رحيق
.

:: أول 3 حاجات

أول 3 حاجات تعملهم أمي لما تركب السيارة، التالي:
1- تسأل عن علبة الكلينكس - المحارم الورقية
2- تسأل عن التكييف شغال أو لأ
3- تسألني معي لبان - علكة من أي طعم لا فرق - لتأخذ مني أو تعطيني.

وغالبا ما يتحول الموضوع لأمر مصيري في حال فـُقد واحد من هذه الحاجات الثلاث، وبطبيعة الحال فإن أول حاجتين يفرضهما الجو الحار، والشمس الشامتة في ركاب هذا الحديد الحامي.

أحيانا أضحك على تكرار هذا الموقف، وأحاول تفنيد هذه العادة التي درجت عليها أمي - وصار يشاركها فيها أبي، اللهم إلا حكاية اللبان - وربما أنا أيضا شاركتها فيها زمنا، لكن نصيحة مها - إحدى شقيقتي - عندما سافرت لزيارتهم واطلعت على "خفايا" حقيبتي، أنهت هذه العادة تدريجيا. يومها قالت لي: وقفي مضغ لبان عشان خدودك الناشفة حتنشف بزيادة، وانتي أساسا مش ناقصة!
لم أكن أمضغ اللبان بجنون، ولكن أشبه بـ"حالة" موجودة في فمي.. فقط! عندما توقفت اكتشفت أن لي غمازتين أخفاهما تقعر وجنتي بسبب قلة الوزن وزيادة الطول. ألمح صورتي وأنا طفلة.. فأضحك، كنا أجمل من أن نكبر!

على هذا الأساس، فإن أول "حاجتين" أعملهم لما أركب السيارة يصبح كالآتي:
- أفتح شباك السيارة عن آخره وأركن عليه
- أربط حزام الأمان

الجو ليس مؤثرا فعالا هنا، إذ إنني "تصالحت" مع الحرارة، وآمنت بأن ليس بيدي ولا برجلها حيلة، ولتكن مشيئة الرب!! ومهما كانت الحرارة عالية فبمجرد أن تنطلق السيارة يتداخل الهواء مع الأفكار ويبعثرها على الطريق.

فكرة جريئة تدخل هنا، وهي أمنيتي - التي انتهت مدة صلاحيتها بفراق الطفولة - بأن أترك شعري حرا للهواء، يتخلله، ويلعب بخصلاته كيف يشاء. الأمنية نفسها تتكرر معي إذا ذهبت للبحر مثلا، أو زارني نسيم لا يمكن إغفال عذوبته. البحر لفظ سمكته الصغيرة بخصلاتها الطويلة ليقصّ كل ليلة منها ما يشاء.. على رسل النسيم.

إذا ما قفزنا إلى "الحاجة" الثانية - حزام الأمان - فليس للأمر علاقة خالصة بالاتزام بقواعد المرور، هناك رؤية فعالة لمبدأ: لو منفعش.. مش حيضـُرّ!

لا أنكر أن ربط الحزام من تعاليم البابوية الأولى، مثلها مثل: "يمين، يسار، يمين.. اعبر الشارع". المضحك في الأمر أن لا أبي، ولا أمي يربطان حزام الأمان - وتقريبا لا أحد من إخوتي - إلا في المناسبات! ومع كل هذا كان بالإمكان سماع خطبة عصماء في السيارة عن "أهمية" الحزام، واستهتار الشباب به، كل هذا على مسمع طفلة، اكتشفت بمجرد الملاحظة، أن لا أبوها ولا خالها - الذي كان يجلس في المقعد الأمامي المجاور - يربطان الحزام!

أما يدي التي تطل من لاشباك باستمرار، فهي أزمة.. بالأحرى تحولت إلى أزمة بعد حادث سير تعرضنا له مؤخرا. أمسك  بيدي طرف الشباك العلوي، وأحيانا أفردها على آخرها كجناح محلق. أجد متعة في مقاومة الهواء الذي يضربها بسرعة ويهرب مع الرصيف.. تقفز السيارة فجأة، تمشي على عجلين وتميل ناحيتي.. أخيـــــرا.. تقفز مرة أخرى كغزالة وتستقر فوق حاجز جزيرة الشارع.

في تلك الثواني المعدودة، لم يدر في ذهني أبدا أن أدخـِلَ يدي لأحميها في حال انقلبت السيارة - إنها يدي اليمنى، وكان يمكن أن تتهشم إلى الأبد!
أسخر من نفسي - أو أقدر لها سذاجة شجاعتها - عندما أتذكر أني "خمنت" إمكانية انقلاب السيارة، ولذلك - وببساطة وجرأة عمياء - تمسكت أكثر بالشباك، بل وضغطت عليه بقوة شمشون لـ... "أعيد التوازن للسيارة، وأمنع انقلابها"!!!!
بعيدا في عقلي الباطن.. لا وجود لشبح اسمه الكارثة ولا الموت، هناك من يصيح مندهشا ببلاهة:
- حتنقلب السيارة! وحشوف الدنيا.. بالمقلوب!

الآن، عندما أعيد التفكير مرات ومرات، أكتشف أن الدنيا مقلوبة فعلا، وأنها لم "تنعدل" إلا عندما انقلب بها هذا الحادث.

يدي التي تكتبني الآن، الموت الذي أمكنه أن يطل من نافذتي زائرا بلا ضغائن أو أحكام مسبقة، أبي الذي أفقت من "لعبة التوازن"  أول ما أفقت لأتأكد أنه بخير، حزام الأمان الذي لم يترك لأفكاري الجامحة أن تقذفني من النافذة أو ترسلني لزجاج السيارة الأمامي.. هكذا.. تركونا كما نحن، بلا غبار أو خدوش للذكرى.

أقدس يدي.. أقدس يد كل كاتب؛ لأنها روحه، قلبه، حياته.. التي تطل من النافذة.

