رحيق
.

:: آخر من يعلم.. يا ليته لم يعلم!

 

مستغرقة في نوم جميل لم أهنأ به منذ بداية الأسبوع.. لو كنت أدري أن زيارة صديقتي اللدودة وعدوتي الودودة "آمال مفدي" سوف يحل لغز الأرق، لكنت أتيت بها بنفسي من الشارقة ولو حبوا!!

يطل الموبايل برأسه على رنة لم تستغرق ثوانٍ معدودة. أكره الإجابة على الهواتف بين النوم واليقظة. ويعرف الجميع كم أكره أن يوقظوني لأجيب أي اتصال. لم أجب. ما هي إلا لحظات حتى رن الموبايل مرة أخرى.. ولكن عن رسالة نصية وصلت. فتحتها ببطئ: "اليوم عرض المسرحية في المركز الثقافي.. شرفينا بحضورك/ أم أحمد".
 

من هي أم أحمد.. وأي مسرحية؟

قفز إلى ذهني على الفور اسم مديرة مدرستي الثانوية "أبله شيخه". و............

المسرحية.. مسرحية الأطفال التي طلبت مني في اتصال قبل ثلاثة أشهر – على ما أذكر - أن أكتبها لهم ليقوم الأطفال بتمثيلها. كان أصل المسرحية عن موضوع "بر الوالدين".. لكنني جعلتها مسرحية "مودرن" بأن جعلتها عن الكمبيوتر وآثاره على بر الوالدين. ربما تكون المسرحية رسالة اعتذار إلى أمي التي تنعت الكمبيوتر بـ"هـُبـَل".. ويرتفع ضغطها كلما رأتني جالسة على الكرسي الدوار في حوار جدّي جدا – وتيس أحيانا – مع الجهاز!
 

لا أنكر أن نكهة المسرحية كانت عصرية، لكنها أيضا كانت مسرحية أطفال في النهاية.. ملونة ومزركشة وتناسب ما يبحث عنه أطفال اليوم.. فلم يكن من المتوقع أن أؤلف مسرحية فيها الكهف العجيب، أو الفانوس السحري، أو عروس البحر.. فأطفال اليوم لم يروا كهفا قط.. ولا علاقة لهم بالجبال والمغامرات الجبلية، وإضاءات منازلهم تعتمد على النيون، والمصابيح التي لم يتساءلوا أصلا كيف تعمل، وليس لهم صلة بالبحر إلا بالشاطئ النظيف الملمع حتى آخر ذرة رمل فيه، والمسابح التي يفوح منها رائحة الكلور الحزين الذي فقد قدرته على تبييض جلود مرتاديه ونفوسهم.

 

إلى يومنا هذا، لم أؤلف إلا ثلاث مسرحيات فقط.. اثنان منهما للأطفال، والثالثة مسرحية أدبية بحتة. وفي الحالتين الأوليين كانت "أبله شيخه" هي التي تتصل بي وتسألني أن أؤلف مسرحية لتمثيلها في عرض مدرسي، أو الاشتراك بها في مسابقة مدرسية أو مهرجان أطفال.

"أبله شيخه".. هي لوحدها مسرحية..

كانت مديرة مدرستي الثانوية، وكم كانت متشددة ومنضبطة في أبسط الأمور. المدرسة تسير كالساعة في حضورها، وكل الطالبات يحترمن أنفسهن.. حتى "المعمرات" منهن بمجرد أن تسير في ممر المدرسة في "كبساتها" على الصفوف.
 

أذكر أن إحدى الطالبات ارتدت "جوارب" حمراء يوم الفالنتاين.. ورغم أن مريول المدرسة طويل إلا أنها لاحظت الجوارب، وأوقفت طابور المدرسة لتستجوب الطالبة وتعيدها إلى بيت أهلها لتغيير "الجوارب".

وأذكر أني في إحدى المرات المجنونة قررت أن أسرح شعري الطويل على نمط الأفارقة.. فقمت بتجديله إلى جدائل صغيرة جدا جدا، حوالي 30 جديلة صغيرة.. كنت في حاجة للبعكشة في شعري بأي طريقة للخروج من أزمة ما.. وكانت هذه الطريقة هي الحل! ربما لأن صديقتي "ولاء" سودانية – وهي من أعز صديقاتي إلى الآن – وكانت أمها دائما ما تقوم بتسريح شعرها بهذه الطريقة، ولكن ليس بجدائل من منبت الشعر مثلما جننت وفعلت!
 

يومها.. كنت أسير في الساحة، وجدائلي تتهادى من تحت المنديل شبه المفتوح، وألوان ربطات الجدائل الملونة بين الأحمر والأخضر والأصفر ظاهرة للعيان. سمعت من ينادي: انتي يا بنت!! عندما التفتت كانت "أبله شيخه" محمره ومخضرة.. "شو مسوية بروحج؟".. "إيش فيه؟ مالي؟؟". "شعرج؟؟". "ماله؟ عندي مناااااااسبة.. وعامله هيك". "زين انتي بمدرسة.. دخليه في المريول وعدلي شعرج باجر؟ زين؟".. "طيب!!".

لم أعدل شيئا.. تركته ليوم آخر كما هو.
 

في نهاية الفصل الأول.. حدث أن وعدتنا معلمة الفيزياء برحلة إلى حديقة. كنا في أمس الحاجة لها بسبب الضغط الهائل علينا في الثانوية العامة. لكن لم تف المدرسة بوعدها لنا. في ذلك اليوم، كتبت قصيدة هجاء في إدارة المدرسة، وأعطيتها لمدرسة الفيزياء راجية أن توصلها إلى المديرة شخصيا.

لم تكذب مدرستي الخبر، وأوصلتها.. وطلبت مني تحمل العواقب.
 

كنا في حصة الفيزياء عندما جاءت الفرّاشة – منظفة – تطلب إحدى الطالبات للمديرة. كانت زميلتي "ريما"، ولم يكن لها أي علاقة بالموضوع.. والمسكينة نفسها لم تكن تدري بشيء!

عرفت.. وصمتّ. عندما عادت ريما، أشارت إليّ: عايزينك!

جرس الحصة يقرع.. مسكتها: إيش قالت لك؟

أول ما شافتني.. قالت: ليش تهجيينا بقصيدة؟ مفتاح "مود".. ها؟؟ شو سوينا لكم؟!... أنا ما فهمت شي.. بس بعدين فرجتني ورقة مكتوب عليها قصيدة، قلت لها مو أنا.. سألتني: عيل انتي مب البنت الشاعرة اللي بالصف؟؟ فإلتلها إنها أمل إسماعيل، مو أنا!!
 
وكان أن ذهبت للمديرة.. ولكنها هشت وبشت ولم توبخني على القصيدة – كما توقع الجميع – بل وشكرتني على "هجائي" لهم، ما عدا السطر الأخير الذي ختمت به القصيدة.. والذي طالبت فيه بتحقيق الرحلة على الرغم من بساطة الوعد، وإلا تغيير الإدارة برمتها لنكثها الوعد عن طريق الضغط على "مفتاح مود"، وهو المفتاح الموجود في الآلات الحاسبة لـ"تغيير النظام" – كنا نستعمله دائما في حساب مسائل رياضيات الثانوية العامة!
 

منذ ذلك الحين توطدت علاقتي بالمديرة، وصارت تستدعيني كثيرا للمشاركة في أنشطة مختلفة، وكان أن عرفتني بالأستاذ هيثم خواجه، وساعدت في ترتيب ورشة ثقافية معه لتدريبنا وتحسين مستوانا الأدبي – لكن هذه الورشة لم تدم أكثر من لقائين فقط، لأسباب عديدة!

 

الآن.. تذكرني بيوم عرض المسرحية.. مع أنها لم تذكر أي ساعة.. إنها يمكن أن تعرض الآن.. وأنا مستلقية على السرير، وربما هي في المسرح مع الأطفال تصفق لهم.. وربما ستعرض المسرحية في العصر، أو في المساء........ لا أدري!

أتخيل الأطفال، وأتخيل كم هي رائعة المسرحية!
 

فازت المسرحية السابقة التي ألفتها لهم في مسابقة على مستوى مدارس الدولة.. لم أعلم بذلك إلا بعد سنة من فوزها وتكريم المشاركين فيها!!

عندما اتصلت بي للمرة التالية.. وأخبرتني الخبر، استأت منها، ومني.. ومن كل شيء. لفترة احتقرت نفسي لأني سمحت بأن أكتب أعمالا أدبية ينكر نسبها إلي في النهاية، ولا أدري بأي أرض تولد وبأي أرض...........!!!
 

كيف رضيت بأن أكتب مرة ثانية؟

عندما طهرت أرض أقلامي من الضغائن.. الأدب لن يعيش لي وحدي، ولا أريد منه إلا بسمة طفل، وضحكة أم تصفق لابنتها على المسرح..

لم يعد يعنيني إن كنت أنا من كتبت العمل المسرحي أو حتى جيراننا.. لا حسابات مع الأطفال.. يعنيني أن تشق المسرحية طريقها إلى العرض.
 

العرض الذي لم يستطع أن يولد كان مسرحية الكبار.. لا الصغار. مسرحية كان عنوانها "أنـا... هـُم". مبنية على قصائد مجموعة من الشعراء، وأبطالها ابنة شهيد فلسطيني، ومجموعة من الشعراء هم: غسان كنفاني، أمل دنقل، جبران خليل جبران،......... أقصد.. جثث هؤلاء الشعراء الناطقة شعرا. حاولت من خلالها أن أحيي الجامعة، وكان أن وزعت الأدوار على طالبات من الجامعة، ممن "يمكن" أن يتجرأن على تمثيل المسرحية أمام الحضور. رغم أني حلفت لهن أيمانا غليظة، بأن أبطال المسرحية – عدا البطلة التي لم ترض أيهن بتمثيل دورها، سواي!! – سيرتدون أقنعة، أو قطعة قماش أشبه بعباءة تنسدل على الوجه تقريبا.. وتترك فقط مسافة للشفاه لتظهر مع الإضاءة الخافتة، والمشانق المتدلية من السقف.

ماتت المسرحية في مهدها.. لأن رئيس الجامعة رفض أن تمثل الطالبات مسرحية أمام حشد مختلط. ورفض المهرجان برمته فيما بعد.

 

أبي يتفرج على برنامج سياسي.. عباس زكي – ممثل المنظمة الفلسطينية في لبنان – يقول للمذيعة: "نحن الآن نقطِّع أمعاء الوحش"..

آه.. هذا يعني أننا (في) أمعاء الوحش.. هذا يعني أننا نسبح في الـ..............

متى سننظف أنفسنا إذن..؟

 

لا أستطيع الاتصال لأسأل عن موعد عرض المسرحية.. أفكر جديا بالحضور، لكني أكره استخدام الموبايل للاتصال.. ربما أجيب على الاتصالات.. لكني أكره أن أتصل حتى لقضاء غرض لي، ربما إن كان لسواي لغيرت رأيي! لم أتصل.. لن أتصل!

 
أبي يسأل: ليكون مش حيقولو إنك مؤلفة المسرحية؟
أضحك....... المسرحية لم تعد لي! إن لي مسرحية أخرى.. لا يمكن أن تكون لأحد سواي.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية