مستغرقة في نوم جميل لم أهنأ به منذ بداية الأسبوع.. لو كنت أدري أن زيارة صديقتي اللدودة وعدوتي الودودة "آمال مفدي" سوف يحل لغز الأرق، لكنت أتيت بها بنفسي من الشارقة ولو حبوا!! من هي أم أحمد.. وأي مسرحية؟ قفز إلى ذهني على الفور اسم مديرة مدرستي الثانوية "أبله شيخه". و............ لا أنكر أن نكهة المسرحية كانت عصرية، لكنها أيضا كانت مسرحية أطفال في النهاية.. ملونة ومزركشة وتناسب ما يبحث عنه أطفال اليوم.. فلم يكن من المتوقع أن أؤلف مسرحية فيها الكهف العجيب، أو الفانوس السحري، أو عروس البحر.. فأطفال اليوم لم يروا كهفا قط.. ولا علاقة لهم بالجبال والمغامرات الجبلية، وإضاءات منازلهم تعتمد على النيون، والمصابيح التي لم يتساءلوا أصلا كيف تعمل، وليس لهم صلة بالبحر إلا بالشاطئ النظيف الملمع حتى آخر ذرة رمل فيه، والمسابح التي يفوح منها رائحة الكلور الحزين الذي فقد قدرته على تبييض جلود مرتاديه ونفوسهم. إلى يومنا هذا، لم أؤلف إلا ثلاث مسرحيات فقط.. اثنان منهما للأطفال، والثالثة مسرحية أدبية بحتة. وفي الحالتين الأوليين كانت "أبله شيخه" هي التي تتصل بي وتسألني أن أؤلف مسرحية لتمثيلها في عرض مدرسي، أو الاشتراك بها في مسابقة مدرسية أو مهرجان أطفال. "أبله شيخه".. هي لوحدها مسرحية.. أذكر أن إحدى الطالبات ارتدت "جوارب" حمراء يوم الفالنتاين.. ورغم أن مريول المدرسة طويل إلا أنها لاحظت الجوارب، وأوقفت طابور المدرسة لتستجوب الطالبة وتعيدها إلى بيت أهلها لتغيير "الجوارب". يومها.. كنت أسير في الساحة، وجدائلي تتهادى من تحت المنديل شبه المفتوح، وألوان ربطات الجدائل الملونة بين الأحمر والأخضر والأصفر ظاهرة للعيان. سمعت من ينادي: انتي يا بنت!! عندما التفتت كانت "أبله شيخه" محمره ومخضرة.. "شو مسوية بروحج؟".. "إيش فيه؟ مالي؟؟". "شعرج؟؟". "ماله؟ عندي مناااااااسبة.. وعامله هيك". "زين انتي بمدرسة.. دخليه في المريول وعدلي شعرج باجر؟ زين؟".. "طيب!!". في نهاية الفصل الأول.. حدث أن وعدتنا معلمة الفيزياء برحلة إلى حديقة. كنا في أمس الحاجة لها بسبب الضغط الهائل علينا في الثانوية العامة. لكن لم تف المدرسة بوعدها لنا. في ذلك اليوم، كتبت قصيدة هجاء في إدارة المدرسة، وأعطيتها لمدرسة الفيزياء راجية أن توصلها إلى المديرة شخصيا. كنا في حصة الفيزياء عندما جاءت الفرّاشة – منظفة – تطلب إحدى الطالبات للمديرة. كانت زميلتي "ريما"، ولم يكن لها أي علاقة بالموضوع.. والمسكينة نفسها لم تكن تدري بشيء! عرفت.. وصمتّ. عندما عادت ريما، أشارت إليّ: عايزينك! جرس الحصة يقرع.. مسكتها: إيش قالت لك؟ منذ ذلك الحين توطدت علاقتي بالمديرة، وصارت تستدعيني كثيرا للمشاركة في أنشطة مختلفة، وكان أن عرفتني بالأستاذ هيثم خواجه، وساعدت في ترتيب ورشة ثقافية معه لتدريبنا وتحسين مستوانا الأدبي – لكن هذه الورشة لم تدم أكثر من لقائين فقط، لأسباب عديدة! الآن.. تذكرني بيوم عرض المسرحية.. مع أنها لم تذكر أي ساعة.. إنها يمكن أن تعرض الآن.. وأنا مستلقية على السرير، وربما هي في المسرح مع الأطفال تصفق لهم.. وربما ستعرض المسرحية في العصر، أو في المساء........ لا أدري! فازت المسرحية السابقة التي ألفتها لهم في مسابقة على مستوى مدارس الدولة.. لم أعلم بذلك إلا بعد سنة من فوزها وتكريم المشاركين فيها!! كيف رضيت بأن أكتب مرة ثانية؟ عندما طهرت أرض أقلامي من الضغائن.. الأدب لن يعيش لي وحدي، ولا أريد منه إلا بسمة طفل، وضحكة أم تصفق لابنتها على المسرح.. العرض الذي لم يستطع أن يولد كان مسرحية الكبار.. لا الصغار. مسرحية كان عنوانها "أنـا... هـُم". مبنية على قصائد مجموعة من الشعراء، وأبطالها ابنة شهيد فلسطيني، ومجموعة من الشعراء هم: غسان كنفاني، أمل دنقل، جبران خليل جبران،......... أقصد.. جثث هؤلاء الشعراء الناطقة شعرا. حاولت من خلالها أن أحيي الجامعة، وكان أن وزعت الأدوار على طالبات من الجامعة، ممن "يمكن" أن يتجرأن على تمثيل المسرحية أمام الحضور. رغم أني حلفت لهن أيمانا غليظة، بأن أبطال المسرحية – عدا البطلة التي لم ترض أيهن بتمثيل دورها، سواي!! – سيرتدون أقنعة، أو قطعة قماش أشبه بعباءة تنسدل على الوجه تقريبا.. وتترك فقط مسافة للشفاه لتظهر مع الإضاءة الخافتة، والمشانق المتدلية من السقف. ماتت المسرحية في مهدها.. لأن رئيس الجامعة رفض أن تمثل الطالبات مسرحية أمام حشد مختلط. ورفض المهرجان برمته فيما بعد. أبي يتفرج على برنامج سياسي.. عباس زكي – ممثل المنظمة الفلسطينية في لبنان – يقول للمذيعة: "نحن الآن نقطِّع أمعاء الوحش".. آه.. هذا يعني أننا (في) أمعاء الوحش.. هذا يعني أننا نسبح في الـ.............. متى سننظف أنفسنا إذن..؟ لا أستطيع الاتصال لأسأل عن موعد عرض المسرحية.. أفكر جديا بالحضور، لكني أكره استخدام الموبايل للاتصال.. ربما أجيب على الاتصالات.. لكني أكره أن أتصل حتى لقضاء غرض لي، ربما إن كان لسواي لغيرت رأيي! لم أتصل.. لن أتصل!
"حد عايز قلب فاضي؟" منير يقفز من الاستيريو بهذه الأغنية.. هل هناك قلب....... فااااااااااضي؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ هه؟؟ الغرفة المقلوبة تصلح تماما لاستقبال صديقتي اللدودة وعدوتي الودودة "آمال مفدي" التي قررت أخيرا أن تركب رأسها وتأتي إلى رأس الخيمة – التي باتت تعرفها أكثر مني – ويبدو أني سأقوم بعملية انتحارية وأخرج معها بعد دوام الجامعة لنتسكع في شوارع رأس الخيمة إلى ما شاء الله. أفكر أيضا أني يجب ألا أطيل الكتابة لأن ورائي جيشا من صفحات الترجمة التي تنتظر أن أنتهي منها. وبهذه المناسبة أتذكر أن أدعو على محمد – أخي – الذي لبسني بهذا الكتيب: الللله يحدفك بطوبة مكتوب عليها اسمي يا محمد.. "مستعد يحب حتى.. قلب عايز ينسى ماضي". منير، يبني.. محدش بينسى ماضي.. ماشي؟ سواء حب وحده وللا واحد وللا حتى برص. ارتحت؟ "حاضر يا زهر.. أمرك يا زهر". آآ.. يبدو أنك اقتنعت! أحسن برضه. كل هذا وانقلب جدولي اليومي، كان يمشي بانتظام، إلى أسبوع ما قبل السفر هذا.. كل شيء انقلب فجأة وفقدت السيطرة على كل شيء.. أوقاتي، منامي، قيامي، طعامي، كتابتي، قراءتي، حتى تعاملي اليومي مع أبسط الأشياء....... الأرق الذي كنت "أتمنى" أن يمر ببابي وأن يتركني ساهرة دائما في الليل.. الآن فقط تذكر أن يمر علي ويحاصرني أسبوعا كاملا.. بلا مبرر. هكذا أبحلق في السماء السابعة التي تبادلني الدهشة باستنكار: يبنتي مش انتي اللي مطلوب منك تسهري.. حد ناداكي؟؟ هش امشي نامي! ورغم ذلك لا أنااااااااام! أفكر أن أسهر مع النجوم، لكني كلما خرجت على عتبة الباب ركضت قطتي "حسنا" بمياااااااوها المجنونة وذيلها المنتصب يتلو آيات الشكر والعرفان والامتنان.. ثم تتحول نظرتها الخضراء إلى تسلقات شاهقة فأجدها تظنني شجرة وتتسلقني إلى أن تصل إلى ما يقارب وسطي.. فأنزلها بهدوء، وأصيح بلهجة الحلبيين – الله يذكرك يا د. طاهر بالخير: وْلِي حسنااااا.. لَكْ شووووو هااااااد؟؟" جائعة دائما، ولا أتعشى، وعند الفطور قبل الدوام "يحن" علي أبي بكباية شاي – غالبا أخضر – وأحيانا أخرى أشرب الشاي في الجامعة مع البسكويت. يا رب ليش البهدله! الآن في البيت ولا أحد.. "في البيت أجلس لا سعيدا لا حزينا لا أنا أو لا أحد" – كما يقول درويش – أقنعتهم بأن يتركوني وحدي لأنتهي من الترجمة.. ويبدو أنها هي التي ستنتهي مني! أهي قسوة قلب أن رفضت الذهاب معهم لاجتماع عائلي ودي بأخي حسام في الشارقة، وفضلت الوحدة؟! ضيعة شهادة الجامعة، لالا.. أنا لم أضيعها، وضعتها في ظرف كبير أبيض لأحفظها من الضياع، فضاعت! هكذا دائما.. المضحك في الأمر أنني دااااائما أرتكب نفس الأخطاء، كل مرة، كل مرة.. أضع شيئا ما لأحفظه، وأقول في نفسي كأني أستشرف المستقبل: سأضعه هنا، لكن المشكلة أنه سيضيع، بكره لما آجي أدور عليه مش حلاقيه. سبحان الله على الغباء المنغولي المستفحل!! حد يرجع شريط الأحداث السماوية عشان ألاقي شهاداتي يا خلق. استخرجت بدل فاقد لكشف العلامات الجامعية، لكن اصبع قدمي يؤلمني جدا بسبب المشي في عز الظهر. يبدو أن الجملة الماضية تفتقر إلى المنطقية. بالعكس، كلها منطقية! فمجرد أن دفعت 30 درهم رسوم استخراج كشف العلامات – أول مرة أذكر التسعيرة، لكن بما أني مفلسة فللنقود قيمة معدنية أخرى على اللوح المعدني الخاص بحضرتي – ذهبت إلى البريد لأرسلها للتصديق الرسمي. مشوار التاكسي من الجامعة للبريد يكلف درهمين ونص – لسه مخدتش الليسن.. والله لو كان ديناصور كان أخده، بس حكمة الله.. ياااا حكمة الله، لكن في الحالتين.. شكلي حآخد ليسن وأشتري بسكليت – وحنان وصتني على باربيكان. قلت أقطع الشارع وآخد تاكسي، بمجرد أن قطعت الشارع فجأة وكأن كل الملائكة صفقت لفكرة أن أمشي حتى البريد. الساعة 10 وثلث ظهرا. بدت المسافة لي من الجامعة للبريد قصيرة بقدرة قااااادر. وتآمرت السماء مع الشارع، فلم أجد أي تاكسي بسرعة البرق كالمعتاد. فمشيت.. "توووووووت" – بالفلسطيني بتطلع "طييييييط" – تاكسي.. لكنه جاء متأخرا، كنت قطعت مسافة "لا بأس بها" – الصراحة كان فيها بأس، لكن حضرتي كنت تنحت خلاص، وركبت راسي.. وبدي أمشي! عندما كنت صغيرة توصلت لقناعة مهمة، تتعلق بلبس المرأة الخليجية عموما للعباءة السوداء، والرجل للدشداشة البيضاء.. وهي أن العباءة جزء لا يتجزأ من الحكم على المرأة بالحبس في البيت، فلبس الأسود يعني الحرارة وامتصاص أشعة الشمس والخنقه.. ولا يعرف هذا إلا من جرب شمس الإمارات وأيامها الصيفية السوووودااااااا.. ولكن الرجل يرتدي الأبيض ليعكس الحرارة، ويخفف عنه. الآن وأنا أمشي في الحرارة.. والشمس، والبهدلة.. أدرك هذه فعالية هذه القناعة تطبيقيا. محدش يسألني بلبس عباية سودا فضفاضة جدا زي عباية ستي الحجه ليش؟ - مع الأخذ بالاعتبار إن ستي الله يرحمها لم تكن ترتدي عباءة لا سودا ولا خضرا. وصلت للبريد وأرسلت الظرف، كان ناقص على موظف البريد أن يهش ويبش ويقول لي بأريحية: وينج؟ أسبوعين يا الظالمه ما تمررييين! هو لا يعرف أني أحسده – أحسده أحسده أحسده – على وظيفته في البريد.. كل مرة أذهب فيها للبريد أتخيل كل الرسائل التي تسبقني وهي تهطل عليه.. يختمها، يقرأ عناوينها.. يتلمس ما فيها من مشاعر تسافر عبر المسافات.. ياااااااااه.. وظيفة موظف البريد خياااااااااالية فعلا. في طريق العودة.. ركبت رأسي مرة أخرى.. حنان عايزه باربيكان. هناك تسلسل منطقي مرة أخرى للجملتين السابقتين. فأقرب سوبرماركت يبعد عن البريد نصف كيلو، ويجب أن أمشيه قبل أن آخذ تاكسي، وإن وصلت للسوبرماركت فلن يبقى إلا نصف كيلو آخر للوصول مرة أخرى للجامعة. بالتالي.. لا حاجة للتاكسي إذن! مشيت ومشيت ومشيت.. الجو حر، وكنت أدندن بأغنية سيد درويش.. الحقيقة لم أكن أدندن بها، منذ أن سمعتها وهي تحتل "الخلفية الموسيقية" الخاصة بأحداثي اليومية بشكل دراماتيكي عجيب. وأتخيل معها أني أركب على حصان دوار في الملاهي، أو أحرك مقبض صندوق الدنيا... يااااااه! أي.. آآ.. أوووووووووو.. "بننجرح، كل يوم لكن.. بيفرحنااااااااا....." بالضبط يبني يا منير.. بالضبط... وأنا أمشي اكتشفت أن "الشبشب" الذي أرتديه متنيل على عين أبو اللي خلفوه. كان شبشب باصبع، جلدي وأسود.. ويفترض أنه مريح. أذكر أني اشتريته من محل في سوق الكويتي، ويومها كنت أرتدي شبشبا آخر وكان الشبشب الآخر أيضا تسبب بكشط جلد إبهام رجلي من المشي في الحر. اشتريت الشبشب – الحالي – وشلحت الشبشب القديم في وسط الشارع ورميته بكل أريحيه، ولبست الجديد بانتصااااااار وراحة. "كيفك أمل.. شو وييييينك؟".. زميلي الصحفي "مخلص سعيد" على التليفون. - نسيت أقول بأني مررت على صيدلية واشتريت قطرات دموع طبيعية أوصاني طبيب العيون باستخدامها لإدمان "البحلقة" على شاشة الكمبيوتر. ........ انتهت مكالمة مخلص، اشتريت الباربيكان لحنان من السوبرماركت، وعدت للجامعة.. وأوووول ما دخلت من الباب على طووووول.. خلعت الشبشب، ومشيت حافية لمكتبي. يااااااااه، ما نرجع نمشي حافيين يا ناااااس.. تمر ببالي أغنية "حافية القدمين" عن قصيدة نزار قباني التي غناها كاظم الساهر. * ملاحظة على العنوان: (بَعـْدَهـَالِكْ): باللهجة المصرية.. كلمة بتجيبلي المغص والقرف وكل حالات الجنون الرسمي وغير الرسمي.. تستعملها معي أمي أحيانا – لأنها تعرف وقعها السحري عليّ – عندما تفقد الأمل في أن أجيبها وأطفئ الكمبيوتر.. أو أن أنام بسلام كبقية البنات المرضيات!
اسمها العلمي المتعارف عليه "سيارة"، لكن تجاوزا سأسميها "مزبلة بعجلات". هذا هو التوصيف الدقيق لسيارة محمد - أخي - وهو يصحبني إلى الشارقة في مشوار تدخلت من أجله الأمم المتحدة وبقرارات واجتماعات دامت شهرا إن لم يكن أكثر. هل هو الشعور بالفضاء الرحب أم الاختناق؟ لا أدري.. الانتقال من رأس الخيمة إلى الشارقة أو دبي صار يشكل لدى "الخيماويين" شعورا بالضيق والرغبة في العودة إلى قوقعة الهدوء من جديد بأقصى سرعة. ورغم أننا نتندر على أهل رأس الخيمة بأنهم مختومون في جباههم بدمغة "خيماوي" - نسبة لرأس الخيمة - إلا أن الحقيقة تدل على صحة الدمغ حتى لو كان معنويا. لم نقض مشوارنا في الشارقة كما نريد، أساسا لم نستطع الوصول لوجهتنا بسبب الازدحام، أضف إلى ذلك أن محمد يكره أن يزج بنفسه في ازدحامات كهذه - فكيف إن لم يكن المشوار له أساسا! عوضا عن ذلك تقمصني دور "الظالمة" الشريرة التي زجت بأخيها وسيارته في هذه المجزرة العجلاتية.. وصار لزاما عليّ أن أخفف حدة غضبه وقرفه وأتنازل عن كل متطلباتي للخروج من أزمة الزحام بسلام. عدنا للبيت في النهاية.. طوال الطريق تساءلت عن جدوى المشوار، وعن رأس الخيمة، وعن السنوات التي نهشتها مني بهدوئها البارد وموتها السريري. قضيت شهرين أتدرب على الترجمة في معهد الدراسات المصرفية في الشارقة، وفي تلك الفترة سكنت عند أخي في عمارة على الطابق 22، ولم أكن أرجع إلى رأس الخيمة إلا أيام الخميس والجمعة من كل أسبوع. أحيانا أذهب برفقة أخي، وأحيانا بالتاكسي - كانت تلك مغامرة في حد ذاتها بالنسبة لي - وأحيانا أستطيب المشي مسافة طويلة بين العمارات في قلب الظهيرة، ولكن بفرحة غامرة. إلى أن تجرأت ذات مرة، وخرجت إلى بحيرة خالد وحدي.. لأتمشى حولها، وأتنشق حرية لم أطعمها من قبل على صفحة التموجات الفضية المجنونة. عند عودتي بعد أول أسبوع أقضيه بعيدا عن رأس الخيمة.. كنت أتصفح وجوه الشوارع وأحس باختلاف جوهري في المنظر. كنت أنكر شيئا ما أجهله، أو أختبر حاسة سابعة جديدة مرتبطة بالبصر. لا أدري تحديدا لكنني أحسست أن هناك "شيئا" ما.. تغير.
رأس الخيمة التي تزرع فيك الأفق البعيد، تزرع معك أيضا قلة الصبر أحيانا والتخاذل. إنها ترفع لك شعار "الهدوء لأجل الهدوء". أناسها الطيبون الوادعون يتحولون إلى كل ما تتخيله حالما يغادرونها. تكتشف وجها آخر لرأس الخيمة بعيدا عنها. وجه رأس الخيمة المضيافة الهادئة "العاااائلية" يصبح وجها غادرا خائنا.. وطعنات الظهر لا تفارقك وأنت تحس بأن رأس الخيمة امتصت رحيق الحياة من دمك، بأن قبرتك فيها كل تلك الفترة وأنت لا تشعر بكفنك ولا بأنفاسك.
رافقني إحساسي هذا حتى آخر أسبوع في التدريب، عندما عدت لرأس الخيمة أخيرا، اكتشفت أن التغير هو اكتشافي لـ"رحابة السماء، والأفق" في رأس الخيمة.. كأن هناك امتدادا إضافيا للسماء، أو كأن سماء رأس الخيمة شارع بأربع حارات، وكل سماوات المدن الأخرى بحارة واحدة!
كل هذا يعود إلى أن رأس الخيمة لا "تناطح" السحاب ولا الأمنيات. وتنام بيوتها على الرصيف مثلها مثل أي مدينة طفلة. الآن فقط بدأت رأس الخيمة تتحول إلى طور المراهقة، لكن عماراتها صارت تصطف عشوائيا أحيانا.. وأحيانا بروح تحد عالية لكل ما هو عصري وجذاب.
في الصف الثاني الابتدائي انتقلنا لبيت آخر - وما زلنا - يقع في منطقة سكنية بحتة، لا محال، لا حياة حقيقية
هناك، لم تكن مي.. لم يكن أحد على الإطلاق من صديقات بالجوار. بيتنا الذي يقع على تلة تطل على الشارع بعيد بحوالي 600 متر على الأقل عن الحي الذي تتراص فيه البيوت بحميمية بتشابك يطوق المسجد.
تعرف محمد - أخي - على صديق يدرس معه، وبالصدفة كانت أخته تدرس معي.. لكن، لم يسمح لي باللعب معها في الحارة، ولا بالخروج من البيت للركض على الرمل أو بناء البيوت الرملية أو الركض بطائرة ورقية. مرة واحدة ربما.. مرتان.. ليس أكثر.
يخرج محمد برفقة صديقه، بينما أقضي وقتي في اللعب بالشطرنج. كان الملك ملكا، والوزير وزيرا، والطابية والحصان والجنود والفيل....... كلهم ممثلون مسرحيون، يلعبون على رقعة الشطرنج التي قد تتحول قصرا، أو غابة، أو خيمة..
في أحيان أخرى ألعب بدراجتي في المساحة المبلطة من البيت، مساحة صغيرة لكنها كانت تستوعب - بقلق -
المدرسة، ومشاوير السيارة كانت وسيلتي الوحيدة للوصول إلى أطراف العالم الآخر، في زيارات قصيرة إلى صديقة هنا أو هناك. لكن عقارب الوقت لادغة مرة.. ترقص على حواف النهايات.
ماذا تكون رأس الخيمة؟
لا أستطيع أن أحمل لها.. لهذه المدينة- التي تنقلب رأس "خيبة" أحيانا - إلا مزيجا من الوفاء
أتراه بحرها هو الآخر.. كاذب مثلها. أم أنه عامر بالخيبة!
صورة الرضيعة ذات الأربعة أشهر بلباسها الأحمر والأبيض – نسميه "دبدوب" – وهي مستلقية على الأرض، وبجانبها قطة كبيرة لونها أبيض وأسود، هي أنسب صورة لتشرح كل ما أريد قوله باختصار. لكن بي من الكسل والألم ما يكسر عزيمتي للبحث عنها في الألبوم، وتحميلها على الجهاز ثم الموقع. الغريب أنني كنت أهم بنشر مقال عن طيور الحَمَام.. وبالفعل، أحتفظ بالمسودة – هذه المرة إلكترونية – وأضيف عليها من حين لآخر، لكني لم أتمها بعد. وفجأة.. أراني أعود إلى القلم والورق لأكتب اليوميات من جديد – تتدفق رغما عني الأفكار بلا ترتيب – هذه هي اليوميات.. يوميات ننتظرها ولا نرتبها! في رواية "الخيميائي" يراهن بطل باولو كويلهو على "الإشارات".. أما تلك الرضيعة التي لم تتجاوز أشهرها الأربعة فتراهن على القطط.. والأشجار. منذ البدء، كانت القطط تحمل "شيئا" مني، حتى عندما بدا ولعي المبكر بها طفوليا وساذجا – لا أدري لم نربط الطفولة بالسذاجة! – وفي تلخيص بريء.. كانت القطط تعيش مجزرة يومية من الاكتشافات تتمثل بإغلاق الباب على ذيلها وهي سائرة، أو بسحبها منه، إلى أن يصل الأمر إلى إلقائها من شرفة البيت – الذي كان يقع في الطابق الأول – لاختبار قدرتها على الطيران! محمود – أخي الأكبر – وحده الذي حاول الثأر للقطط – أسرّ لي فيما بعد عندما تأقلم مع دهشة عودته إلينا – بأنه كان يرفعني من قدميّ رأسا على عقب، ويتركني أصرخ وأبكي معلقة في الهواء لدقيقة أو أكثر، لـ"أشعر" بفداحة جرمي، وبمعاناة قططه التي كنت "أعذبها" بتجاربي واكتشافاتي الطفولية! دائما هناك قط أو قطة في الجوار.. الغريب أن أي قط منها لم يعش معنا أكثر من سنة واحدة – رغم أني أعرف قططا عمرت أكثر من 15 سنة عند آخرين – ودائما هناك فاجعة من نوع ما.. في النهاية! أول قطة عرفتها في بيتنا الجديد – كان جديدا حينها – قطة عادية اعتادت أن تلقي لها أمي بعض الطعام من نافذة المطبخ، وكان أن جازت هذا الكرم بأن ولدت في مخزن البيت عدة مرات. آخر مرة كانت في دولاب خشبي عتيق، وحدث أن جاء قط شرس – وليفها – وقتل ثلاثة من صغارها دفعة واحدة، وأصابها بجروح متفرقة أثناء دفاعها المستميت عنهم. صبيحة عيد الأضحى – كنت افتقدتها منذ تلك الحادثة – شممت رائحة غريبة تتسرب من نافذة حمّام البيت، وعندما بحثت عن مصدر الرائحة خلف البيت.. اكتشفت جثتها المنتفخة التي كساها الذباب برائحة الموت. في الثامنة كنت، وانبعث الحرف من شفتيّ نشيدا محزونا.. موزونا لأورة مرة – ولم يتوقف إلى الآن – فقلت لها: كنت ألقى قطتي على رحاب بسمتي.....