 
 
 
(لمبة)
على بعد كيلو متر أو أقل من الحادث، كان هناك حادث آخر مماثل تماما، لكن السيارة فيه انقلبت، وأصيب ركابها إصابات بليغة.
لا - ويا للخسارة! - لم يتسن لي أن أتفحص تلك الـ.. نـافــذة!

(0) تعليقات

:: لم أقل شيئا بعد..

ما زالت هذه المدونة محتفظة بماء وجهها حتى الآن، ورغم ما كتبته فيها إلا أنه لا يتعدى تفاصيل عادية يمكن أن تحدث لأي إنسان، يختلف سردها ونقلها باختلاف أسلوب الكتابة. الجيد في الأمر أن المدونة ليست مثل "كراسة التعبير" في المدرسة، تتناقلها المدرسات بين الصفوف لإظهار عضلات المدرسة قبل الطالبة التي كتبت الموضوع!
 
قد يظن قارئ أن الكتاب يمررون في الأعمال الأدبية تجارب شخصية أو أفكارا جانبية خاصة بهم، ولماذا يظن؟ بل هكذا درسنا جميعا.. ما الكتابة إلا "تجربة شعورية". هل هناك تجربة لا شعورية؟
 
ليس الأدب محل نقاشنا الآن.. بل هذه المدونة التي هي قلب التجربة الشعورية اليومية. ولأنها ليست عملا أدبيا أطرزه على صفحات كتاب أو مجلة ثقافية، فستحل الطامة الكبرى؛ لا مجال للتملص من "اليوميات".. لأنها فعلا.. يوميات!
 
في موضوع "أحلم أم يحلم الحلم بي"، تذكرت أن أحدا لا يعرف قصة الحلم إلا أمي - وربما تخونها ذاكرتها الآن أو تسفه الأمر - وبما يشبه الضبابية أبي أو أحد إخوتي مثلا. إن تذكره الآن على الملأ يعطي بعدا آخر لليوميات التي تصبح "منسيات" في حياة أي إنسان بمجرد غروب شمس ذلك اليوم.
 
في موضوع "أرق"، وضع الأستاذ "عيب" خطا أحمر تحت جملة: (- فلنسمها مجازا: صدمة ثقة عاطفية -)، وأنارت "لمبة الفضيحة" مشيرة إلى احتمال حدوث سوء فهم ما للجملة.
تجاوزتُ الخط الأحمر وغطيت اللمبة بغربال.
 
البارحة، تصادف أن تعثر أخي بمسودة اليومية إياها، كان يقرأ بحبور - عرفت من عينيه وابتسامته الواسعه أنه يقرأ الأسطر المتعلقة بأختي الكبرى والحليب - إلى أن وصل إلى تلك الجملة - عرفت أيضا من عينيه ولكن من تكشيرة 111 - فسأل بتوجس: أي أزمه عاطفية؟ نعم!! إيش هالسخافة؟!
 
فات الأوان على الكلام، ولكن هذه نقطة إيجابية لصالح المذكرات الإلكترونية.. والجميع سيرفع يده موافقا!
هناك حدود للصراحة، هناك حدود للكلام، هناك حدود للمعرفة.. تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين. اعرف، واسكت!
 
بفرض أن "أمل إسمـاعيل" معروفة - على الأقل مجاملة بتطبيق نظرية النسبية مثلا - ولذلك يجب أن تحافظ في هذه المدونة على حدود المعرفة التي ستجعلها طيبة وجميلة ومحترمة في عيون الآخرين.. أو تبيض صفحتها بكل مواد التنظيف حتى لو كانت بيضاء أساسا.. فالاحتياط واجب!
 
طيب.. هل فتحت هذه المدونة أساسا، لأمل إسماعيـل أم للآخرين أم لي؟
إن كان أبي مثلا يرى أن الأدب للأدب مدرسة فاشلة، وأن الأدب للمجتمع هو الأبقى، فإنني أريد أن أطبق العكس في هذه المدونة.. وعكس العكس أيضا، ليكونا شيئا واحدا.
 
من منكم يظن أن المغني يغني لنفسه أولا؟ من منكم يظن أن المستمع يسمع للمغني أساسا؟ من منكم يظن أن الأغنية التي يغنيها المغني، هي نفسها التي تصل للسامع؟؟
 
 
الآن.. تستطيعون أن تقرؤوا هذه المدونة.. وأن تعرفوا لمن هي!
 

(1) تعليقات

:: جنود الله الملوّنـون

مشغولة بطباعة وتحضير مواد العدد الأول لمجلة "حيفا لنا".. غرفتي في أسوأ حالاتها – بالنسبة لأمي – وأحسن حالاتها "الإبداعية" – بالنسبة لي – جالسة على الأرض مسندة ظهري إلى السرير ومادة ساقيّ كتعويض لهما عن  ساعات شنقهما اليومية على كرسي المكتب في العمل. سيلين ديون ملّت من تكرار أغنيتها "The Nature Boy" التي أعدتُ سماعها مرات عدة، وأوشكَت أن تكفر بمعجبيها الذين اكتشفت أنهم معجبون بـ"أغانيهم هم" لا أغانيها هي.. وأنها ليست إلا وسيلة لوصول كل واحد منهم إلى أغنيته العميقة.

 
تدخل أمي من وقت لآخر محاولة إقناعي بأن: "الجو حلو اليوم". وكبداية مبطنة سرعان ما تتحول إلى أمر، فإنها تشد طرف الستارة وتحاول فتح النافذة لـ"أستمتع" بالهـواء الـ"للي بيرُدّ الروح".

ذهبت أمي، وعدت أتابع عملي بعد أن أعدت الستائر إلى حالتها الأولى. الستائر البنفسجية التزمت الصمت، تعرف أني لن أغير رأيي.. تعرف أن ما وراءها فاجعة يجب تغطيتها، وأن الخير في إخفائها بإسدال نفسها على الجريمة.

 
الباب المغلق لا يمنع تسرب صيحات محمد – ابن أخي الأكبر – وهو في قمة "سكره" الانفعالي أثناء شوط "دومينو" مع إسماعيل – شقيقه الأكبر – وأمي.. هذه الـ"سـِتُّو" التي تملك طاقة طفولة هائلة تجعلها تلعب الكرة و"إنسان حيوان جماد" و"الحية والسلم" و"الاستغمايه" وكل ما يمكن أن يحلم به طفل.. مما يجعلني أنا نفسي أخجل من عدم قدرتي على مجاراتها في نـَفَسها الطويل على الأطفال ومتطلباتهم التي لا تنتهي!

هل أنا فظة إلى هذا الحد؟

أيمكن أن يكون آخر العنقود.. مرا بهذا الشكل؟ ربما.. ربما إن تركناه مدلّى على عنقوده طويلا!

لا أدري إن كنت كذلك مع محمد – الصغير – عندما خرجت لأزرع بعض الزهور في أصص صغيرة لأزين بها نافذة الغرفة الخارجية، ربما فاجأته.. أو.. فاجَعـْتُه، ربما.. عندما تجرأت على الخروج أخيرا للجنينة لمواجهة الأمر الواقع....

 
وجدتُ محمد واقفا على جذع شجرة "تمر الحناء" المقتلعة – بعد أن مددوها على الأرض – مما جعل فروعها – بالنسبة لمحمد – لعبة مناسبة ليتمشى عليها بما يشبه الأرجحة.

صحت دون تفكير: انـزل.. بتحب حدا يمشي وينطنط عليك وانتا ميت؟! لو بتحب قول.. ها؟؟ قوووول!

 
... لمحمد إحساس مرهف جدا – رغم أنه يبدي عكس ذلك – وكرد فعل عفوي نزل فورا من على جذع الشجرة – قبل أن يستوعب أنه نفذ ما طلبت طواعية – وارتسمت على وجهه معالم الرعب من تحقق الفكرة، لكنه استدرك بسرعة مستدعيا برنامجا تم تحميله لكل أبناء الشرقيين.. وصاح مجيبا: وإيش يعني؟ خليهم ينطّو.. حكون ميت! مش حـَحِسّ!!

لست في موضع جدال مع هذا الصبي.. كنت أتمزق.

 
- بَسْ هـِيَّا مش ميته.. هيا حَيَّه وبِتْحِسّ!
 
صدمة أخرى.. استنكر تماما هذه المرة: كيف؟ هيو عمتو أمل.. بابا قطعها.. هيها ميته!

أخذته إلى جانبي وأنا أتابع زراعة الزهور في الأصص، وشرحت له كيف أن الشجر لا يشبه البشر – آه، ليته يشبهه! – وأن روح الشجرة موزعة في كل ورقة منها، وكيف أن بعض الأوراق تسربّ الصفرة إلى عروقها متحملة سموم اليوم وأعداء الغد، فداء للشجرة الأم.

 
كان شرح كل ذلك صعبا على محمد الصغير الذي أخذته الدهشة وغرق في بحر من الأسئلة التي ولدتها اكتشافاته. عدت إلى الزهور أصففها وأتحاشى النظر إلى "تمر الحناء" الممددة هناك، تحت نافذتي تماما.. تماما، مثلما كانت قبل بضعة أيام فقط، تزينه بوقفتها الحنونة.

أحس بأنفاسها تضيق شيئا فشيئا، إنها تصارع الموت.. تموت ببطء يشبه تساقط حبات الماء من جهاز التكييف.. تك.. تك.. تك..

 
لماذا؟ لماذا لم يكن الأمر كما تخيله محمد ساخرا: "عمتو.. نقطع راسها بالسيف.. وتموت ع طول"

ليت السيف يداوي الموت!

 
الآن.. أفتح النافذة، الأوراق ذوت، وأكلها شحوب قاتل. أول مرة طالعني فيها هذا المنظر كانت لا تزال خضراء، بمجرد أن فتحت النافذة عند عودتي من عملي – كالعادة – أغرقني دمعها، وأفجعني حالها.. الرمل الرطب لم يفارق بعد جذورها المجتثة بلا اكتراث. فجوة في الأرض يأكلها الفقد، أوراق هنا وهناك.. جذور فقدت رؤوسها وأرجلها.. كل شيء يصيح: لماذا؟ لماذا؟

كأن الحدث احتفالية بالنسبة لمحمد وإسماعيل: أخيرا.. "هـَمّ وانزاح". تلك الشجرة التي "لا فائدة لها" اقتلعت أخيرا.

 
زرعوا مكانها شجرة ليمون صغيرة، إنها الآن مكانها تماما.. كالطفلة البائسة التي رأتها نازك الملائكة.. خائفة، حائرة. إنهما تتحاوران – الليمونة وتمر الحناء – أسمع ذلك بوضوح.. ملك مخلوع، وملك.. "مزروع"!

هكذا كان الأخضر خلف النافذة..

في الغرفة، اجتاحني سواد لأول مرة يحمل طعم الفرح.. أبي يدخل حاملا ابتسامة.. وقطة!

- معقووول.. يااااااه!

 
يحكي كيف أحضرها خصيصا لي من صديق عرض عليه اقتناءها فقبل. أضحكُ وآخذها منه. قطة سوداء تماما، بعيون خضراء خضراء.. بلون شجرة تمر الحناء التي أعرفها.

يرنّ في أذني صدى دعائي الساذج الذي رددته كثيرا في الفترة الماضية كلما أخبرتني صديقة بولادة قطة في الجوار: ياااااااا رب.. بِدِّي بِسـَّـه!

 
أتوجس خيفة لبضع ثوان.. يبدو أن الله لا يرد لي دعاء هذه الأيام! يستجيب لأدعيتي بسرعة تخيفني.. كأن دعائي ثقيل إلى درجة رغبته في التخلص من صداه بين السماء والأرض!
 
