعد نفاد المدة هي الأخرى وتتلاشى معها كل أسراري السيبرونية من تلقاء نفسها.
ستصيبه حكـّه إلكترونية فقط تطالبه بالبحث في الملف الخاص بي الموجود على جهاز كمبيوتري تحت اسم: My Files وهناك سيبحث عميقا ليجد ملفات مألوفة، بعضها أعمال أدبية أو مقالات منتقاة أو أغانٍ لفيروز والشيخ إمام ومارسيل خليفة ومحمد منير وأميمة.. حتى الصور لن تعجبه، فكلها لوحات لسلفادور دالي وتريشنكوف. سيقف مطولا أمام ملف اسمه: Memos وعندما يفتحه لن يجد إلا أيقونة برنامج لم يستخدمه من قبل!ّ
سيجرب أن يفتحه وسيفتح فورا بلا تردد - فيما مضى جربت أن أضع له كلمة سر لكني لم أجد حاجة لذلك فيما بعد - وههنا سيطالعه دفتر إلكتروني أبيض الصفحات فاردا ذراعيه داعيا: اكتبني...
سيقلبه يمينا شمالا إلى أن يهتدي إلى روزنامة التواريخ فيجد بعض العناوين.. ويا للمفاجأة! إنها مذكرات أخته، ولكن.. إلكترونيا!!
يتذكر تلك المشكلة التي حدثت قبل سنوات عندما قرأ محمود المذكرات الورقية ووجد فيها وصفا دقيقا لأحداث مرت على العائلة ولم تكن تبشر بالخير، ولهذا فإنه يستوعب سريعا السبب الذي لم يعد يرى بعده أي دفتر مذكرات ورقي جديد رغم أن ذلك كان طقسا يشارك فيه بتوصيلي إلى المكتبة بنفسه لانتقاء كتاب بنفسجي جديد يصلح لأن يليق بمذكراتي القادمة!
 
- هكذا إذن!
سيقولها ويمضي في قراءة اليوميات.. سيفهم ربعها ويعجز عن فهم الباقي؛ فحتى تلك اليوميات الإلكترونية لا تخلو من خبث..!
تستسيقظ في حواسه الرغبة في تصفح كل الأقراص المدمجة والصلبة التي تركتها في أدراج المكتب. يده تمتد لا إراديا إلى حقيبة أقراصي المدمجة التي كنت اقتنيتها مؤخرا قبل وفاتي.. واحدا واحدا يدخلها إلى مشغل الأقراص ويتصفح.. يتصفح.. يتصفح..................................
هل سيفكر بالبحث عن برنامج لكسر كلمات السر التي سيواجه بعضها على ملفات word مثلا؟ أم أنه سيتركها احتراما لذكرى أخته المتوفاة!
تدخل أمي إلى المشهد فتجد الطير على رأسه.. تشاركه بلاهة التحديق، فلا ترغب - قطعا - في أن تصيح بجملتها الشهيرة التي لم تكن تليق إلا بي قائلة: قومييييييي عن هــُـبـَـل!!
سينتهي المشهد بطريقة ما وربما تشارك محمد تصفح يومياتي لتعزز مخزون اكتشافاتها اليومية!
 
هاتفي الشخصي لن يكون مغلقا حتى فترة طويلة لاستقبال اتصالات "مجهولة" أو "معلومة" تبعا للجهة المتصلة لكن ذلك أشبه بلعبة الاكتشافات.. فكل متصل هو مشروع سر غامض آخر.. بعيدا عن اتصالات الصديقات بادئ الأمر للتأكد من "أمل" نفسها لتنفي خبر وفاتها المتسرب - كما تسرب قبل سنوات من قبل كذبا - ستكون هناك اتصالات من شخصيات أخرى لم تكن تتصل علنا ودائما من قبل.. ربما يفكر أنور الخطيب أن يرفع سماعة هاتفه للاتصال بعد انقطاع طويل الأمد منذ أول وآخر أمسية حضرتها في أبوظبي، أو لعل خالد عويس يتذكر اسما مر على ذاكرة هاتفه في "ذاكرة الرقص" ويتصل مستفسرا... إلخ.. إلخ..
 
تصل بضع رسائل نصية من شيرين - صديقة العمر - من فلسطين، ستتكرر الرسالة مرة ومرتين وثلاثا بسبب سوء خطوط الاتصالات، ولن يمسحها أحد عن ذاكرة الهاتف. وقد لا يصلها خبر وفاتي إلا بعد أيام أو أسابيع أو شهور.. ومصادفة!
ألم اكتشافها لن يتلاشى سريعا - على العكس - رغم فراقنا الذي أمنعت المسافة في خياطته بيننا، لتعشش في حلقها غصة لا تبرحها أبد الدهر.
 