إلخ... لا أظن أن أحدا علم بأمر النشيد الشعري الذي كتبته حينها – تسرب حزن شفاف، وانسل خيط الإشارات.. والقطط. بحضور أي قطة، يحضر حَدَث مصيري، أو ينقلب مسار حكاية ما – في فترات كثيرة أجد القطط مستودعا للأسرار والألعاب والاكتشافات. علمتها كل ما أريد، وتعلمت منها عاداتها وطقوسها، فهمتها من نظرة عينيها.. "مياو" واحدة أسهل عندي من حروف الهجاء مجتمعة! وهي بالمقابل كانت تعرف نبرتي، وسكنتي، ودقائق روحي.. تشاطرني حزني إن حزنت، فأجدها تأتيني – كل القطط تعرف طريقها إلى غرفتي وسريري ومكتبي، وأحيانا عندما أكون في الحمّام فإنها تعرف أني فيه وتنتظرني على بابه! في إحدى المرات كنت من الألم بأن منعت أحدا من دخول غرفتي، فما كان من القطة إلا أن اهتدت إلى شباك الغرفة، وقفزت منتظرة أن أسمح لها بالدخول. تعجبت لأني لم أعلمها من قبل الدخول من النافذة – تعلمت تلك الحيلة فيما بعد وداومت عليها – وكانت القاضية: إذ إن أبي نفاها إلى "سوق السمك" لأنها "خَـرَمَت" كل الشبابيك بأظافرها – كانت طريقتها في فتح الشباك بأن تغرز أظافرها في شَبَك النافذة ثم تفتحها كما نفتحها نحن! – ورغم أن أبي لم ينفِ من قبل قطا إلى سوق السمك لفتحه باب البيت مثلا – جميع القطط تقريبا تعلمت كيف تفتح باب البيت الخشبي والدخول منه لصالة البيت – إلا أن فتح الشباك كان "خطيرا" بالنسبة له. تمر القطط وتأخذ معها الأزمات أو تداويها، ربما لم أشعر بذلك في طفولتي – وإن كنت أقدر للقطط إيناسها لوحدتي يوم تسرب إخوتي الواحد تلو الآخر لتبتلعهم صحراء غربة لا ترتوي – إلا أني أتعجب فعلا من "سيناريو" القطط الذي لم أجد له مثيلا عند أحد: فيما حول بيتنا كان هناك قط شرس أطلقت عليه "أبو عين عـُورا". ولهذا القط مساعدان: قط أبيض ناصع البياض، وقط أسود فاحم السواد. كان من عادة هذا القط الشرس أن يزور بيتنا كل شهر أو أسبوع مرة، فلقي نظرة ليطمئن إلى أن لا قط جديد في بيتنا. فإذا ما حل ببيتنا قط، تركه أسبوعا يلهو ويرتع، ثم أتى لينذر بمعركة البقاء – غالبا يأتي حوالي منتصف الليل، فيموء مواء أميزة جيدا أشبه بأبواق الإنذار – فإذا كان الصباح وجدنا قطنا مقتولا أو مصابا إصابة بليغة تودي به سريعا إلى حتفه! تكررت هذه الحوادث عدة مرات، إلى أن وجدنا "أبو عين عورا" مدهوسا على طريق فرعي بين البيوت، وكانت سعادتنا غامرة! رغم كل هذا لم يقف سيل الموت عن جرف جثث قططنا، أتذكر أني أقمت مقبرة أسفل التل الذي يقع عليه بيتنا، وحددت فيه أماكن القطط وعائلاتها بأحجار معينة، بل وكنت أزور قبورها أحيانا، وأدعو لها! إلى أن جرفت رمال "المقبرة" بسبب بعض أعمال الإنشاء، فبرزت جماجم القطط للعيان! صارت القطط تموت بأدواء مختلفة – هكذا.. عندما يستبد بها المرض تعتزلنا وتموت وحيدة. في أول مرة لم أفهم سبب عزلتها، فيما بعد – بتكرار الأمر – فهمت أن القطط تكره أن يراها أحباؤها لحظة موت أو ضعف، بالإضافة إلى أنها تخشى نقل العدوى لمن تحب.



