أذكر حكاية رددتها لنا أمي زمنا – في تلك الدروس اليومية لتنشئتنا على حب الناس والثقة العمياء بهم واستهلاك الأعذار تلو الأعذار من أجلهم – مفادها أن امرأة صالحة طلبت الطلاق من زوجها دون سبب وجيه، وفي طريق سفرها إلى أهلها ليعيدها سقط عن فرسه فكسرت ساقه. حينها قالت له المرأة: ارجع بنا، فأنا أريدك ولا أريد سواك! عندها سألها الرجل عما دفعها إلى تغيير رأيها، فقالت: إذا أحب الله عبدا ابتلاه، وقد أغدق الله علينا طوال هذه السنين فلم نبتلى بشيء فخشيت أن الله لا يحبك!

أهربُ من السؤال: ألا يحبني الله؟ وذاك الذي يدعو فأدعو معه: اللهم ارزقنا ما نحب بما تحب!

 
القطة السوداء.. لم أطلق عليها اسما بعد - ويبدو أنني لم أعد في حاجة للبحث عن اسم لها – لم تنم معي في الغرفة لأن أمي رفضت خوفا عليّ من توجسات أمومية مكشوفة، فأخرجتها إلى قفص في الجنينة.
 
في الصباح.. استيقظت على صوت أبي غاضبا في تحسر: انتو مش وجه مفاجآت.. الحق عليّا!

هربت القطة من القفص، ولم يعثروا لها على أثر.. لأول مرة يبدو أبي مشبوبا بالغضب لفقد قطة.. قطة سوداء.. سوداء من ذلك اللون الذي كان يرفض رفضا قاطعا استقبال مثله في بيتنا طوال سنوات اكتشافي له! قسماته قسمات طفل فقد لعبته الأثيرة.. كم تمنيت لو ملكت جرأة السؤال: لماذا كلما كبرت يا أبي.. يعود شيء فيك طفلا جميلا!

 
إنه مقتنع تماما بأنها لن تعود: ولا تحلموا ترجعلكو
 
إنني مقتنعة تماما بأنها ستعود: حترجع.. صدقني، انتا بس استنى!
 
أفتح النافذة.. أتأمل السماء المشبعة برائحة التراب.. تمر الحناء تنصت: يا رب.. رجِّعلي البسـَّه!

وبينما أدون هذه اليوميات.. أسمع مواء يتداخل مع صرير الباب الخشبي وسيلين ديون.. يدخل أبي حاملا سوادا مشبعا بالخضرة: أمل.. رجعت البسَّه!

 

(4) تعليقات

:: أحلُمُ.. أم يحلمُ الحلمُ بي؟!

حلمت اليوم بحصان أزرق
ليس تماما..
إن اختصرت الحلم إلى هذه الجملة الخبرية فكأنني خنت تفاصيله.
حسنا، رأيت أخي بسام - الأوسط في الترتيب العام بين إخوتي الشباب - في منامي، لا.. هذه جملة لا تعبر عن الحلم ولم
كن نقطته المحورية.

سأعترف بأني لا أذكر بداية الحلم، أذكر أني في الحلم قلت جملتي الشهيرة لعقلي الباطن الذي سّرب - كعادته - فكرتي إلى ما وراء خلفية الحلم لتتردد كالصدى مع موسيقى المشهد:"عندما أستيقظ من هذا الحلم، سأكتبه".

هكذا يتتابع سير الأحداث، كل مرة أتمازج والحلم، أترك له حرية السير في فضائه الخاص، ولكن يدي العابثة تمتد لتطور حبكته، أو تقلب السيناريو، كأن أضيف صورا ومشاهد من هنا وهناك لـ.."تغذّي" المشهد، لتعطي الحلم جرأة وفوضى.

ذات مرة حلمت بأني أشاهد فيلما سينمائيا أجنبيا، أبطاله يتحدثون الإنجليزية، والترجمة ظاهرة أسفل "شاشة" الحلم! انتبهت بطبيعة الحال إلى دقة الترجمة، لم أكن لأترجم - في صحوي - ترجمة عالية الدقة مثلها!

في حلم آخر، بدت النهاية غير منطقية، وفي حاجة إلى جزء آخر - ومتى كانت أحلامنا منطقية؟! - رغم أن الحلم أوشك على نهايته، ورغم أن وشاية استيقاظي تسربت إليّ بشكل أو بآخر إلا أني عندما استيقظت، وجدت أمي بجواري تذكرني بالساعة. نظرت إليها، وأجبت: طيب.. استنّي أخلص الحلم، وبعدين بقوم!

عدت إلى النوم من جديد، ودخلت "استوديو" أحلامي، والتقطت شريط الحلم الأخير، وأعدت استحضاره. أخرجت مشاهد إضافية تلائم الحبكة. الحلم نفسه.. أكملته، وختمته، ثم أفقت!

في فترة ما، دونت أحلامي، في دفتر مذكرات أدبيّ الطابع - يختلف عن دفتر مذكراتي اليومية العادية، لكني بعد فترة توقفت عن ذلك، لأن تدوين الأحلام أشق من وطأة الأحلام ذاتها، فكيف بإعادة قراءتها قصصا وحكايات للجلد لا للمتعة فقط!

لا تتكرر أحلامي، ربما "تتلاقح" أو "تتناسخ" لكنها لا تتكرر. حلم واحد فقط - ظنته أمي "جنية" تلبستني لفترة ما من حياتي - كان يتكرر معي كثيرا  وفي مناسبات مختلفة بنفس الرتم. لم تصارحني أمي بمخاوفها إزاء هذا الحلم إلا عندما غادرني إلى غير رجعة.

في السادسة أو السابعة من عمري كنت أحلم - دون ارتباط بزمان أو مكان - بامرأة تغسل الثياب، وأبناء يطوفون حولها في إيقاع منتظم. لا يبدو مشهدا غريبا لأحد، فقط أضف إليه أن الأطفال ليسوا أطفالا.. أقصد، لا تبدو عليهم سمات اللعب أثناء دورانهم، ولا الاستمتاع أو البهجة. وهي.. هي.. تغسل في صمت، تعصر الثياب في صمت، تنشرها في صمت، وهم يدورون.
دقات قلبي تضاف إلى المشهد كخلفية موسيقية، تأخذ في التصاعد شيئا فشيئا حتى تطغى على الأصوات - المحكوم عليها مسبقا بالتزام الصمت - لتتحول إلى ما يشبه دقات طبول حربية.

غالبا ما "أستيقظ" في منتصف الحلم - بينما تعصر المرأة الثياب - أتابع الحلم، وأنا ماضية نحو الحمام، أفتح صنبور الماء، ثم أجلس على كرسي الحمام بعينين مفتوحتين، أحدق في الماء، يدخل صوت تدفق الماء إلى المشهد ، ليس مهما - أو لا يبدو الانتباه لذلك مهما - إن كان مصباح الحمام مضاء أم لا.. هكذا، إلى أن ينتبه أحد إلى خرير الماء، أو إلى الحمام المنار في ساعة متأخرة من الليل - غالبا منتصف الليل أو ساعة الفجر.

تدخل أمي في المشهد، تهزني هزا خفيفا وحنونا لا يلبث أن يحوله قلقها إلى زلزال..
_ أمل؟ مالك؟ إيش في؟
لا أجيب - في دهشة الحلم الأولى لم أكن أجيب الأسئلة، أكتفي بالتحديق في الحلم، وأمي معا! - فيما بعد، عندما اعتاد
الحلم عليّ، دخلت في لعبة الطواف حول الأم وغسيلها، صارت إجاباتي مثل:
- بشوفها
- بتغسل
- كلهم بيدوروا حواليها

أحيانا، تلقي أمي بخوفها جانبا، تتمنى على الله أن يسربها إلى عينيّ، إلى باطن الحلم لتراه معي ولو من خلف الباب. عندما يتجلى لها عقم التمني، تعود فتسألني:
- لسه شايفاهم؟
- إيش بعملوا هلقيت؟

لا تقول أمي: الآن أو هالحين أو توّه، بل.. "هلقيت" الفلسطينية بنكهة تراب الفلاحين السوافيريين، ويبدو أني الوحيدة في البيت التي "ورثت" مفردة "تـَوَّهْ" تعبيرا عن الوقت الحاضر، من غربة أمي وأبي وإخوتي في ليبيا، ولا أدري لم تسربت لي وحدي.. وكيف!

ينتهي الحلم نهاية لا منطقية، إذ إنهم يختفون فجأة بمجرد أن.. أتقيأ!
الجملة "المنطقية" هنا أن تصيح أمي - فيما يشبه النصر - بعد أن علمها تكرار الحدث بأن هذه هي "لحظة التنوير"
في الحلم:
- راح الشـر!

نهاية كهذه لا تسعد طفلة مثلي، خاصة فيما يتعلق بحالة الغثيان المصاحبة للتقيؤ. تمنيت أحيانا كثيرة أن تطول فترة "هذياني" بالحلم كيلا أصل لهذه الخاتمة المفجعة - فحالة النشوة المسكرة التي تنتابني - أصبحت كذلك بعدما سرى مفعول الحلم والطواف ودقات الطبول فيّ - وتداعي رهبة اللقاء الأول بالأم وأبنائها - والثاني والثالث - أصبحت أجمل من أن تنتهي نهاية مادية بحتة و.. مقرفة هكذا.

تكرار الحلم مرات ومرات، نمّى لدي ملكة إدراك التفاصيل - تفاصيل الأحلام فقط، فأنا أسوأ من يتذكر تفاصيل الأمكنة والأشخاص؛ بسبب تعاليم "غضّ البصر" التي طالت ذاكرتي اليومية وأجبرتها على مسح كل شيء تلقائيا بمجرد انتهاء صلاحية مروره عليها. أتمشى في براح الحلم - الذي لم يتغير إيقاعه الرتيب أبدا - هو هو.. نفسه، والأم أولادها كما هم، والغسيل والملابس ذاتها! لكنني أنا.. لست أنا؛ في كل مرة أتجول بحرية أوسع من التي سبقتها، أدور في دائرة أوسع، طوافي حول الحلم يكبر، وعالمي القطني.. أجل، القطني، هذه الكلمة بالضبط تستطيع وصف شعوري عندما أحلم هذا الحلم - أقصد.. عندما "كنت".
ربما لهذا أيضا، تنتابني رغبة أحيانا، أو شعور يتجسد فجأة، بأنني أضغط على أسناني فيما يشبه إحساس القطن، أو ألمس قطنا، أو
أسمع صوته.. ليس للقطن صوت تماما، لكن الحلم جعل باب المعاني ينفتح على مصراعيه، وأعطى للأشياء بعدا آخر.

رافقتني الأم وأبناؤها وغسيلها زمنا، صار اختصار الموضوع إن استيقظت على هذه الحال بسؤال مسلّمٍ بالأمر مؤمن بالقضاء والقدر:
- أجَـتـِكْ؟
- آه!
حينها تهب أمي بكل إيمانها المكرس لحماية ضناها، فتقرأ على رأسي ويدي وجسدي المرتعش، وتسقيني ماء أمومة مبارك
بدعواتها.

أجل، هناك جزئية مهمة أغفلتها: الرعشة، الرعشة التي تسري في جسدي. رعشة قطنية باردة، تجتاحني مهما كانت درجة الحرارة من حولي، و.. أرتجف، وتصطك أسناني، حتى آخر الحلم....
من العجيب أني "تآلفت" مع رعشتي هذه، صرت أراها تفردا يتميز به هذا الحلم عن سواه، لا يغادرني الإحساس القطني، بل
يتجسد تماما وأنا أحلم، وأرتعش.
لم أجرب هذه الرعشة، أو فلنقل: لم أحس بمثلها إلا مرة واحدة.. عندما أصبت بالتسمم منذ بضع سنوات مضت جراء
تناولي قدح شاي ملوث بمبيد للحشرات، من علبة شاي نسيها أخي وزوجته في المطبخ قبل أن يستدعيا شركة التنظيف لتعزيل البيت - وكنت ضحية كرم ضيافتهما وجودة التنظيف بامتياز!
انتابني الحنين - صدقا - أثناء إحساسي بالضعف والرعشة وأنا أتكوم على نفسي فوق بلاط الحمام - حاولت أن أتقيأ فلم
أستطع، كانت معدتي خاوية، وظننت لوهلة أني قد أحلم "بهم" مرة أخرى - بعد أن غادروني دون وداع، ودون أن يعلل لي أحد سبب اقتحامهم لأحلامي، ودون أن أفهم سر الغسيل، وسر الطواف، وهل جفّ غسيلهم على حبالي فالتقطوها ومضوا أم ماذا؟؟
لكن كل ذلك لم يحدث، سقتني أمي كأس مرمية مرّ، واكتشفت حقيقة التسمم وأسبابه بعد مرور أكثر من شهر على الحادثة!


لماذا أستدعي كل هذا الآن؟ ربما لأن "شفافية" الحلم لم تفارقني منذ تلك التجربة.. ذلك الإحساس القطني بالأحلام - ليس تماما - لكنه حاضر بشكل ما.
ما زلت أتمنى أن أتعرف إلى ملامح تلك المرأة وأطفالها، وهل ارتسمت على وجوههم تعابير أخرى أم أنهم حافظوا على ذات
الوجه الجامد والحركة الآلية الرتيبة؟ أحيانا يخيّل إليّ أن المرأة موجودة في مكان ما.. تبتسم ساخرة، تتابع نشر غسيلها على حبل آخر، ليس بعيدا عن حبلي.

آه! هل من داعٍ لأخبركم الآن عن الحصان الأزرق، الذي حلمت به؟
 

(2) تعليقات

:: رأيت أفعى....

طيب..
 
في المشهد أفعى
 
لماذا أنكر عليها أن تلدغ
 
وليس أمامها إلا أن تفعل
 
أو أقطع رأسها؟!

(0) تعليقات

:: أرق

الثانية والنصف صباحا..
ليس وقتا يستحق الاكتراث أو الدهشة؛ فليس من عادتي النوم باكرا.. فلنقل.. ليس من عادتي النوم على عادة. أنام وقتما أشاء؛ إذ ليس للنوم سلطان عليّ بقدر سلطاني عليه. آمره فيطيع، متى ما شئت أغلقت عيني وأمرته فيلبي.  لا أنتظره، لا أعدّ الخراف ولا نجوم الغرفة الفوسفورية على الحائط، هكذا فقط.. أنـــــــام!
هذه المرة يختلف الأمر، أفقد سلطان الأمر والنهي. رغم أن يومي كان حافلا - بلا ساعات راحة - إلا أني لا أستطيع النوم.. آآناااااااااااا.. مصابة بالأرق!

الأرق! كلمة لم تكن يوما في قاموسي، وكدت أن أكفر بها لأني لم أجربها إلا مرة واحدة - مشكوك فيها أيضا! - وذلك حين ابتلعتني أول صدمة - فلنسمها مجازا: صدمة ثقة عاطفية - في تلك الليلة هجرني النوم بسبب حالة من الغثيان انتابتني، كنت أحس بمغص وألم كأن أحشائي تتقيأ أفكاري المذبوحة من الوريد إلى الوريد عن المثالية الثقافية.
لم يكن أرقا بقدر ما كان تقلبا في الفراش، أذكر أني نمت على الأرض يومها.. هكذا دائما، أعود إلى الأرض كلما هدني التعب.

الآن مثلا.. أكتب على الأرض! أرشو نفسي بكأس حليب دافئ، مستحضرة ماضيا حبيبا حين كانت هدى - أختي الكبرى - تحضّر لنا حليبا دافئا تطلق عليه "الحليب البـَقـَريّ"، وتسوقنا إلى الفراش. منذ تلك الأيام، لم أشرب حليبا له مذاق يديها الحبيبتين، وابتسامتها الحنونة.

أحس ببعض الغثيان الآن، لكنه ليس كما تلك المرة.
أذهب إلى الحمام، فلا أجد غير صرصور صغير يبحث عن نفسه في عالم البلاط الوردي المهيب. لست في مزاج لأطبق مبادئ الرحمة التي ألقنها للآخرين حول "نظرية الصراصير" - ذكروني أن أشرحها لكم لاحقا.. أو اقرؤوها في قصة "الصرصور" - لذلك.. قتلته بدم بارد، لم أتأمل عينيّ في المرآة كيلا أتذكر جرائمهما اليومية، قضيت حاجتي وخرجت!

قبل أن تنتابني حالة الأرق هذه شاهدت فيلما لم يسعفني الوقت بمعرفة عنوانه - فغالبا ما أشاهد الأفلام صدفة، بعد أن يشدني مشهد ما، أو صورة ما من منتصف الفيلم أو أوله أثناء تقليب المحطات التلفزيونية. لكن لدي إيمانا يقينيا، بأن اسم الفيلم هو "Second Chance"، ولا تسألوني لماذا!سترونه ذات يوم، وستعرفونه.
على كل حال، كانت نهاية الفيلم "سـَعـِـيتـَه". أي: سعيدة وتعيسة في آن واحد. خلاصة لاقول، أعجبني الفيلم، ولم يعجبني.

ماذا أفعل الآن؟
أحاول رشوة النوم، بالكتابة. بعد أن قرأت دعاء النوم وأواخر السور، واستلقيت على جانبي الأيمن، حتى أني جربت تقنية "امسح، امسح" - ذكروني بهذه أيضا لأشرحها لكم - لكن شيئا لم يستطع استدراج النوم إلى فراشي.