من سيسعف حنان ببطاقة هاتفية عندما ينفد رصيدها؟ ربما لن أكون أنا بطبيعة الحال! هناك حيث أفهم عينيها من تحت النقاب، وأستطيع ببراح أن أرى ضحكتها مختفية تحت طيات نسيج السواد. ستتلاشى حكاياتي ومغامراتي - أو مغامراتنا - بعيدا حيث لا تعود إلا ذكراها تتردد في صدرها الحزين. تلك الكلمات القليلة التي كانت تبوح بها عندما يضيق صدرها ستتسرب للأرض دون أن تمر على بشر. لتعود حنان بعدها هادئة أكثر مما يجب.
 
سيكون صعبا على ماما نجاة - الصحفية السعودية: نجاة محمد باقر - أو بسمة فتحي، أو ضحى الوزني، الاتصال بهاتفي الشخصي.. وكذلك الحال ببعض الصديقات اليوميات. لكنهن سيفعلن في النهاية، فلا مناص! شهقة و... يعانقهن البكاء.. إلى أن تتخدر الدمعة ويتلاشى الألم مع الأيام تدريجيا.
لن تستطيع آمال مفدي - صديقتي اللدودة - أن تبكي تماما إلا بعد أن تركن إلى وحدتها القاتلة، ولن تستطيع أن تقول لأمي مواسية: تقبل الله عزاءك في عدوتي الودودة.. ولن تجد أخرى تشاركها: آآه يا عدوتي!
وكذا حين تتذكر حسن وإبراهيم وعبد الصمد وقاسم وراشد.. لن تجد من يشاطرها أبعاد الذاكرة أو الدعاء لهم أو عليهم!
 
عندما تلملم أسماء جراحها فإنها ستتذكر أن قلم أخيها المرحوم خالد ما زال في طيات أدراجي.. تحديدا درج ملابسي بجانب مصحف صغير جدا في علبة معدنية ذهبية كانت دلال أهدتني إياه يوم تخرجي، وإني لأعجب من تذكري هذه التفاصيل الآن رغم أن ذاكرتي اعتادت خيانة التفاصيل دائما! لعله الموت.. الموت من يحيي تفاصيلنا الدقيقة!
لكن.. كيف ستقنعهم بضرورة إعادة هذا القلم القزم إليها بالذات!!
أدرك أنها ستقضي عمرها الباقي نادمة على تركه معي، رغم أني لم أخنها في حياتي.. إلا أن موتي خانها!
ولعل إسماعيل أو محمد - أبناء محمود - يجدان القلم في يوم ما، فيعجب به محمد لأنه صغير ويمكن أن يصلح مادة للغرور في المدرسة أمام الزملاء، فيأخذه.. وتتلاشى بصمات خالد، وأسماء.. وبصماتي، من عليه.
 
هناك.. في الناصرة.. بعيدا حيث فلسطين، ستنكر حواء على قلبها عدم توقف نبضه قبل سماعها الخبر.. ستفكر الآن أن تموت بلا سلام.. بلا حب.. بلا حرية. لأن "أملي".. لم تعد موجودة لتشحن "أملها".
يمر طيفي أمامها ويمنع عنها شبح الموت.. إلا أنها ستقاومه في استسلام.. في استسلام.. في استسلام!
في تلك اللحظة بالذات.. سأكره الموت لأنه يخذل الموتى.
 
أعرف أني لم أحظ بفرصة رؤية حفيدي - الذي حظيت به قبل أن أحظى بأبنائي! - وذلك لأني لم أزر ابنتي التي أنجبتها لي المسافة حتى الآن في البحرين، والتي تصر أنني "ماما أمووله" وأن حفيدي هو ابنها "قسُّوم"، ورغم إصرارها فإني أصلا لم أنكر الصلة.. إذ لا أحب على قلبي من هذا الحلم الجميل الذي جعلني أحظى بعناق هذه الصغيرة الجميلة يوما.. وأن أناديها ابنتي.
لن يبحثوا عنها كثيرا فهي ستتصل بهم وتعلن حدادها على أمها الراحلة مبكرا.. وقد تنكر رضاعة ابنها يوما أو يومان.. لكنها ستعود لتلتصق به أكثر، وستضيف إلى ملامحه ملامح جدته، وإن لم توجد!
كنت أفكر أن أطلب منها سريعا صورة لحفيدي أضيفها إلى صورتها التي تسكن محفظتي الشخصية منذ زمن، لعل رابطا ما يجعل محفظتي أكثر إشراقا وزهوا. تلك التفاصيل التي سيجدونها بمجرد وفاتي ويضعونها في قسم الأمانات في المستشفى، حيث سيكون محظوظا هذا الذي سيفتح المحفظة ليبحث عن عنواني، لتطالعه صورتي البهية دون حجاب، وصورة أمي بجانبها، وفي القسم الثاني صورة لبسام وأخرى لعصام وثالثه لطارق ولابنتي "عروبة" - كما أتخيلها - وإن نال منه الفضول فسيبحث في الجيوب الخلفية ليجد صورا لصديقات أو زميلات دراسة - كتذكار بريء لا يتكرر - وبعض البطاقات الخاصة بي وبآخرين، وصورا حديثة لي لا أدري لماذا أحتفظ بها هناك.. فهل أحتاج لأتذكرني أيضا؟! ولا شيء أكثر من بضعة دراهم، وفي حال كانت المحفظة محظوظة، فربما أكون تركت مبلغا أكبر من المعتاد، لعلي أكون عائدة من الصراف أو على وشك شراء هدية لأحدهم. آمل ألا تنحدر قصاصة من هنا أو هناك أكون وضعتها للسرعة أو للضرورة مفخخة بكلمات ما من نوع لن يفهمه - أو يتحمله - من يفتح محفظتي أولا!
 
بعودة محفظتي إلى البيت.. إلى مكتبي، ستمر بطاقات عناوينها على البطاقات المتداخلة مع الكتب، ففي كل كتاب - تقريبا - أترك بطاقة من نوع ما، ربما بطاقة هاتف، أو بطاقة تعريف، أو بطاقة معايدة صغيرة، كإشارة توقف إلى ما وصلت إليه من قراءة في هذا الكتاب أو ذاك.. أو لمجرد الاستعانة بها للضرورة عند العودة للكتاب لسبب أو لآخر. الآن تختلط أوراق الكتب مع البطاقات، ولن يعود بإمكانهم اكتشاف أي الكتب أهديت إلي بتواقيع معينة وبطاقات عناوين تخصها - رغم أن الأمر لم يلفت انتباهي من قبل - لكن ربما يكون ذلك الهوس بإضافة بطاقة لكل كتاب ناتجا عن محاولة أمي استدراج بعض الكتب للوشاية بصاحبها الذي كان قد أهداني إياها من قبل - كهدية حسنة النية متعارف عليها بين الكتاب - عندما عثرت مصادفة على بطاقة لم تكن تمت حتى لصاحبها بصلة! رغم ذلك أصرت أن البطاقة فيما من التمويه والهيروغليفية السرية ما فيها!
ولسخرية القدر، فهي إن عادت لتفتيش أدراجي ستجد مغلفات الكتب بطوابعها وعناوينها موجودة كما هي، منذ أن وصلتني بالبريد الجوي لأول مرة!
 
أشد ما أقلق عليه الكتب.. ولعلي أكون استعرت كتابا ما من المكتبة ولم أعده قبل وفاتي! أو أنني هممت بالتعرف إلى عالم جديد فيأتي عالم الموت ليسحبني منه. فيتلاشى العالمان في بعضهما ولا أفصل أحدهما عن الآخر. أدعهم يقرؤونني في كتبي مرة أخرى.. بسخرية محمد الذي يتصفح عناوين كتبي كل مرة أقتني فيها كتابا جديدا - ويتكرر ذلك أسبوعيا أحيانا - ويقول: ولا كتاب في الدين عنك؟ إيش قلة هالدين!
فأعيد وأكرر عليه أنني متدينة أفضل منه، و"أفهم" الدين.. وألوح له بكتاب "الإسلام بين الشرق والغرب"، وكتب أخرى لم يلحظها في زحام مكتبتي العامرة.
أتساءل عما إذا كان سيسمح لي أن أسأل عما إذا كان في الجنة - أطمع في الله أن يجعلني من أهلها - مكتبة أو كتب!! وكم أبدو وقحة وأنا أطرح سؤالا كهذا ساعة موتي.. لكن، لا أخلاق للموت سوى حقيقته الثابتة، فالموت حق يجرد نفسه من الأسئلة والمنطق على السواء.
 
ربما سيتردد اسمي قليلا في صفحات أدبية متفرقة هنا وهناك.. سيحاول بعض الكتاب "تخليد" ما تبقى من اسمي.. وربما سيقتني أناس لم يسبق لهم أن قرؤوا مجموعتي القصصية في حياتي بعد وفاتي. وأخرج من كل هذا بأسماء لم تمر على ذاكرتي يوما لكني "تشرفت" بالمرور عليها بعد موتي. وإذ ذاك يخرج شيطان لم أره أثناء حياتي ليؤكد أنني "مطبِّعة" و"عميلة" لجهة ما بعد أن يقرأ مسودة كتابي المترجم: Three Mothers, Three Daughtes.. Palestinian Women's Stories ويدعي أنني تعاملت مع أحد مؤلفيه عن قصد لأنه أمريكي من أصل يهودي.. وأنني تلقيت مساعدات خفية وغير ذلك مما سيثير ضجة حول العمل تدفعهم إلى نشره وطباعته - وذلك أمر عجزت عنه حتى الآن في حياتي - بغض النظر عما يحويه من معلومات وحقائق دقيقة عن الحياة النسوية الفلسطينية. إذ لا أهمية للحقيقة الآن.. لا أهمية!
 
سيحاول أن يرثيني من أحبهم في قصائد أو مقاطع نثرية تبكيني في قبري، لتختزل الآهات في نصوص يحبها أصحابها بعد أن تبرأ من علتها. ولعل آخرين سيمررون أقلامهم على شاهد قبري، من هناك لن أكتب شيئا ولن أطلب من أحد أن يكتب على جدار المقبرة "هنا تسكن أمل".
 
أعدكم أني لا بد سأجد طريقة ما لتصفح مجلة ديوان العرب الإلكترونية.. لأرى ما حل بزاويتي الشهرية "نبضات".. لأني سأتوقف عند نبضات شهر إبريل... وأضحك ملئ فمي حتى أنقلب - وقد لا أنقلب في قبري الضيق - وأنا أقرأ آخر نبضة فيها: نبض نبضات: متى ستتوقف؟!!!
إنني أملك الجواب ببساطة.. من تلك الحفرة الضيقة الصغيرة الرطبة.. أنا والملكين اللذين يعتبان أنفسهما منذ الصباح بسؤالي عن هذا الأمر أو ذاك.
 
سيمر طيفي على أناس لم أتمكن من وداعهم بما يليق قبل وفاتي، ورسائل كنت أنتظر ردودها لم تصلني بعد ستظل هاجسي بعد موتي.. ولكن أنى لروحي أن ترتاح حينها! روحي التي ستظل معلقة في ضفيرتي بنت أسميتها "عـَروض".. تركض نحو اللا مسافة.
 
سيحدث أن.. أبحث عن أمل أخرى.. تنبش فيما لم يجدوه بعد.
 
 

(5) تعليقات

:: غدا لن يأتي؛ لأنه سيأتي غدا

 
 
جملة بسيطة جدا تكفي كي نستوعب صفعة يمكن للكوكب أن يطحن بها خدود توقعاتنا الساذجة.
ما الذي يحدث يا إلهي!
هذا الكم الهائل من المعرفة واللا معرفة بالبشر..
هذه الحكايات اليومية الخائفة القلقة..
حكايانا التي تتردد على ألسنة الآخرين بصيغ الجمع والمفرد والمخاطب والتذكير والتأنيث والـ...
 
لماذا يظنون أنهم ليسوا نحن.. وأننا لسنا هم؟
 
ما زلت أحضر خدي كل صباح لصفعة جديدة.. ربما نيابة عنهم، ربما معهم، ربما وربما.....
إنه الغد الذي يحمل لي كل شيء لا أتوقعه، لا أنتظره، ولا ينتظرني، إنه يهطل دون سابق إنذار كمطر هذه البلاد!
 
في بلادي يرددون كثيرا: الموت مع الناس رحمة..
إنه الموت....
لكن،،،
هل أن "ندفنَ" أحياءً مع الموتى.. رحمة أيضا!!!!
 
 

(0) تعليقات

:: الذاكرة تجربة

نظن دائما بأننا نخلد ذاكرتنا بتدوينها
 
يمكننا بعد ذلك أن ننسى التفاصيل الدقيقة ببساطة، مطمئنين إلى وجودها في مدونة تستعرض جسمها الرشيق على صفحات الإنترنت.
 
ألا يمكن لهذه المدونة البكر أن تفضّ فجأة..؟!
 
ألا يمكن أن تنزف حبرنا القاني دون زغاريد أو ألعاب نارية!
 
إنها تجربة قابلة للنجاح أو الفشل.. كالتجربة الإنسانية تماما..
 
لكنني أرجو.. أن تستحق الإنسانية تجربتها!
 
 
 
كل ذاكرة وأنتم بخير!
 

(2) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية