أول 3 حاجات تعملهم أمي لما تركب السيارة، التالي: وغالبا ما يتحول الموضوع لأمر مصيري في حال فـُقد واحد من هذه الحاجات الثلاث، وبطبيعة الحال فإن أول حاجتين يفرضهما الجو الحار، والشمس الشامتة في ركاب هذا الحديد الحامي. أحيانا أضحك على تكرار هذا الموقف، وأحاول تفنيد هذه العادة التي درجت عليها أمي - وصار يشاركها فيها أبي، اللهم إلا حكاية اللبان - وربما أنا أيضا شاركتها فيها زمنا، لكن نصيحة مها - إحدى شقيقتي - عندما سافرت لزيارتهم واطلعت على "خفايا" حقيبتي، أنهت هذه العادة تدريجيا. يومها قالت لي: وقفي مضغ لبان عشان خدودك الناشفة حتنشف بزيادة، وانتي أساسا مش ناقصة! على هذا الأساس، فإن أول "حاجتين" أعملهم لما أركب السيارة يصبح كالآتي: الجو ليس مؤثرا فعالا هنا، إذ إنني "تصالحت" مع الحرارة، وآمنت بأن ليس بيدي ولا برجلها حيلة، ولتكن مشيئة الرب!! ومهما كانت الحرارة عالية فبمجرد أن تنطلق السيارة يتداخل الهواء مع الأفكار ويبعثرها على الطريق. فكرة جريئة تدخل هنا، وهي أمنيتي - التي انتهت مدة صلاحيتها بفراق الطفولة - بأن أترك شعري حرا للهواء، يتخلله، ويلعب بخصلاته كيف يشاء. الأمنية نفسها تتكرر معي إذا ذهبت للبحر مثلا، أو زارني نسيم لا يمكن إغفال عذوبته. البحر لفظ سمكته الصغيرة بخصلاتها الطويلة ليقصّ كل ليلة منها ما يشاء.. على رسل النسيم. إذا ما قفزنا إلى "الحاجة" الثانية - حزام الأمان - فليس للأمر علاقة خالصة بالاتزام بقواعد المرور، هناك رؤية فعالة لمبدأ: لو منفعش.. مش حيضـُرّ! لا أنكر أن ربط الحزام من تعاليم البابوية الأولى، مثلها مثل: "يمين، يسار، يمين.. اعبر الشارع". المضحك في الأمر أن لا أبي، ولا أمي يربطان حزام الأمان - وتقريبا لا أحد من إخوتي - إلا في المناسبات! ومع كل هذا كان بالإمكان سماع خطبة عصماء في السيارة عن "أهمية" الحزام، واستهتار الشباب به، كل هذا على مسمع طفلة، اكتشفت بمجرد الملاحظة، أن لا أبوها ولا خالها - الذي كان يجلس في المقعد الأمامي المجاور - يربطان الحزام! أما يدي التي تطل من لاشباك باستمرار، فهي أزمة.. بالأحرى تحولت إلى أزمة بعد حادث سير تعرضنا له مؤخرا. أمسك بيدي طرف الشباك العلوي، وأحيانا أفردها على آخرها كجناح محلق. أجد متعة في مقاومة الهواء الذي يضربها بسرعة ويهرب مع الرصيف.. تقفز السيارة فجأة، تمشي على عجلين وتميل ناحيتي.. أخيـــــرا.. تقفز مرة أخرى كغزالة وتستقر فوق حاجز جزيرة الشارع. في تلك الثواني المعدودة، لم يدر في ذهني أبدا أن أدخـِلَ يدي لأحميها في حال انقلبت السيارة - إنها يدي اليمنى، وكان يمكن أن تتهشم إلى الأبد! الآن، عندما أعيد التفكير مرات ومرات، أكتشف أن الدنيا مقلوبة فعلا، وأنها لم "تنعدل" إلا عندما انقلب بها هذا الحادث. يدي التي تكتبني الآن، الموت الذي أمكنه أن يطل من نافذتي زائرا بلا ضغائن أو أحكام مسبقة، أبي الذي أفقت من "لعبة التوازن" أول ما أفقت لأتأكد أنه بخير، حزام الأمان الذي لم يترك لأفكاري الجامحة أن تقذفني من النافذة أو ترسلني لزجاج السيارة الأمامي.. هكذا.. تركونا كما نحن، بلا غبار أو خدوش للذكرى. أقدس يدي.. أقدس يد كل كاتب؛ لأنها روحه، قلبه، حياته.. التي تطل من النافذة.
1- تسأل عن علبة الكلينكس - المحارم الورقية
2- تسأل عن التكييف شغال أو لأ
3- تسألني معي لبان - علكة من أي طعم لا فرق - لتأخذ مني أو تعطيني.
لم أكن أمضغ اللبان بجنون، ولكن أشبه بـ"حالة" موجودة في فمي.. فقط! عندما توقفت اكتشفت أن لي غمازتين أخفاهما تقعر وجنتي بسبب قلة الوزن وزيادة الطول. ألمح صورتي وأنا طفلة.. فأضحك، كنا أجمل من أن نكبر!
- أفتح شباك السيارة عن آخره وأركن عليه
- أربط حزام الأمان
أسخر من نفسي - أو أقدر لها سذاجة شجاعتها - عندما أتذكر أني "خمنت" إمكانية انقلاب السيارة، ولذلك - وببساطة وجرأة عمياء - تمسكت أكثر بالشباك، بل وضغطت عليه بقوة شمشون لـ... "أعيد التوازن للسيارة، وأمنع انقلابها"!!!!
بعيدا في عقلي الباطن.. لا وجود لشبح اسمه الكارثة ولا الموت، هناك من يصيح مندهشا ببلاهة:
- حتنقلب السيارة! وحشوف الدنيا.. بالمقلوب!
لا - ويا للخسارة! - لم يتسن لي أن أتفحص تلك الـ.. نـافــذة!
الاربعاء, 31 مايو, 2006
(لمبة)
على بعد كيلو متر أو أقل من الحادث، كان هناك حادث آخر مماثل تماما، لكن السيارة فيه انقلبت، وأصيب ركابها إصابات بليغة.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية

