يخفق قلبي بسرعة غير اعتيادية مذ داهمتني فكرة الأرق، أحاول أن أقيس نبضات قلبي كما الممرضات الخبيرات. أبطئ من معدل تنفسي، لكن الأمر يزداد سوءا. أقرر أن أقيس ضغط دمي، فأهب شعلة من النشاط، ألفّ شريط القياس حول ساعدي، ألاحظ المؤشر الزئبقي يرتفع.. 110/80 ، ضغط طبيعي.. للأسف! ما الذي يحدث إذن؟

أعود إلى غرفتي، أتابع الكتابة بتوجس. أتوقع بين لحظة وأخرى أن تقتحم أمي الغرفة لتجدني منكبة على الورق أكتب مستلقية على الأرض، يظلني ضوء مصباح نوم خافت، فتؤكد جنوني الرسمي - بعد أن أعطتني درسا من قبل في أهمية النوم المبكر، لأن الفيلم استغرقني حتى الواحدة والنصف صباحا - وكيف أني فقدت من وزني ما يصعب تعويضه سريعا، حتى أن وجنتيّ تداخلتا مع عظام وجنتيّ تداخلتا مع عظام وجهي ولم أعد تلك الطفلة ذات الوجه المدور المتورد كالفطيرة الخامرة!

أتذكر بعض المهمـات التي يتوجب عليّ إنجازها في الصباح قبل ذهابي إلى العمل، فأكتبها على لوحة "To Do" المغناطيسية المعلقة على الحائط، ثم أعود للكتابة مرة أخرى، كوب الحليب يصارع الرمق الأخير.

آه، أرتاح للكتابة، وأحس فجأة بأني استطعت رشوة النوم أخيراً، لذلك سأترك القلم الآن، وآوي إلى الفراش. وفي الصباح، سأحمل لكم هذه الورقة، وسأطبعها كما هي على الحاسوب، لأنقل لكم تفاصيل زيارة هذا الضيف الذي يسمونه الأرق!

(3) تعليقات

:: أحلام مستغانمي وغصن الزيتون

- أأنت صديقة لكاتبة اسمها.. مسـ.. مسـ.. غتانمي؟
كدت أجيب بـ:"لـَعـَمْ"، لكنني فتحت للدهشة بابا وأنا أتأمل تلك الطالبة التي ألقت سؤالها على وجهي بلا مقدمات.
- ماذا تقصدين؟ الأديبة الجزائرية أحلام "مستغانمي"؟
- هي.. أجل.. تعرفينها؟
- طبعا أعرفها..
- يعني صديقتك؟ سبق لكما أن كنتما معا؟ أهديتها شيئا؟ كتاب تعرفون بعضكم بعضا؟ صح!
 
انهالت الأسئلة عليّ، ولم أعرف من أين أبدأ..
- يا بنتي أعرفها أجل - معرفة أدبية بحتة - لكني لم ألتقِ بها من قبل أبدا. أعرفها من أبنائها، كتبها، مقالاتها. فقط!
- إذن؟ لست أنت "أمل إسمـاعيل" التي ذكرتها أحلام مستغانمي في مقالها الأخير.
- أي مقال؟ وأي أمل إسمـاعيل؟ أنا هي أمل إسماعيل، ولا توجد من تحمل هذا الاسم سوى "دنيا الأمل" إسماعيل، وهي كاتبة فلسطينية في فلسطين.
 
التبس الأمر علينا معا، ورغم أني أعرف أن هذه الطالبة معجبة جدا بـ"أمل إسمـاعيل" التي اكتشفتها - كمن وجد كنز علي بابا والأربعين حرامي- في هذه الجامعة التي لا يبدو لأحد فيها علاقة بالأدب ولا بالقراءة، فإنها كانت تحاول بجهد أن تربط بيني وبين هذه الكاتبة، لتزيد من فخرها بمعرفتها "الشخصية" بي، واقتنائها لإصداري الأول "لأنها لا تموت" منذ فترة وجيزة!
 
كيف أنسى ذلك اليوم، عندما اقتحم خلوة مكتبي صوت امرأة "متحفزة"، توشك أن تحملني خطايا الكوكب، لتتأكد أولا أني "أمل إسمـاعيل"، ثم لتسألني بما يشبه الأمر، والتأنيب، عن إصداري الأخير الذي لم تجده في الأسواق ولا في المكتبات الكبرى والصغرى. في نهاية الأمر عرفت أن ابنتها طالبة في الجامعة التي أعمل فيها، وأنها "اكتشفت" مؤخرا أعجوبة وجود "كاتبة" في مكان ما ههنا، وأنها بحثت عن كتابي في كل مكان ولم تجده معروضا للبيع، وتريدني أن "أخلقه" لها بأي شكل.
دللتها على مكتبة يتيمة وضعت كتابي فيها؛ وذلك تحت إلحاح بعض الأصدقاء، فكم أكره أن "أدلل" على كتبي، أو أن أتولى توزيعها أو حتى الاتصال بمن يوزعها لي أو السؤال عن حالها أو مبيعاتها، وحتى هذه اللحظة لم أتصل بصاحب المكتبة لأسأله عما باع أو اشترى. أما دار النشر التي تولت الطباعة فهي في واد آخر ودولة أخرى ولست أعلم هل وزعت الكتاب على المكتبات أم على محال الفلافل والشاورما!!
 
هكذا، بلا مقدمات مرة أخرى، تسألني هذه الطالبة عينها عن أحلام مستغانمي، وتعيد وتؤكد:
- أنت التي أهديتها غصن زيتون؟ كتبت مقالا تقول إنك أهديتها فيه غصن زيتون وأنها تحتفظ به!
 
ألجمتني الدهشة، وخانتني الذاكرة.. غصن الزيتون لا يمحى من ذاكرتي، فهو مستقر في أحد دفاتر مذكراتي الكثيرة.
- غصن زيتون؟!!
- قالت إنك أهديتها غصن زيتون؟ صحيح؟ متى؟ كيف؟ أين؟
- آآ.. لا أذكر، لحظة.. غصن زيتون! آآآآه، مضى على ذلك زمن طويل جدا! أكثر من ست أو سبع سنوات. هل وصلها فعلا؟
- لم تقرئي المقال؟ حسنا سأحضر لك المجلة غدا.
- ليتك تفعلين. أشكرك فعلا، ومقدما!
 
ها هي المجلة بين يدي، عدد لمجلة زهرة الخليج الإماراتية، حيث تكتب أحلام مستغانمي زاويتها الأسبوعية في صفحة المجلة الأخيرة.. كانت الزاوية تحت اسم "الرسم بالكلمات" لتذكرني بديوان نزار قباني الجميل، والآن، أصبح اسم الزاوية بعد مضي كل هذا الوقت على تعارفي الأول مع أول مرة تكتب فيها في الزاوية "كلمات لقارئ آخر". أذكر مقالها الأول، ذلك الذي تحدثت فيه عن ابتسامة الموناليزا، وصورتها التي اختارتها لترافق مقالها. كانت تلك صورة جادة جدا، موحية جدا، عكس الصورة التي أراها الآن لها.. أحببت أحلام مستغانمي بصورة الجندي، لا بصورة قادة الجند ورؤساء الدول!
 
في مقالها، كتبت تحت عنوان: "نزار قباني وأمي"، عن ذلك الحدس الأمومي القلق تجاهها وتجاه كتاباتها وكل ما يصلها من إهداءات ورسائل وذكريات. مثلها مثل كل الكاتبات، وكل الأمهات. أمي التي أرعبها أن أذكر "عبد الرحمن منيف" في أمسية شعرية وأخصه بإحدى "النبضات"، لا تختلف عن أم أحلام مستغانمي. كلا المرأتين لديهما حاسة "شرقية" سوداوية تجاه "هيروغليفية" الأدب التي لا يملكن مفاتحها.
 
في نهاية المقال تذكر أحلام مستغانمي تذكارات "مريبة" بالنسبة لأمها.. من بينها "غصن زيتون" تقاسمته معها القارئة "أمل إسمـاعيل" من فلسطين. وضعته أحلام مستغانمي في إطار شفاف على مكتبها، مع الرسالة التي رافقته. مثيرة ريب أمها تجاهه.
 
أجل..
أذكر ذلك الغصن الحبيب، غصن الزيتون الذي كتبت عنه أحلام مستغانمي في البدايات مقالا، وذكرت الكثير مما أشجاني وأثار فيّ غصة لا تنتهي.. وكنت حينها حديثة العهد بأول "ذرة رمل" فلسطينية، وأول "غصن زيتون" موشى بدم الشهداء ومسك الدموع.
كان غصنا متوسط الطول، وكيس رمل أحمر، هربتهما صديقتي لي من فلسطين إلى الإمارات، بعد أن استحلفتها ألفا ألا تجلب لي شيئا سواه من فلسطين - في زيارتها الأولى لها، تلك التي نحرم منها نحن "اللاجئون".
 
عندما كتبت مستغانمي ذلك المقال، أحببت أن أقاسمها روحي التي عرفتها في غصن وحبة رمل، فقصصت من قلبي لها غصنا، وحرصت على أن أغلفه كيلا تهشم روحه الأيادي الغريبة في البريد. ثم أرفقته برسالة وطويتهما معا في ظرف بريدي، وأرسلته. لم أكن أدري حتى اللحظة، أنه وصلها، ولم أجد طريقة لأتأكد فيها من وصوله إليها، ولم أبحث عن وسيلة أصلا لذلك! تركت الغصن يمضي ليصل من تلقاء نفسه. فوطن محمول على غصن، ليس في حاجة إلى دليل!
 
وصلها وطني محمولا على غصن زيتون إذن. وها هو يستقر في غرفتها، يكتشف معالم وطن آخر، يجمع الشرق بالغرب، والشمال بالجنوب. ولعله يطالع بين حين وآخر طقوسها الكتابية، وحالاتها الشعرية، فيهز رأسه.. ويحلم بالوطن الكبير.
 

(2) تعليقات

:: "إحيـاء" النكـبة

ما الفائدة من تحديد ساعة ويوم وسنة للنكبة؟

وما الذي سـ"نحييه" في النكبة؟ ماذا مثلا.. جراحنا المقددة؟!
دمنا المتخثر على الرصيف؟!
وهل سنشحذ الساعات ترجعنا إلى قرانا السليبة، وترفع معنا سلاسل المفاتيح العتيقة؟!

ليس علينا أن نموت لأن الموت حيّ لا يموت فينا
ولا علينا أن نتذكر النكبة لأن "النكبة" تذكرنا
وليس مهما أبدا أن نمضي حياتنا معلقة أطرافها بين خيمة مهاجر وحجر مغترب.

ومع ذلك..
نتذكرها كل عام
ككل عام
نطأطئ الرأس، ونكتشف أن أصابع اليدين والقدمين ما عادت تكفي لنحسب عدد المضاربين على القضية، فكيف بالضاربين رؤوسهم عرض القضية.

 

(من سخرية القدر.. أن يرفض الياباني العتيد القابع في حاسوبي نشر هذا المقال البارحة.. وينشره اليوم، إمعانا في لعبة الوقت، وإجابة على تساؤلاتي الباهتة!)

(1) تعليقات

:: لو لم يكن اسمها عـَروض!

 
سيحدث أن...............
تجرّني عـَروض من يدي إلى كرسي الاعتراف، وابتسامة مشبوبة بالحذر والترقب ترتسم على محايا الحبيب. ترفع ناظريها إلي، وتحدق بعينيها المسحوبتين الواسعتين بكل ما فيهما من خضرة وأشجار زيتون، وتتساءل:

- ماما، مِين سمّاني عـَروض؟

أبتلع الإحراج الذي وضعتني فيه صغيرتي الحبيبة، وأدرك أن الوقت حان لأفتح معها صفحة مصيرية بالنسبة لطفلة تحدد خطوط حياتها، وترسم دوائر سيرها.

- يا ماما.. أنا اللي اخترت اسمك.

تحك رأسها ثم تميل إلى الأمام قليلا فتنساب ضفيرتها على كتفها، وتضع يديها على خصرها في تحد، وتتابع:

- و