أول 3 حاجات تعملهم أمي لما تركب السيارة، التالي: وغالبا ما يتحول الموضوع لأمر مصيري في حال فـُقد واحد من هذه الحاجات الثلاث، وبطبيعة الحال فإن أول حاجتين يفرضهما الجو الحار، والشمس الشامتة في ركاب هذا الحديد الحامي. أحيانا أضحك على تكرار هذا الموقف، وأحاول تفنيد هذه العادة التي درجت عليها أمي - وصار يشاركها فيها أبي، اللهم إلا حكاية اللبان - وربما أنا أيضا شاركتها فيها زمنا، لكن نصيحة مها - إحدى شقيقتي - عندما سافرت لزيارتهم واطلعت على "خفايا" حقيبتي، أنهت هذه العادة تدريجيا. يومها قالت لي: وقفي مضغ لبان عشان خدودك الناشفة حتنشف بزيادة، وانتي أساسا مش ناقصة! على هذا الأساس، فإن أول "حاجتين" أعملهم لما أركب السيارة يصبح كالآتي: الجو ليس مؤثرا فعالا هنا، إذ إنني "تصالحت" مع الحرارة، وآمنت بأن ليس بيدي ولا برجلها حيلة، ولتكن مشيئة الرب!! ومهما كانت الحرارة عالية فبمجرد أن تنطلق السيارة يتداخل الهواء مع الأفكار ويبعثرها على الطريق. فكرة جريئة تدخل هنا، وهي أمنيتي - التي انتهت مدة صلاحيتها بفراق الطفولة - بأن أترك شعري حرا للهواء، يتخلله، ويلعب بخصلاته كيف يشاء. الأمنية نفسها تتكرر معي إذا ذهبت للبحر مثلا، أو زارني نسيم لا يمكن إغفال عذوبته. البحر لفظ سمكته الصغيرة بخصلاتها الطويلة ليقصّ كل ليلة منها ما يشاء.. على رسل النسيم. إذا ما قفزنا إلى "الحاجة" الثانية - حزام الأمان - فليس للأمر علاقة خالصة بالاتزام بقواعد المرور، هناك رؤية فعالة لمبدأ: لو منفعش.. مش حيضـُرّ! لا أنكر أن ربط الحزام من تعاليم البابوية الأولى، مثلها مثل: "يمين، يسار، يمين.. اعبر الشارع". المضحك في الأمر أن لا أبي، ولا أمي يربطان حزام الأمان - وتقريبا لا أحد من إخوتي - إلا في المناسبات! ومع كل هذا كان بالإمكان سماع خطبة عصماء في السيارة عن "أهمية" الحزام، واستهتار الشباب به، كل هذا على مسمع طفلة، اكتشفت بمجرد الملاحظة، أن لا أبوها ولا خالها - الذي كان يجلس في المقعد الأمامي المجاور - يربطان الحزام! أما يدي التي تطل من لاشباك باستمرار، فهي أزمة.. بالأحرى تحولت إلى أزمة بعد حادث سير تعرضنا له مؤخرا. أمسك بيدي طرف الشباك العلوي، وأحيانا أفردها على آخرها كجناح محلق. أجد متعة في مقاومة الهواء الذي يضربها بسرعة ويهرب مع الرصيف.. تقفز السيارة فجأة، تمشي على عجلين وتميل ناحيتي.. أخيـــــرا.. تقفز مرة أخرى كغزالة وتستقر فوق حاجز جزيرة الشارع. في تلك الثواني المعدودة، لم يدر في ذهني أبدا أن أدخـِلَ يدي لأحميها في حال انقلبت السيارة - إنها يدي اليمنى، وكان يمكن أن تتهشم إلى الأبد! الآن، عندما أعيد التفكير مرات ومرات، أكتشف أن الدنيا مقلوبة فعلا، وأنها لم "تنعدل" إلا عندما انقلب بها هذا الحادث. يدي التي تكتبني الآن، الموت الذي أمكنه أن يطل من نافذتي زائرا بلا ضغائن أو أحكام مسبقة، أبي الذي أفقت من "لعبة التوازن" أول ما أفقت لأتأكد أنه بخير، حزام الأمان الذي لم يترك لأفكاري الجامحة أن تقذفني من النافذة أو ترسلني لزجاج السيارة الأمامي.. هكذا.. تركونا كما نحن، بلا غبار أو خدوش للذكرى. أقدس يدي.. أقدس يد كل كاتب؛ لأنها روحه، قلبه، حياته.. التي تطل من النافذة.
