رحيق
.

:: آخر من يعلم.. يا ليته لم يعلم!

 

مستغرقة في نوم جميل لم أهنأ به منذ بداية الأسبوع.. لو كنت أدري أن زيارة صديقتي اللدودة وعدوتي الودودة "آمال مفدي" سوف يحل لغز الأرق، لكنت أتيت بها بنفسي من الشارقة ولو حبوا!!

يطل الموبايل برأسه على رنة لم تستغرق ثوانٍ معدودة. أكره الإجابة على الهواتف بين النوم واليقظة. ويعرف الجميع كم أكره أن يوقظوني لأجيب أي اتصال. لم أجب. ما هي إلا لحظات حتى رن الموبايل مرة أخرى.. ولكن عن رسالة نصية وصلت. فتحتها ببطئ: "اليوم عرض المسرحية في المركز الثقافي.. شرفينا بحضورك/ أم أحمد".
 

من هي أم أحمد.. وأي مسرحية؟

قفز إلى ذهني على الفور اسم مديرة مدرستي الثانوية "أبله شيخه". و............

المسرحية.. مسرحية الأطفال التي طلبت مني في اتصال قبل ثلاثة أشهر – على ما أذكر - أن أكتبها لهم ليقوم الأطفال بتمثيلها. كان أصل المسرحية عن موضوع "بر الوالدين".. لكنني جعلتها مسرحية "مودرن" بأن جعلتها عن الكمبيوتر وآثاره على بر الوالدين. ربما تكون المسرحية رسالة اعتذار إلى أمي التي تنعت الكمبيوتر بـ"هـُبـَل".. ويرتفع ضغطها كلما رأتني جالسة على الكرسي الدوار في حوار جدّي جدا – وتيس أحيانا – مع الجهاز!
 

لا أنكر أن نكهة المسرحية كانت عصرية، لكنها أيضا كانت مسرحية أطفال في النهاية.. ملونة ومزركشة وتناسب ما يبحث عنه أطفال اليوم.. فلم يكن من المتوقع أن أؤلف مسرحية فيها الكهف العجيب، أو الفانوس السحري، أو عروس البحر.. فأطفال اليوم لم يروا كهفا قط.. ولا علاقة لهم بالجبال والمغامرات الجبلية، وإضاءات منازلهم تعتمد على النيون، والمصابيح التي لم يتساءلوا أصلا كيف تعمل، وليس لهم صلة بالبحر إلا بالشاطئ النظيف الملمع حتى آخر ذرة رمل فيه، والمسابح التي يفوح منها رائحة الكلور الحزين الذي فقد قدرته على تبييض جلود مرتاديه ونفوسهم.

 

إلى يومنا هذا، لم أؤلف إلا ثلاث مسرحيات فقط.. اثنان منهما للأطفال، والثالثة مسرحية أدبية بحتة. وفي الحالتين الأوليين كانت "أبله شيخه" هي التي تتصل بي وتسألني أن أؤلف مسرحية لتمثيلها في عرض مدرسي، أو الاشتراك بها في مسابقة مدرسية أو مهرجان أطفال.

"أبله شيخه".. هي لوحدها مسرحية..

كانت مديرة مدرستي الثانوية، وكم كانت متشددة ومنضبطة في أبسط الأمور. المدرسة تسير كالساعة في حضورها، وكل الطالبات يحترمن أنفسهن.. حتى "المعمرات" منهن بمجرد أن تسير في ممر المدرسة في "كبساتها" على الصفوف.
 

أذكر أن إحدى الطالبات ارتدت "جوارب" حمراء يوم الفالنتاين.. ورغم أن مريول المدرسة طويل إلا أنها لاحظت الجوارب، وأوقفت طابور المدرسة لتستجوب الطالبة وتعيدها إلى بيت أهلها لتغيير "الجوارب".

وأذكر أني في إحدى المرات المجنونة قررت أن أسرح شعري الطويل على نمط الأفارقة.. فقمت بتجديله إلى جدائل صغيرة جدا جدا، حوالي 30 جديلة صغيرة.. كنت في حاجة للبعكشة في شعري بأي طريقة للخروج من أزمة ما.. وكانت هذه الطريقة هي الحل! ربما لأن صديقتي "ولاء" سودانية – وهي من أعز صديقاتي إلى الآن – وكانت أمها دائما ما تقوم بتسريح شعرها بهذه الطريقة، ولكن ليس بجدائل من منبت الشعر مثلما جننت وفعلت!
 

يومها.. كنت أسير في الساحة، وجدائلي تتهادى من تحت المنديل شبه المفتوح، وألوان ربطات الجدائل الملونة بين الأحمر والأخضر والأصفر ظاهرة للعيان. سمعت من ينادي: انتي يا بنت!! عندما التفتت كانت "أبله شيخه" محمره ومخضرة.. "شو مسوية بروحج؟".. "إيش فيه؟ مالي؟؟". "شعرج؟؟". "ماله؟ عندي مناااااااسبة.. وعامله هيك". "زين انتي بمدرسة.. دخليه في المريول وعدلي شعرج باجر؟ زين؟".. "طيب!!".

لم أعدل شيئا.. تركته ليوم آخر كما هو.
 

في نهاية الفصل الأول.. حدث أن وعدتنا معلمة الفيزياء برحلة إلى حديقة. كنا في أمس الحاجة لها بسبب الضغط الهائل علينا في الثانوية العامة. لكن لم تف المدرسة بوعدها لنا. في ذلك اليوم، كتبت قصيدة هجاء في إدارة المدرسة، وأعطيتها لمدرسة الفيزياء راجية أن توصلها إلى المديرة شخصيا.

لم تكذب مدرستي الخبر، وأوصلتها.. وطلبت مني تحمل العواقب.
 

كنا في حصة الفيزياء عندما جاءت الفرّاشة – منظفة – تطلب إحدى الطالبات للمديرة. كانت زميلتي "ريما"، ولم يكن لها أي علاقة بالموضوع.. والمسكينة نفسها لم تكن تدري بشيء!

عرفت.. وصمتّ. عندما عادت ريما، أشارت إليّ: عايزينك!

جرس الحصة يقرع.. مسكتها: إيش قالت لك؟

أول ما شافتني.. قالت: ليش تهجيينا بقصيدة؟ مفتاح "مود".. ها؟؟ شو سوينا لكم؟!... أنا ما فهمت شي.. بس بعدين فرجتني ورقة مكتوب عليها قصيدة، قلت لها مو أنا.. سألتني: عيل انتي مب البنت الشاعرة اللي بالصف؟؟ فإلتلها إنها أمل إسماعيل، مو أنا!!
 
وكان أن ذهبت للمديرة.. ولكنها هشت وبشت ولم توبخني على القصيدة – كما توقع الجميع – بل وشكرتني على "هجائي" لهم، ما عدا السطر الأخير الذي ختمت به القصيدة.. والذي طالبت فيه بتحقيق الرحلة على الرغم من بساطة الوعد، وإلا تغيير الإدارة برمتها لنكثها الوعد عن طريق الضغط على "مفتاح مود"، وهو المفتاح الموجود في الآلات الحاسبة لـ"تغيير النظام" – كنا نستعمله دائما في حساب مسائل رياضيات الثانوية العامة!
 

منذ ذلك الحين توطدت علاقتي بالمديرة، وصارت تستدعيني كثيرا للمشاركة في أنشطة مختلفة، وكان أن عرفتني بالأستاذ هيثم خواجه، وساعدت في ترتيب ورشة ثقافية معه لتدريبنا وتحسين مستوانا الأدبي – لكن هذه الورشة لم تدم أكثر من لقائين فقط، لأسباب عديدة!

 

الآن.. تذكرني بيوم عرض المسرحية.. مع أنها لم تذكر أي ساعة.. إنها يمكن أن تعرض الآن.. وأنا مستلقية على السرير، وربما هي في المسرح مع الأطفال تصفق لهم.. وربما ستعرض المسرحية في العصر، أو في المساء........ لا أدري!

أتخيل الأطفال، وأتخيل كم هي رائعة المسرحية!
 

فازت المسرحية السابقة التي ألفتها لهم في مسابقة على مستوى مدارس الدولة.. لم أعلم بذلك إلا بعد سنة من فوزها وتكريم المشاركين فيها!!

عندما اتصلت بي للمرة التالية.. وأخبرتني الخبر، استأت منها، ومني.. ومن كل شيء. لفترة احتقرت نفسي لأني سمحت بأن أكتب أعمالا أدبية ينكر نسبها إلي في النهاية، ولا أدري بأي أرض تولد وبأي أرض...........!!!
 

كيف رضيت بأن أكتب مرة ثانية؟

عندما طهرت أرض أقلامي من الضغائن.. الأدب لن يعيش لي وحدي، ولا أريد منه إلا بسمة طفل، وضحكة أم تصفق لابنتها على المسرح..

لم يعد يعنيني إن كنت أنا من كتبت العمل المسرحي أو حتى جيراننا.. لا حسابات مع الأطفال.. يعنيني أن تشق المسرحية طريقها إلى العرض.
 

العرض الذي لم يستطع أن يولد كان مسرحية الكبار.. لا الصغار. مسرحية كان عنوانها "أنـا... هـُم". مبنية على قصائد مجموعة من الشعراء، وأبطالها ابنة شهيد فلسطيني، ومجموعة من الشعراء هم: غسان كنفاني، أمل دنقل، جبران خليل جبران،......... أقصد.. جثث هؤلاء الشعراء الناطقة شعرا. حاولت من خلالها أن أحيي الجامعة، وكان أن وزعت الأدوار على طالبات من الجامعة، ممن "يمكن" أن يتجرأن على تمثيل المسرحية أمام الحضور. رغم أني حلفت لهن أيمانا غليظة، بأن أبطال المسرحية – عدا البطلة التي لم ترض أيهن بتمثيل دورها، سواي!! – سيرتدون أقنعة، أو قطعة قماش أشبه بعباءة تنسدل على الوجه تقريبا.. وتترك فقط مسافة للشفاه لتظهر مع الإضاءة الخافتة، والمشانق المتدلية من السقف.

ماتت المسرحية في مهدها.. لأن رئيس الجامعة رفض أن تمثل الطالبات مسرحية أمام حشد مختلط. ورفض المهرجان برمته فيما بعد.

 

أبي يتفرج على برنامج سياسي.. عباس زكي – ممثل المنظمة الفلسطينية في لبنان – يقول للمذيعة: "نحن الآن نقطِّع أمعاء الوحش"..

آه.. هذا يعني أننا (في) أمعاء الوحش.. هذا يعني أننا نسبح في الـ..............

متى سننظف أنفسنا إذن..؟

 

لا أستطيع الاتصال لأسأل عن موعد عرض المسرحية.. أفكر جديا بالحضور، لكني أكره استخدام الموبايل للاتصال.. ربما أجيب على الاتصالات.. لكني أكره أن أتصل حتى لقضاء غرض لي، ربما إن كان لسواي لغيرت رأيي! لم أتصل.. لن أتصل!

 
أبي يسأل: ليكون مش حيقولو إنك مؤلفة المسرحية؟
أضحك....... المسرحية لم تعد لي! إن لي مسرحية أخرى.. لا يمكن أن تكون لأحد سواي.

(0) تعليقات

:: وبَعـدَهـااالِك!*

"حد عايز قلب فاضي؟"

منير يقفز من الاستيريو بهذه الأغنية.. هل هناك قلب....... فااااااااااضي؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

هه؟؟

الغرفة المقلوبة تصلح تماما لاستقبال صديقتي اللدودة وعدوتي الودودة "آمال مفدي" التي قررت أخيرا أن تركب رأسها وتأتي إلى رأس الخيمة – التي باتت تعرفها أكثر مني – ويبدو أني سأقوم بعملية انتحارية وأخرج معها بعد دوام الجامعة لنتسكع في شوارع رأس الخيمة إلى ما شاء الله.

أفكر أيضا أني يجب ألا أطيل الكتابة لأن ورائي جيشا من صفحات الترجمة التي تنتظر أن أنتهي منها. وبهذه المناسبة أتذكر أن أدعو على محمد – أخي – الذي لبسني بهذا الكتيب: الللله يحدفك بطوبة مكتوب عليها اسمي يا محمد..

 

"مستعد يحب حتى.. قلب عايز ينسى ماضي".

منير، يبني.. محدش بينسى ماضي.. ماشي؟ سواء حب وحده وللا واحد وللا حتى برص. ارتحت؟

"حاضر يا زهر.. أمرك يا زهر".

آآ.. يبدو أنك اقتنعت! أحسن برضه.

 

كل هذا وانقلب جدولي اليومي، كان يمشي بانتظام، إلى أسبوع ما قبل السفر هذا.. كل شيء انقلب فجأة وفقدت السيطرة على كل شيء.. أوقاتي، منامي، قيامي، طعامي، كتابتي، قراءتي، حتى تعاملي اليومي مع أبسط الأشياء.......

الأرق الذي كنت "أتمنى" أن يمر ببابي وأن يتركني ساهرة دائما في الليل.. الآن فقط تذكر أن يمر علي ويحاصرني أسبوعا كاملا.. بلا مبرر. هكذا أبحلق في السماء السابعة التي تبادلني الدهشة باستنكار: يبنتي مش انتي اللي مطلوب منك تسهري.. حد ناداكي؟؟ هش امشي نامي!

ورغم ذلك لا أنااااااااام!

أفكر أن أسهر مع النجوم، لكني كلما خرجت على عتبة الباب ركضت قطتي "حسنا" بمياااااااوها المجنونة وذيلها المنتصب يتلو آيات الشكر والعرفان والامتنان.. ثم تتحول نظرتها الخضراء إلى تسلقات شاهقة فأجدها تظنني شجرة وتتسلقني إلى أن تصل إلى ما يقارب وسطي.. فأنزلها بهدوء، وأصيح بلهجة الحلبيين – الله يذكرك يا د. طاهر بالخير: وْلِي حسنااااا.. لَكْ شووووو هااااااد؟؟"

جائعة دائما، ولا أتعشى، وعند الفطور قبل الدوام "يحن" علي أبي بكباية شاي – غالبا أخضر – وأحيانا أخرى أشرب الشاي في الجامعة مع البسكويت. يا رب ليش البهدله!

الآن في البيت ولا أحد.. "في البيت أجلس لا سعيدا لا حزينا لا أنا أو لا أحد" – كما يقول درويش – أقنعتهم بأن يتركوني وحدي لأنتهي من الترجمة.. ويبدو أنها هي التي ستنتهي مني! أهي قسوة قلب أن رفضت الذهاب معهم لاجتماع عائلي ودي بأخي حسام في الشارقة، وفضلت الوحدة؟!

 

 

ضيعة شهادة الجامعة، لالا.. أنا لم أضيعها، وضعتها في ظرف كبير أبيض لأحفظها من الضياع، فضاعت! هكذا دائما.. المضحك في الأمر أنني دااااائما أرتكب نفس الأخطاء، كل مرة، كل مرة.. أضع شيئا ما لأحفظه، وأقول في نفسي كأني أستشرف المستقبل: سأضعه هنا، لكن المشكلة أنه سيضيع، بكره لما آجي أدور عليه مش حلاقيه. سبحان الله على الغباء المنغولي المستفحل!!

حد يرجع شريط الأحداث السماوية عشان ألاقي شهاداتي يا خلق.

 

استخرجت بدل فاقد لكشف العلامات الجامعية، لكن اصبع قدمي يؤلمني جدا بسبب المشي في عز الظهر. يبدو أن الجملة الماضية تفتقر إلى المنطقية. بالعكس، كلها منطقية! فمجرد أن دفعت 30 درهم رسوم استخراج كشف العلامات – أول مرة أذكر التسعيرة، لكن بما أني مفلسة فللنقود قيمة معدنية أخرى على اللوح المعدني الخاص بحضرتي – ذهبت إلى البريد لأرسلها للتصديق الرسمي. مشوار التاكسي من الجامعة للبريد يكلف درهمين ونص – لسه مخدتش الليسن.. والله لو كان ديناصور كان أخده، بس حكمة الله.. ياااا حكمة الله، لكن في الحالتين.. شكلي حآخد ليسن وأشتري بسكليت – وحنان وصتني على باربيكان. قلت أقطع الشارع وآخد تاكسي، بمجرد أن قطعت الشارع فجأة وكأن كل الملائكة صفقت لفكرة أن أمشي حتى البريد. الساعة 10 وثلث ظهرا. بدت المسافة لي من الجامعة للبريد قصيرة بقدرة قااااادر. وتآمرت السماء مع الشارع، فلم أجد أي تاكسي بسرعة البرق كالمعتاد. فمشيت.. "توووووووت" – بالفلسطيني بتطلع "طييييييط" – تاكسي.. لكنه جاء متأخرا، كنت قطعت مسافة "لا بأس بها" – الصراحة كان فيها بأس، لكن حضرتي كنت تنحت خلاص، وركبت راسي.. وبدي أمشي!

عندما كنت صغيرة توصلت لقناعة مهمة، تتعلق بلبس المرأة الخليجية عموما للعباءة السوداء، والرجل للدشداشة البيضاء.. وهي أن العباءة جزء لا يتجزأ من الحكم على المرأة بالحبس في البيت، فلبس الأسود يعني الحرارة وامتصاص أشعة الشمس والخنقه.. ولا يعرف هذا إلا من جرب شمس الإمارات وأيامها الصيفية السوووودااااااا.. ولكن الرجل يرتدي الأبيض ليعكس الحرارة، ويخفف عنه.

الآن وأنا أمشي في الحرارة.. والشمس، والبهدلة.. أدرك هذه فعالية هذه القناعة تطبيقيا.

محدش يسألني بلبس عباية سودا فضفاضة جدا زي عباية ستي الحجه ليش؟ - مع الأخذ بالاعتبار إن ستي الله يرحمها لم تكن ترتدي عباءة لا سودا ولا خضرا.

 

وصلت للبريد وأرسلت الظرف، كان ناقص على موظف البريد أن يهش ويبش ويقول لي بأريحية: وينج؟ أسبوعين يا الظالمه ما تمررييين!

هو لا يعرف أني أحسده – أحسده أحسده أحسده – على وظيفته في البريد.. كل مرة أذهب فيها للبريد أتخيل كل الرسائل التي تسبقني وهي تهطل عليه.. يختمها، يقرأ عناوينها.. يتلمس ما فيها من مشاعر تسافر عبر المسافات.. ياااااااااه.. وظيفة موظف البريد خياااااااااالية فعلا.

 

في طريق العودة.. ركبت رأسي مرة أخرى.. حنان عايزه باربيكان. هناك تسلسل منطقي مرة أخرى للجملتين السابقتين. فأقرب سوبرماركت يبعد عن البريد نصف كيلو، ويجب أن أمشيه قبل أن آخذ تاكسي، وإن وصلت للسوبرماركت فلن يبقى إلا نصف كيلو آخر للوصول مرة أخرى للجامعة. بالتالي.. لا حاجة للتاكسي إذن!

مشيت ومشيت ومشيت.. الجو حر، وكنت أدندن بأغنية سيد درويش.. الحقيقة لم أكن أدندن بها، منذ أن سمعتها وهي تحتل "الخلفية الموسيقية" الخاصة بأحداثي اليومية بشكل دراماتيكي عجيب. وأتخيل معها أني أركب على حصان دوار في الملاهي، أو أحرك مقبض صندوق الدنيا... يااااااه!

أي.. آآ.. أوووووووووو..

"بننجرح، كل يوم لكن.. بيفرحنااااااااا....."

بالضبط يبني يا منير.. بالضبط... وأنا أمشي اكتشفت أن "الشبشب" الذي أرتديه متنيل على عين أبو اللي خلفوه. كان شبشب باصبع، جلدي وأسود.. ويفترض أنه مريح. أذكر أني اشتريته من محل في سوق الكويتي، ويومها كنت أرتدي شبشبا آخر وكان الشبشب الآخر أيضا تسبب بكشط جلد إبهام رجلي من المشي في الحر. اشتريت الشبشب – الحالي – وشلحت الشبشب القديم في وسط الشارع ورميته بكل أريحيه، ولبست الجديد بانتصااااااار وراحة.

يبدو أن الانتصار كان وقتيا لا أكثر. فها هي نفس المشكلة تتكرر.. خففت من المشي. وتذكرت قصيدة "خفف الوطأ.." وبينما أنا كذلك، رن هاتفي، ويبدو أن فضيحتي صارت بجلاجل.
 

"كيفك أمل.. شو وييييينك؟".. زميلي الصحفي "مخلص سعيد" على التليفون.

 
"ويني.. ويني بتمشي في الشمس لأنها ركبت راسها".
 
"معقول حد يمشي في هالحر؟ آجي أوصلك؟"
 
"لا يا شيخ؟ والله يا ريت.. بس اعتبر حالك وصلتني لأني وصلت خلاص" – طبعا وصلت خلاص يعني إن باقي لي نص كيلو وأوصل الجامعة.
 
"انتي قريبه من مطعم الفنار، مو هيك؟"
 
"هااااااا؟ تقريبا.."
 
"وراك سيارة بيضا، وقدامك سيارة بيضا.. صحيح؟"
 
"نععععم؟" – طبعا احتجت للاستدارة للخلف للتأكد من السيارة البيضاء خلفي.
 
"مخلص.. انتا وينك يعني؟ بلاش الحركات هادي؟"
 
"عشان تعرفي إني بقدر شوفك وين ما كنتي!"
- أول مره أعرف أن من الممكن التعرف على "وطاويط" الشوارع هكذا، رغم السواد، والنظارات السوداء، وكل شيء أسود، ومن على مسافة شارع ورصيف عريض! -
 
"لا يا شيخ؟ والله.. مركب مناظير في الشوارع؟"
 
"شو أمل.. معاكي كيس دوا؟ خير مريضه؟ بعدين شو بشوف لابسه شحاااااطه؟"

- نسيت أقول بأني مررت على صيدلية واشتريت قطرات دموع طبيعية أوصاني طبيب العيون باستخدامها لإدمان "البحلقة" على شاشة الكمبيوتر.

 
"مخلص يعني بلاش حركات.. يا تقول انتا وين يا تمشي قبل ما أحدفك بمزهرية، أنا مش ناقصاك!"

........

 
بطبيعة الحال، لم يكن ممكنا ههنا أن يوصلني شخص - عجوزا كان أم شابا ولو كنت سأنتحر، في سيارته الخاصة، ولكن لا مشكلة أن أركب أي سيارة خاصة أو عامة أو بطيخية أو تاكسي.. ما دام السائق هنديا، لأن أحدا لن يتكلم.. فالهندي "محرم" لمن لا محرم لهااااااا.

انتهت مكالمة مخلص، اشتريت الباربيكان لحنان من السوبرماركت، وعدت للجامعة.. وأوووول ما دخلت من الباب على طووووول.. خلعت الشبشب، ومشيت حافية لمكتبي. يااااااااه، ما نرجع نمشي حافيين يا ناااااس.. تمر ببالي أغنية "حافية القدمين" عن قصيدة نزار قباني التي غناها كاظم الساهر.

 
يا رب.. بـدِّي أحب واحد "حافي"...!!

 

 

 

 
 
 

* ملاحظة على العنوان:

(بَعـْدَهـَالِكْ): باللهجة المصرية.. كلمة بتجيبلي المغص والقرف وكل حالات الجنون الرسمي وغير الرسمي.. تستعملها معي أمي أحيانا – لأنها تعرف وقعها السحري عليّ – عندما تفقد الأمل في أن أجيبها وأطفئ الكمبيوتر.. أو أن أنام بسلام كبقية البنات المرضيات!

(0) تعليقات

:: رأس.. الخيبة!

اسمها العلمي المتعارف عليه "سيارة"، لكن تجاوزا سأسميها "مزبلة بعجلات". هذا هو التوصيف الدقيق لسيارة محمد - أخي - وهو يصحبني إلى الشارقة في مشوار تدخلت من أجله الأمم المتحدة وبقرارات واجتماعات دامت شهرا إن لم يكن أكثر.

هل هو الشعور بالفضاء الرحب أم الاختناق؟ لا أدري.. الانتقال من رأس الخيمة إلى الشارقة أو دبي صار يشكل لدى "الخيماويين" شعورا بالضيق والرغبة في العودة إلى قوقعة الهدوء من جديد بأقصى سرعة.

ورغم أننا نتندر على أهل رأس الخيمة بأنهم مختومون في جباههم بدمغة "خيماوي" - نسبة لرأس الخيمة - إلا أن الحقيقة تدل على صحة الدمغ حتى لو كان معنويا.

لم نقض مشوارنا في الشارقة كما نريد، أساسا لم نستطع الوصول لوجهتنا بسبب الازدحام، أضف إلى ذلك أن محمد يكره أن يزج بنفسه في ازدحامات كهذه - فكيف إن لم يكن المشوار له أساسا! عوضا عن ذلك تقمصني دور "الظالمة" الشريرة التي زجت بأخيها وسيارته في هذه المجزرة العجلاتية.. وصار لزاما عليّ أن أخفف حدة غضبه وقرفه وأتنازل عن كل متطلباتي للخروج من أزمة الزحام بسلام.

عدنا للبيت في النهاية.. طوال الطريق تساءلت عن جدوى المشوار، وعن رأس الخيمة، وعن السنوات التي نهشتها مني بهدوئها البارد وموتها السريري.
رأس الخيمة التي تزرع فيك الأفق البعيد، تزرع معك أيضا قلة الصبر أحيانا والتخاذل. إنها ترفع لك شعار "
الهدوء لأجل الهدوء". أناسها الطيبون الوادعون يتحولون إلى كل ما تتخيله حالما يغادرونها. تكتشف وجها آخر لرأس الخيمة بعيدا عنها. وجه رأس الخيمة المضيافة الهادئة "العاااائلية" يصبح وجها غادرا خائنا.. وطعنات الظهر لا تفارقك وأنت تحس بأن رأس الخيمة امتصت رحيق الحياة من دمك، بأن قبرتك فيها كل تلك الفترة وأنت لا تشعر بكفنك ولا بأنفاسك.

قضيت شهرين أتدرب على الترجمة في معهد الدراسات المصرفية في الشارقة، وفي تلك الفترة سكنت عند أخي في عمارة على الطابق 22، ولم أكن أرجع إلى رأس الخيمة إلا أيام الخميس والجمعة من كل أسبوع. أحيانا أذهب برفقة أخي، وأحيانا بالتاكسي - كانت تلك مغامرة في حد ذاتها بالنسبة لي - وأحيانا أستطيب المشي مسافة طويلة بين العمارات في قلب الظهيرة، ولكن بفرحة غامرة. إلى أن تجرأت ذات مرة، وخرجت إلى بحيرة خالد وحدي.. لأتمشى حولها، وأتنشق حرية لم أطعمها من قبل على صفحة التموجات الفضية المجنونة.

عند عودتي بعد أول أسبوع أقضيه بعيدا عن رأس الخيمة.. كنت أتصفح وجوه الشوارع وأحس باختلاف جوهري في المنظر. كنت أنكر شيئا ما أجهله، أو أختبر حاسة سابعة جديدة مرتبطة بالبصر. لا أدري تحديدا لكنني أحسست أن هناك "شيئا" ما.. تغير.
رافقني إحساسي هذا حتى آخر أسبوع في التدريب، عندما عدت لرأس الخيمة أخيرا، اكتشفت أن التغير هو اكتشافي
لـ"رحابة السماء، والأفق" في رأس الخيمة.. كأن هناك امتدادا إضافيا للسماء، أو كأن سماء رأس الخيمة شارع بأربع حارات، وكل سماوات المدن الأخرى بحارة واحدة!
كل هذا يعود إلى أن رأس الخيمة لا "تناطح" السحاب ولا الأمنيات. وتنام بيوتها على الرصيف مثلها مثل
أي مدينة طفلة. الآن فقط بدأت رأس الخيمة تتحول إلى طور المراهقة، لكن عماراتها صارت تصطف عشوائيا أحيانا.. وأحيانا بروح تحد عالية لكل ما هو عصري وجذاب.

بمجرد خروجك من رأس الخيمة تتحول من هادئ بارد إلى مشتعل متمرد جبار. كأن جنيا يركبك، وكأنك تريد أن تنتقم من العالم الهادئ الذي وراءك. ستزرع الأرض همة ونشاطا وجبروتا. ولكن...... المواجهة تحسم، وكل الأقنعة تذوب أمام الفوضى والزحام والضوضاء. تبحث عن قوقعتك التي ألقيتها في الطريق فلا تجدها.. تفاجئك الأضواء والناس النابتون من الرصيف والإسمنت كالشياطين. تخاف، ترعبك المواجهة... تهرول عائدا إلى .. الخيمة.
 
وبمجرد أن تعود، يتخفي إحساسك بالقوقعة التي صرت محشورا داخلها، تحس بأمان مزيف، وصراع مرير مع نفسك، تتركك مهزوز الشخصية، مهزوما نفسيا، محدقا في فراغ.. غير قادر على اتخاذ ردة فعل مناسبة. هكذا.. تصب عليك البلاهة دفعة واحدة.
يتسرب كل شيء من بين يديك، وتتجلى حقيقة عجزك. الفرصة تناديك من بعيد: هيت لك! وأنت تركض لاهثا خائفا من مقاربة خطيئة الحياة!
 
حتى رأس الخيمة.. تسخر مني، إنها مجرد "خيمة" أخرى، تحتفي بلجوئي. أستطيع أن أكنّ لمسقط رأسي - فلنعتبرها مجازا مسقط رأسي رغم أن مسقط رأسي سيارة يابانية!! - بعض الوفاء، ذلك الوفاء المر الذي يتلاشى كلما تذكرت طفولة قضيت شطرا منها وحدي. في بيتنا القديم - كان بيتا مكونا من طابقين وسطوح، لنا فيه الطابق الثاني والسطوح - كان يسمح لي أن أركض وألعب في الشارع المرصوف لقلة السيارات العابرة، وانكشافه على البراح والناس والمحلات المقابلة. صديقتي السودانية - مي - يقع بيتها مقابل بيتنا، وتفصل بيننا ساحة رملية شاسعة - غمرتها المباني الآن - وكان يمكن لي أن أناديها من (البلكونة) بصوت عال، أو ألوح لها في البعيد فتأتي أو أذهب فنلعب في الساحة معا.

في الصف الثاني الابتدائي انتقلنا لبيت آخر - وما زلنا - يقع في منطقة سكنية بحتة، لا محال، لا حياة حقيقية
في الجوار.. مجرد بيوت يستلقي بعضها على الآخر. ومساحة شااااااسعة من الرمال تمتد أمامنا تلتهم أي أمل في اللعب مع الآخر، وشارع رئيسي سريع يصل المنطقة بأطراف الإمارة الأخرى.
هناك، لم تكن مي.. لم يكن أحد على الإطلاق من صديقات بالجوار. بيتنا الذي يقع على تلة تطل على
الشارع بعيد بحوالي 600 متر على الأقل عن الحي الذي تتراص فيه البيوت بحميمية بتشابك يطوق المسجد.
 
تعرف محمد - أخي - على صديق يدرس معه، وبالصدفة كانت أخته تدرس معي.. لكن، لم يسمح لي
باللعب معها في الحارة، ولا بالخروج من البيت للركض على الرمل أو بناء البيوت الرملية أو الركض بطائرة ورقية. مرة واحدة ربما.. مرتان.. ليس أكثر.
يخرج محمد برفقة صديقه، بينما أقضي وقتي في اللعب بالشطرنج. كان الملك ملكا، والوزير وزيرا، والطابية
والحصان والجنود والفيل....... كلهم ممثلون مسرحيون، يلعبون على رقعة الشطرنج التي قد تتحول قصرا، أو غابة، أو خيمة..

في أحيان أخرى ألعب بدراجتي في المساحة المبلطة من البيت، مساحة صغيرة لكنها كانت تستوعب - بقلق -
سرعتي الجنونية التي تنتهي بسقوطي عنها أثناء الدوران قبالة الحائط.
المدرسة، ومشاوير السيارة كانت وسيلتي الوحيدة للوصول إلى أطراف العالم الآخر، في زيارات قصيرة إلى
صديقة هنا أو هناك. لكن عقارب الوقت لادغة مرة.. ترقص على حواف النهايات.
 
أكتشف حيرة، وخجلا، وهروبا من المواجهات.. أكتشف أن رأس "الخيمة" يعشش في رأس كل واحد ممن سكنها.. تغطيه، تدثره من هجمة المدينة اللا مدينة. المدينة التي تريد أن تكونها، وتنفي نفسها منها في الوقت نفسه.
 
أجل، ربما هي حقيقة أن يكون معظم لاعبي كرة القدم، ومعظم المذيعين ومعدي البرامج، ومعظم الشعراء والكتاب، ومعظم أولئك الذين شقوا طريقهم إلى مناصب رفيعة ونجاحات جديرة بالاهتمام هم من أهل "الخيمة". لكن المضحك أن أحدا ممن فتحت له طاقة "الثقة بالنفس" لم يعد إلى رأس الخيمة بعدها.. واحتفظ بـ"ذكريات" رأس الخيمة الهادئة فقط في آخر القائمة باعتبارها محفزه الحقيقي للانطلاق. وربما أفسرها بأن النوم المتواصل لقرون جعل المرء يصل إلى مرحلة يكره فيها النوم.. ويندفع إلى العمل بجنون وشراسة إلى أن يخمد فجأة.. كما اشتعل فجأة!
هكذا.. تموت.. تموت الحياة منسحبة ببطء، بعد أن دبت فيه دفعة واحدة.
 

ماذا تكون رأس الخيمة؟

لا أستطيع أن أحمل لها.. لهذه المدينة- التي تنقلب رأس "خيبة" أحيانا - إلا مزيجا من الوفاء
والحزن. وكلما أحببت أن أحلم بها، حلمت بأني أقفز متسلقة سور بيتنا، ثم محلقة بأجنحة خفية إلى بيتنا القديم، ثم إلى الشارع الرملي المؤدي إلى البحر.. البحر الذي كان يقع فيه البيت الذي كان أهلي يسكنونه عندما ولدت، ولشهر ليس أكثر..

أتراه بحرها هو الآخر.. كاذب مثلها. أم أنه عامر بالخيبة!

(0) تعليقات

:: ع بالي...

وحدي بلا رفيق

 في الرابط أعلاه.. ذلك الصوت الممزوج بالحزن والأمل، صوت ميادة بسيليس. أول مرة استمعت إليها كانت انتفاضة "أغاني الانتفاضة" في أوجها، عندما غنت لها في أغنية لم تجد سوقها كالأغاني الأخرى لأن مخرجها اعتمد على مشاهد طبيعية موحية لبيت حجري مهدم يقع على رابية تطل على المدينة، وعلى ميادة بلباسها الأسود وأدائها العالي، وهذه المقومات لا تكفي.
حقيقة.. أكبرت للمخرج أن لم يتاجر بصور المجاز ودموع الجرحى والثكلى والأطفال - وكذا دموع الفنانين "الغالية" على قلوبنا - وأكبرت لميادة شموخ وقفتها وتحديها للقهر والمرارة.
 
لم أسمع لميادة منذ تلك الأغنية، أذكر أني فقط أعجبت بصوتها إعجابا شديدا، وحملت ذكرى صوتها معي، ولم أبحث عن أعمال أخرى لها منذ ذلك اليوم. لا أدري، أهو الاحتفاظ بباكرة الدهشة الأولى، أم ماذا؟
 
البارحة، تذكرتها وأنا أسمع فيروز.. هطل اسمها ووجدت يدي تبحث عنها مرة أخرى. كنت مثل (وحدي بلا رفيق) وحدي أقلب أعمالها القليلة المنشورة في الموقع الغنائي الذي صادفته.. وأتفاجأ بصوتها مرة أخرى، وبأن أعمالها ليست بجديدة.. فقط أنا التي تأخرت كثيرا في المرور بطريقها!
 
لا أريد أن أكتب اليوم كثيرا، لكني أختنق بالكلمات التي تسكنني وتأبى الخروج، ولا أريد أن أكتب على الورق، فحتى الورق الذي كتبت عليه ومزقته بعد أن نشرته لم تلتهمه مزبلة الأسرار كما يجب.
 
 
أتمنى أن يمن الله عليّ بالقدرة على الصراخ أمام هذا البحر مرة أخرى.. دون أن يمنعني أحد.
أتمنى أن يبعثني الله عصفورة.. بأجنحـة محلقة، لا مكسـرة.
............ ما شكل الأمنيات يا ترى!

(2) تعليقات

:: احتضار شيء ما..

صورة الرضيعة ذات الأربعة أشهر بلباسها الأحمر والأبيض – نسميه "دبدوب" – وهي مستلقية على الأرض، وبجانبها قطة كبيرة لونها أبيض وأسود، هي أنسب صورة لتشرح كل ما أريد قوله باختصار. لكن بي من الكسل والألم ما يكسر عزيمتي للبحث عنها في الألبوم، وتحميلها على الجهاز ثم الموقع.

 

الغريب أنني كنت أهم بنشر مقال عن طيور الحَمَام.. وبالفعل، أحتفظ بالمسودة – هذه المرة إلكترونية – وأضيف عليها من حين لآخر، لكني لم أتمها بعد. وفجأة.. أراني أعود إلى القلم والورق لأكتب اليوميات من جديد – تتدفق رغما عني الأفكار بلا ترتيب – هذه هي اليوميات.. يوميات ننتظرها ولا نرتبها!

 

في رواية "الخيميائي" يراهن بطل باولو كويلهو على "الإشارات".. أما تلك الرضيعة التي لم تتجاوز أشهرها الأربعة فتراهن على القطط.. والأشجار.

منذ البدء، كانت القطط تحمل "شيئا" مني، حتى عندما بدا ولعي المبكر بها طفوليا وساذجا – لا أدري لم نربط الطفولة بالسذاجة! – وفي تلخيص بريء.. كانت القطط تعيش مجزرة يومية من الاكتشافات تتمثل بإغلاق الباب على ذيلها وهي سائرة، أو بسحبها منه، إلى أن يصل الأمر إلى إلقائها من شرفة البيت – الذي كان يقع في الطابق الأول – لاختبار قدرتها على الطيران!

 

محمود – أخي الأكبر – وحده الذي حاول الثأر للقطط – أسرّ لي فيما بعد عندما تأقلم مع دهشة عودته إلينا – بأنه كان يرفعني من قدميّ رأسا على عقب، ويتركني أصرخ وأبكي معلقة في الهواء لدقيقة أو أكثر، لـ"أشعر" بفداحة جرمي، وبمعاناة قططه التي كنت "أعذبها" بتجاربي واكتشافاتي الطفولية!

 

دائما هناك قط أو قطة في الجوار.. الغريب أن أي قط منها لم يعش معنا أكثر من سنة واحدة – رغم أني أعرف قططا عمرت أكثر من 15 سنة عند آخرين – ودائما هناك فاجعة من نوع ما.. في النهاية!

 

أول قطة عرفتها في بيتنا الجديد – كان جديدا حينها – قطة عادية اعتادت أن تلقي لها أمي بعض الطعام من نافذة المطبخ، وكان أن جازت هذا الكرم بأن ولدت في مخزن البيت عدة مرات. آخر مرة كانت في دولاب خشبي عتيق، وحدث أن جاء قط شرس – وليفها – وقتل ثلاثة من صغارها دفعة واحدة، وأصابها بجروح متفرقة أثناء دفاعها المستميت عنهم.

صبيحة عيد الأضحى – كنت افتقدتها منذ تلك الحادثة – شممت رائحة غريبة تتسرب من نافذة حمّام البيت، وعندما بحثت عن مصدر الرائحة خلف البيت.. اكتشفت جثتها المنتفخة التي كساها الذباب برائحة الموت.

في الثامنة كنت، وانبعث الحرف من شفتيّ نشيدا محزونا.. موزونا لأورة مرة – ولم يتوقف إلى الآن – فقلت لها: كنت ألقى قطتي                        على رحاب بسمتي.....إلخ...

لا أظن أن أحدا علم بأمر النشيد الشعري الذي كتبته حينها – تسرب حزن شفاف، وانسل خيط الإشارات.. والقطط.

 

بحضور أي قطة، يحضر حَدَث مصيري، أو ينقلب مسار حكاية ما – في فترات كثيرة أجد القطط مستودعا للأسرار والألعاب والاكتشافات. علمتها كل ما أريد، وتعلمت منها عاداتها وطقوسها، فهمتها من نظرة عينيها.. "مياو" واحدة أسهل عندي من حروف الهجاء مجتمعة! وهي بالمقابل كانت تعرف نبرتي، وسكنتي، ودقائق روحي.. تشاطرني حزني إن حزنت، فأجدها تأتيني – كل القطط تعرف طريقها إلى غرفتي وسريري ومكتبي، وأحيانا عندما أكون في الحمّام فإنها تعرف أني فيه وتنتظرني على بابه!

 

في إحدى المرات كنت من الألم بأن منعت أحدا من دخول غرفتي، فما كان من القطة إلا أن اهتدت إلى شباك الغرفة، وقفزت منتظرة أن أسمح لها بالدخول. تعجبت لأني لم أعلمها من قبل الدخول من النافذة – تعلمت تلك الحيلة فيما بعد وداومت عليها – وكانت القاضية: إذ إن أبي نفاها إلى "سوق السمك" لأنها "خَـرَمَت" كل الشبابيك بأظافرها – كانت طريقتها في فتح الشباك بأن تغرز أظافرها في شَبَك النافذة ثم تفتحها كما نفتحها نحن! – ورغم أن أبي لم ينفِ من قبل قطا إلى سوق السمك لفتحه باب البيت مثلا – جميع القطط تقريبا تعلمت كيف تفتح باب البيت الخشبي والدخول منه لصالة البيت – إلا أن فتح الشباك كان "خطيرا" بالنسبة له.