1- تسأل عن علبة الكلينكس - المحارم الورقية
2- تسأل عن التكييف شغال أو لأ
3- تسألني معي لبان - علكة من أي طعم لا فرق - لتأخذ مني أو تعطيني.
لم أكن أمضغ اللبان بجنون، ولكن أشبه بـ"حالة" موجودة في فمي.. فقط! عندما توقفت اكتشفت أن لي غمازتين أخفاهما تقعر وجنتي بسبب قلة الوزن وزيادة الطول. ألمح صورتي وأنا طفلة.. فأضحك، كنا أجمل من أن نكبر!
- أفتح شباك السيارة عن آخره وأركن عليه
- أربط حزام الأمان
أسخر من نفسي - أو أقدر لها سذاجة شجاعتها - عندما أتذكر أني "خمنت" إمكانية انقلاب السيارة، ولذلك - وببساطة وجرأة عمياء - تمسكت أكثر بالشباك، بل وضغطت عليه بقوة شمشون لـ... "أعيد التوازن للسيارة، وأمنع انقلابها"!!!!
بعيدا في عقلي الباطن.. لا وجود لشبح اسمه الكارثة ولا الموت، هناك من يصيح مندهشا ببلاهة:
- حتنقلب السيارة! وحشوف الدنيا.. بالمقلوب!
لا - ويا للخسارة! - لم يتسن لي أن أتفحص تلك الـ.. نـافــذة!
مشغولة بطباعة وتحضير مواد العدد الأول لمجلة "حيفا لنا".. غرفتي في أسوأ حالاتها – بالنسبة لأمي – وأحسن حالاتها "الإبداعية" – بالنسبة لي – جالسة على الأرض مسندة ظهري إلى السرير ومادة ساقيّ كتعويض لهما عن ساعات شنقهما اليومية على كرسي المكتب في العمل. سيلين ديون ملّت من تكرار أغنيتها "The Nature Boy" التي أعدتُ سماعها مرات عدة، وأوشكَت أن تكفر بمعجبيها الذين اكتشفت أنهم معجبون بـ"أغانيهم هم" لا أغانيها هي.. وأنها ليست إلا وسيلة لوصول كل واحد منهم إلى أغنيته العميقة. ذهبت أمي، وعدت أتابع عملي بعد أن أعدت الستائر إلى حالتها الأولى. الستائر البنفسجية التزمت الصمت، تعرف أني لن أغير رأيي.. تعرف أن ما وراءها فاجعة يجب تغطيتها، وأن الخير في إخفائها بإسدال نفسها على الجريمة. هل أنا فظة إلى هذا الحد؟ لا أدري إن كنت كذلك مع محمد – الصغير – عندما خرجت لأزرع بعض الزهور في أصص صغيرة لأزين بها نافذة الغرفة الخارجية، ربما فاجأته.. أو.. فاجَعـْتُه، ربما.. عندما تجرأت على الخروج أخيرا للجنينة لمواجهة الأمر الواقع.... صحت دون تفكير: انـزل.. بتحب حدا يمشي وينطنط عليك وانتا ميت؟! لو بتحب قول.. ها؟؟ قوووول! لست في موضع جدال مع هذا الصبي.. كنت أتمزق. أخذته إلى جانبي وأنا أتابع زراعة الزهور في الأصص، وشرحت له كيف أن الشجر لا يشبه البشر – آه، ليته يشبهه! – وأن روح الشجرة موزعة في كل ورقة منها، وكيف أن بعض الأوراق تسربّ الصفرة إلى عروقها متحملة سموم اليوم وأعداء الغد، فداء للشجرة الأم. أحس بأنفاسها تضيق شيئا فشيئا، إنها تصارع الموت.. تموت ببطء يشبه تساقط حبات الماء من جهاز التكييف.. تك.. تك.. تك.. ليت السيف يداوي الموت! كأن الحدث احتفالية بالنسبة لمحمد وإسماعيل: أخيرا.. "هـَمّ وانزاح". تلك الشجرة التي "لا فائدة لها" اقتلعت أخيرا. هكذا كان الأخضر خلف النافذة.. في الغرفة، اجتاحني سواد لأول مرة يحمل طعم الفرح.. أبي يدخل حاملا ابتسامة.. وقطة! - معقووول.. يااااااه! يرنّ في أذني صدى دعائي الساذج الذي رددته كثيرا في الفترة الماضية كلما أخبرتني صديقة بولادة قطة في الجوار: ياااااااا رب.. بِدِّي بِسـَّـه! أهربُ من السؤال: ألا يحبني الله؟ وذاك الذي يدعو فأدعو معه: اللهم ارزقنا ما نحب بما تحب! هربت القطة من القفص، ولم يعثروا لها على أثر.. لأول مرة يبدو أبي مشبوبا بالغضب لفقد قطة.. قطة سوداء.. سوداء من ذلك اللون الذي كان يرفض رفضا قاطعا استقبال مثله في بيتنا طوال سنوات اكتشافي له! قسماته قسمات طفل فقد لعبته الأثيرة.. كم تمنيت لو ملكت جرأة السؤال: لماذا كلما كبرت يا أبي.. يعود شيء فيك طفلا جميلا! وبينما أدون هذه اليوميات.. أسمع مواء يتداخل مع صرير الباب الخشبي وسيلين ديون.. يدخل أبي حاملا سوادا مشبعا بالخضرة: أمل.. رجعت البسَّه!
حلمت اليوم بحصان أزرق سأعترف بأني لا أذكر بداية الحلم، أذكر أني في الحلم قلت جملتي الشهيرة لعقلي الباطن الذي سّرب - كعادته - فكرتي إلى ما وراء خلفية الحلم لتتردد كالصدى مع موسيقى المشهد:"عندما أستيقظ من هذا الحلم، سأكتبه". هكذا يتتابع سير الأحداث، كل مرة أتمازج والحلم، أترك له حرية السير في فضائه الخاص، ولكن يدي العابثة تمتد لتطور حبكته، أو تقلب السيناريو، كأن أضيف صورا ومشاهد من هنا وهناك لـ.."تغذّي" المشهد، لتعطي الحلم جرأة وفوضى. ذات مرة حلمت بأني أشاهد فيلما سينمائيا أجنبيا، أبطاله يتحدثون الإنجليزية، والترجمة ظاهرة أسفل "شاشة" الحلم! انتبهت بطبيعة الحال إلى دقة الترجمة، لم أكن لأترجم - في صحوي - ترجمة عالية الدقة مثلها! في حلم آخر، بدت النهاية غير منطقية، وفي حاجة إلى جزء آخر - ومتى كانت أحلامنا منطقية؟! - رغم أن الحلم أوشك على نهايته، ورغم أن وشاية استيقاظي تسربت إليّ بشكل أو بآخر إلا أني عندما استيقظت، وجدت أمي بجواري تذكرني بالساعة. نظرت إليها، وأجبت: طيب.. استنّي أخلص الحلم، وبعدين بقوم! عدت إلى النوم من جديد، ودخلت "استوديو" أحلامي، والتقطت شريط الحلم الأخير، وأعدت استحضاره. أخرجت مشاهد إضافية تلائم الحبكة. الحلم نفسه.. أكملته، وختمته، ثم أفقت! في فترة ما، دونت أحلامي، في دفتر مذكرات أدبيّ الطابع - يختلف عن دفتر مذكراتي اليومية العادية، لكني بعد فترة توقفت عن ذلك، لأن تدوين الأحلام أشق من وطأة الأحلام ذاتها، فكيف بإعادة قراءتها قصصا وحكايات للجلد لا للمتعة فقط! لا تتكرر أحلامي، ربما "تتلاقح" أو "تتناسخ" لكنها لا تتكرر. حلم واحد فقط - ظنته أمي "جنية" تلبستني لفترة ما من حياتي - كان يتكرر معي كثيرا وفي مناسبات مختلفة بنفس الرتم. لم تصارحني أمي بمخاوفها إزاء هذا الحلم إلا عندما غادرني إلى غير رجعة. غالبا ما "أستيقظ" في منتصف الحلم - بينما تعصر المرأة الثياب - أتابع الحلم، وأنا ماضية نحو الحمام، أفتح صنبور الماء، ثم أجلس على كرسي الحمام بعينين مفتوحتين، أحدق في الماء، يدخل صوت تدفق الماء إلى المشهد ، ليس مهما - أو لا يبدو الانتباه لذلك مهما - إن كان مصباح الحمام مضاء أم لا.. هكذا، إلى أن ينتبه أحد إلى خرير الماء، أو إلى الحمام المنار في ساعة متأخرة من الليل - غالبا منتصف الليل أو ساعة الفجر. تدخل أمي في المشهد، تهزني هزا خفيفا وحنونا لا يلبث أن يحوله قلقها إلى زلزال.. أحيانا، تلقي أمي بخوفها جانبا، تتمنى على الله أن يسربها إلى عينيّ، إلى باطن الحلم لتراه معي ولو من خلف الباب. عندما يتجلى لها عقم التمني، تعود فتسألني: لا تقول أمي: الآن أو هالحين أو توّه، بل.. "هلقيت" الفلسطينية بنكهة تراب الفلاحين السوافيريين، ويبدو أني الوحيدة في البيت التي "ورثت" مفردة "تـَوَّهْ" تعبيرا عن الوقت الحاضر، من غربة أمي وأبي وإخوتي في ليبيا، ولا أدري لم تسربت لي وحدي.. وكيف! ينتهي الحلم نهاية لا منطقية، إذ إنهم يختفون فجأة بمجرد أن.. أتقيأ! نهاية كهذه لا تسعد طفلة مثلي، خاصة فيما يتعلق بحالة الغثيان المصاحبة للتقيؤ. تمنيت أحيانا كثيرة أن تطول فترة "هذياني" بالحلم كيلا أصل لهذه الخاتمة المفجعة - فحالة النشوة المسكرة التي تنتابني - أصبحت كذلك بعدما سرى مفعول الحلم والطواف ودقات الطبول فيّ - وتداعي رهبة اللقاء الأول بالأم وأبنائها - والثاني والثالث - أصبحت أجمل من أن تنتهي نهاية مادية بحتة و.. مقرفة هكذا. تكرار الحلم مرات ومرات، نمّى لدي ملكة إدراك التفاصيل - تفاصيل الأحلام فقط، فأنا أسوأ من يتذكر تفاصيل الأمكنة والأشخاص؛ بسبب تعاليم "غضّ البصر" التي طالت ذاكرتي اليومية وأجبرتها على مسح كل شيء تلقائيا بمجرد انتهاء صلاحية مروره عليها. أتمشى في براح الحلم - الذي لم يتغير إيقاعه الرتيب أبدا - هو هو.. نفسه، والأم أولادها كما هم، والغسيل والملابس ذاتها! لكنني أنا.. لست أنا؛ في كل مرة أتجول بحرية أوسع من التي سبقتها، أدور في دائرة أوسع، طوافي حول الحلم يكبر، وعالمي القطني.. أجل، القطني، هذه الكلمة بالضبط تستطيع وصف شعوري عندما أحلم هذا الحلم - أقصد.. عندما "كنت". رافقتني الأم وأبناؤها وغسيلها زمنا، صار اختصار الموضوع إن استيقظت على هذه الحال بسؤال مسلّمٍ بالأمر مؤمن بالقضاء والقدر: أجل، هناك جزئية مهمة أغفلتها: الرعشة، الرعشة التي تسري في جسدي. رعشة قطنية باردة، تجتاحني مهما كانت درجة الحرارة من حولي، و.. أرتجف، وتصطك أسناني، حتى آخر الحلم....
ليس تماما..
إن اختصرت الحلم إلى هذه الجملة الخبرية فكأنني خنت تفاصيله.
حسنا، رأيت أخي بسام - الأوسط في الترتيب العام بين إخوتي الشباب - في منامي، لا.. هذه جملة لا تعبر عن الحلم ولم كن نقطته المحورية.
_ أمل؟ مالك؟ إيش في؟
لا أجيب - في دهشة الحلم الأولى لم أكن أجيب الأسئلة، أكتفي بالتحديق في الحلم، وأمي معا! - فيما بعد، عندما اعتاد الحلم عليّ، دخلت في لعبة الطواف حول الأم وغسيلها، صارت إجاباتي مثل:
- بشوفها
- بتغسل
- كلهم بيدوروا حواليها
- لسه شايفاهم؟
- إيش بعملوا هلقيت؟
الجملة "المنطقية" هنا أن تصيح أمي - فيما يشبه النصر - بعد أن علمها تكرار الحدث بأن هذه هي "لحظة التنوير" في الحلم:
- راح الشـر!
ربما لهذا أيضا، تنتابني رغبة أحيانا، أو شعور يتجسد فجأة، بأنني أضغط على أسناني فيما يشبه إحساس القطن، أو ألمس قطنا، أو أسمع صوته.. ليس للقطن صوت تماما، لكن الحلم جعل باب المعاني ينفتح على مصراعيه، وأعطى للأشياء بعدا آخر.
- أجَـتـِكْ؟
- آه!
حينها تهب أمي بكل إيمانها المكرس لحماية ضناها، فتقرأ على رأسي ويدي وجسدي المرتعش، وتسقيني ماء أمومة مبارك بدعواتها.
من العجيب أني "تآلفت" مع رعشتي هذه، صرت أراها تفردا يتميز به هذا الحلم عن سواه، لا يغادرني الإحساس القطني، بل يتجسد تماما وأنا أحلم، وأرتعش.
لم أجرب هذه الرعشة، أو فلنقل: لم أحس بمثلها إلا مرة واحدة.. عندما أصبت بالتسمم منذ بضع سنوات مضت جراء تناولي قدح شاي ملوث بمبيد للحشرات، من علبة شاي نسيها أخي وزوجته في المطبخ قبل أن يستدعيا شركة التنظيف لتعزيل البيت - وكنت ضحية كرم ضيافتهما وجودة التنظيف بامتياز!
انتابني الحنين - صدقا - أثناء إحساسي بالضعف والرعشة وأنا أتكوم على نفسي فوق بلاط الحمام - حاولت أن أتقيأ فلم أستطع، كانت معدتي خاوية، وظننت لوهلة أني قد أحلم "بهم" مرة أخرى - بعد أن غادروني دون وداع، ودون أن يعلل لي أحد سبب اقتحامهم لأحلامي، ودون أن أفهم سر الغسيل، وسر الطواف، وهل جفّ غسيلهم على حبالي فالتقطوها ومضوا أم ماذا؟؟
لكن كل ذلك لم يحدث، سقتني أمي كأس مرمية مرّ، واكتشفت حقيقة التسمم وأسبابه بعد مرور أكثر من شهر على الحادثة!
لماذا أستدعي كل هذا الآن؟ ربما لأن "شفافية" الحلم لم تفارقني منذ تلك التجربة.. ذلك الإحساس القطني بالأحلام - ليس تماما - لكنه حاضر بشكل ما.
ما زلت أتمنى أن أتعرف إلى ملامح تلك المرأة وأطفالها، وهل ارتسمت على وجوههم تعابير أخرى أم أنهم حافظوا على ذات الوجه الجامد والحركة الآلية الرتيبة؟ أحيانا يخيّل إليّ أن المرأة موجودة في مكان ما.. تبتسم ساخرة، تتابع نشر غسيلها على حبل آخر، ليس بعيدا عن حبلي.
الثانية والنصف صباحا.. الأرق! كلمة لم تكن يوما في قاموسي، وكدت أن أكفر بها لأني لم أجربها إلا مرة واحدة - مشكوك فيها أيضا! - وذلك حين ابتلعتني أول صدمة - فلنسمها مجازا: صدمة ثقة عاطفية - في تلك الليلة هجرني النوم بسبب حالة من الغثيان انتابتني، كنت أحس بمغص وألم كأن أحشائي تتقيأ أفكاري المذبوحة من الوريد إلى الوريد عن المثالية الثقافية. الآن مثلا.. أكتب على الأرض! أرشو نفسي بكأس حليب دافئ، مستحضرة ماضيا حبيبا حين كانت هدى - أختي الكبرى - تحضّر لنا حليبا دافئا تطلق عليه "الحليب البـَقـَريّ"، وتسوقنا إلى الفراش. منذ تلك الأيام، لم أشرب حليبا له مذاق يديها الحبيبتين، وابتسامتها الحنونة. أحس ببعض الغثيان الآن، لكنه ليس كما تلك المرة. قبل أن تنتابني حالة الأرق هذه شاهدت فيلما لم يسعفني الوقت بمعرفة عنوانه - فغالبا ما أشاهد الأفلام صدفة، بعد أن يشدني مشهد ما، أو صورة ما من منتصف الفيلم أو أوله أثناء تقليب المحطات التلفزيونية. لكن لدي إيمانا يقينيا، بأن اسم الفيلم هو "Second Chance"، ولا تسألوني لماذا!سترونه ذات يوم، وستعرفونه. ماذا أفعل الآن؟ يخفق قلبي بسرعة غير اعتيادية مذ داهمتني فكرة الأرق، أحاول أن أقيس نبضات قلبي كما الممرضات الخبيرات. أبطئ من معدل تنفسي، لكن الأمر يزداد سوءا. أقرر أن أقيس ضغط دمي، فأهب شعلة من النشاط، ألفّ شريط القياس حول ساعدي، ألاحظ المؤشر الزئبقي يرتفع.. 110/80 ، ضغط طبيعي.. للأسف! ما الذي يحدث إذن؟ أعود إلى غرفتي، أتابع الكتابة بتوجس. أتوقع بين لحظة وأخرى أن تقتحم أمي الغرفة لتجدني منكبة على الورق أكتب مستلقية على الأرض، يظلني ضوء مصباح نوم خافت، فتؤكد جنوني الرسمي - بعد أن أعطتني درسا من قبل في أهمية النوم المبكر، لأن الفيلم استغرقني حتى الواحدة والنصف صباحا - وكيف أني فقدت من وزني ما يصعب تعويضه سريعا، حتى أن وجنتيّ تداخلتا مع عظام وجنتيّ تداخلتا مع عظام وجهي ولم أعد تلك الطفلة ذات الوجه المدور المتورد كالفطيرة الخامرة!
ليس وقتا يستحق الاكتراث أو الدهشة؛ فليس من عادتي النوم باكرا.. فلنقل.. ليس من عادتي النوم على عادة. أنام وقتما أشاء؛ إذ ليس للنوم سلطان عليّ بقدر سلطاني عليه. آمره فيطيع، متى ما شئت أغلقت عيني وأمرته فيلبي. لا أنتظره، لا أعدّ الخراف ولا نجوم الغرفة الفوسفورية على الحائط، هكذا فقط.. أنـــــــام!
هذه المرة يختلف الأمر، أفقد سلطان الأمر والنهي. رغم أن يومي كان حافلا - بلا ساعات راحة - إلا أني لا أستطيع النوم.. آآناااااااااااا.. مصابة بالأرق!
لم يكن أرقا بقدر ما كان تقلبا في الفراش، أذكر أني نمت على الأرض يومها.. هكذا دائما، أعود إلى الأرض كلما هدني التعب.
أذهب إلى الحمام، فلا أجد غير صرصور صغير يبحث عن نفسه في عالم البلاط الوردي المهيب. لست في مزاج لأطبق مبادئ الرحمة التي ألقنها للآخرين حول "نظرية الصراصير" - ذكروني أن أشرحها لكم لاحقا.. أو اقرؤوها في قصة "الصرصور" - لذلك.. قتلته بدم بارد، لم أتأمل عينيّ في المرآة كيلا أتذكر جرائمهما اليومية، قضيت حاجتي وخرجت!
على كل حال، كانت نهاية الفيلم "سـَعـِـيتـَه". أي: سعيدة وتعيسة في آن واحد. خلاصة لاقول، أعجبني الفيلم، ولم يعجبني.
أحاول رشوة النوم، بالكتابة. بعد أن قرأت دعاء النوم وأواخر السور، واستلقيت على جانبي الأيمن، حتى أني جربت تقنية "امسح، امسح" - ذكروني بهذه أيضا لأشرحها لكم - لكن شيئا لم يستطع استدراج النوم إلى فراشي.
آه، أرتاح للكتابة، وأحس فجأة بأني استطعت رشوة النوم أخيراً، لذلك سأترك القلم الآن، وآوي إلى الفراش. وفي الصباح، سأحمل لكم هذه الورقة، وسأطبعها كما هي على الحاسوب، لأنقل لكم تفاصيل زيارة هذا الضيف الذي يسمونه الأرق!
ما الفائدة من تحديد ساعة ويوم وسنة للنكبة؟ وما الذي سـ"نحييه" في النكبة؟ ماذا مثلا.. جراحنا المقددة؟! ليس علينا أن نموت لأن الموت حيّ لا يموت فينا ومع ذلك.. (من سخرية القدر.. أن يرفض الياباني العتيد القابع في حاسوبي نشر هذا المقال البارحة.. وينشره اليوم، إمعانا في لعبة الوقت، وإجابة على تساؤلاتي الباهتة!)
دمنا المتخثر على الرصيف؟!
وهل سنشحذ الساعات ترجعنا إلى قرانا السليبة، وترفع معنا سلاسل المفاتيح العتيقة؟!
ولا علينا أن نتذكر النكبة لأن "النكبة" تذكرنا
وليس مهما أبدا أن نمضي حياتنا معلقة أطرافها بين خيمة مهاجر وحجر مغترب.
نتذكرها كل عام
ككل عام
نطأطئ الرأس، ونكتشف أن أصابع اليدين والقدمين ما عادت تكفي لنحسب عدد المضاربين على القضية، فكيف بالضاربين رؤوسهم عرض القضية.
- ماما، مِين سمّاني عـَروض؟ أبتلع الإحراج الذي وضعتني فيه صغيرتي الحبيبة، وأدرك أن الوقت حان لأفتح معها صفحة مصيرية بالنسبة لطفلة تحدد خطوط حياتها، وترسم دوائر سيرها. - يا ماما.. أنا اللي اخترت اسمك. تحك رأسها ثم تميل إلى الأمام قليلا فتنساب ضفيرتها على كتفها، وتضع يديها على خصرها في تحد، وتتابع: - و



