 

تمر القطط وتأخذ معها الأزمات أو تداويها، ربما لم أشعر بذلك في طفولتي – وإن كنت أقدر للقطط إيناسها لوحدتي يوم تسرب إخوتي الواحد تلو الآخر لتبتلعهم صحراء غربة لا ترتوي – إلا أني أتعجب فعلا من "سيناريو" القطط الذي لم أجد له مثيلا عند أحد:

فيما حول بيتنا كان هناك قط شرس أطلقت عليه "أبو عين عـُورا". ولهذا القط مساعدان: قط أبيض ناصع البياض، وقط أسود فاحم السواد. كان من عادة هذا القط الشرس أن يزور بيتنا كل شهر أو أسبوع مرة، فلقي نظرة ليطمئن إلى أن لا قط جديد في بيتنا. فإذا ما حل ببيتنا قط، تركه أسبوعا يلهو ويرتع، ثم أتى لينذر بمعركة البقاء – غالبا يأتي حوالي منتصف الليل، فيموء مواء أميزة جيدا أشبه بأبواق الإنذار – فإذا كان الصباح وجدنا قطنا مقتولا أو مصابا إصابة بليغة تودي به سريعا إلى حتفه!

 

تكررت هذه الحوادث عدة مرات، إلى أن وجدنا "أبو عين عورا" مدهوسا على طريق فرعي بين البيوت، وكانت سعادتنا غامرة!

رغم كل هذا لم يقف سيل الموت عن جرف جثث قططنا، أتذكر أني أقمت مقبرة أسفل التل الذي يقع عليه بيتنا، وحددت فيه أماكن القطط وعائلاتها بأحجار معينة، بل وكنت أزور قبورها أحيانا، وأدعو لها! إلى أن جرفت رمال "المقبرة" بسبب بعض أعمال الإنشاء، فبرزت جماجم القطط للعيان!

 

صارت القطط تموت بأدواء مختلفة – هكذا.. عندما يستبد بها المرض تعتزلنا وتموت وحيدة. في أول مرة لم أفهم سبب عزلتها، فيما بعد – بتكرار الأمر – فهمت أن القطط تكره أن يراها أحباؤها لحظة موت أو ضعف، بالإضافة إلى أنها تخشى نقل العدوى لمن تحب.

لا مثيل لنظرة قطة تحتضر.. لا مثيل إطلاقا. في عينيها ترتسم عبارات الأسى والحب: أحبكم.. لكن يجب أن أموت!

 

مرة واحدة فقط، استطعت أن أنقذ قطة من "عزلة الموت" هذه. كان أن أُهديَ إلى إسماعيل – ابن أخي – بندقية صيد، ويبدو أنه جربها – صدفة أو عن عمد – على القطة. جاءت الإصابة في يدها ولم نكتشف الأمر إلا عندما اتسع الجرح والتهب. ظننا أنه طارئ عرضي، لكن التهابه وتقيحه حدا أمي إلى منعي من الاقتراب منها. كنت أنا الأخرى أمر بظرف عصيب.. كنت أختنق لأمر ما.. بحثت عنها، اعتزلتنا، ولم أجدها. بتكرار البحث أحسست أنها تختفي حيث لا تريد لأحد أن يصل إليها. لا تريد لأحد ممن تحبه أن يحزن لمرآها. وجدتها كومت نفسها تحت صناديق خشبية ثقيلة بعد أن أزحتها بقدرة قادر. كانت في حال مزرية: الجرح التهب وانتفخت يدها، والنمل والأتربة تلتهمه بوحشية.

قلت لها – أو قلت لي - : لن تموتي.. تسمعين؟ لن أسمح لك بأن تموتي!

مستسلمة لقدرها، حملتها وأخذتها إلى البيطري – كانت تلك أول مرة وسط دهشة الجميع، فهي قطة "شارع" ولم يكن من العادة تطبيب قطط الشوارع عند البيطري!

لم تمت.. أجل، شفيت، وتجاوزت أنا أزمتي بشفائها أيضا، لكنها اختفت فجأة، كأن دورها الذي نذرت من أجله انتهى!

 

لماذا أستعيد كل هذا الآن؟

لأن حَـسْنا – القطة السوداء ذات العيون الخضراء - ................... قرأت مقالا في صحيفة روسية عن المجال الكهرومغناطيسي القوي للقطط السوداء – خاصة – وكيف أن حضور القطة السوداء إلى البيت يشحن طاقته ويسحب طاقة سلبية فيه، يجلب خيرا، أو يمنع كارثة – والحامي هو الله.

حسنا.. تحتضر الآن.

القطة التي جاءتنا قبل ثلاثة أو أربعة أسابيع فقط.. تحتضر الآن! لأن.. قطا شرسا جديدا لم يرق له أن تتربع في بيتنا، فعالجها بجرح في بطنها، لم يظهر إلا اليوم!

اليوم فقط.. نحل شعرها مكان الجرح – الذي حاولت هي أن تتظاهر بأنه غير موجود، رغم موائها المتألم الذي شعرت به – كنت مشغولة ولم أهتم بتفاصيل ألمها.. ظننت أن أحدا داس على جانبها الأيسر ليس إلا.. ولأنها سوداء فاحمة، صعب عليّ ملاحظة الجرح – الالتهاب الآن!

منذ أن دخلت هذه القطة إلينا أدركت أن هناك إشارة لا حد لها يجب أن توصلني إليها.. لكني لم أظن أنها بهذه القسوة.. تلك الإشارات التي ليتها لا تزورني وتتركني على عماي!
 
هل ستموت؟ تلك القطة السوداء التي ما كان أبي ليسمح بدخول أمثالها في السواد إلى بيتنا من قبل؟! بقدر ما أحبها صار يرغب الآن في التخلص منها.. أبي لم يعد مهتما بل "قلقا" من تسرب مرض معد إليّ أو إلى أحد ما.. يفكر بأن يحملها إلى سوق السمك لـ"تجد رزقها".. ويبدو أن علي أنا الأخرى.. أن أبحث عن "رزقي"..!!!
 

هل قلت لكم إن للقطط كبرياء..

ربما.. سأحرص على أن تموت – أو يموت ما أنا فيه الآن من ذروة الألم – بكبرياء!

(3) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية