رحيق
.

:: ماذا عنك؟

 

الصغار جائعون – وكذا الكبار – فهل سأطبخ شيئا للعشاء؟ وهل نستطيع أن نتعشى بكرامة؟

تفكر أنك رغم كل كبريائك المجروح يجب أن تمارس عاداتك اليومية كما هي.. فليس معقولا أن تنتحر جوعا، بينما يستشهد الآخرون تحت القصف والصواريخ! ماذا ستكون فعلت حينها غير أن تدخل جهنم حافيا.. وبلا ثمن يليق! إن أردت دخول جهنم.. فادخلها بـ"شرف" على الأقل!

 

يسألني الصغار – وكذا الكبار – ببراءة وبلاهة: متى تخلص الحرب عمتو أمل؟ وليش هالسؤال؟! لأننا زهقنا من الأخبار، وبدنا نتفرج على الرسوم و.. سبيس تون. والله حتى أنا عايزه أتفرج على فيلم أكشن وحروب، بس مش شايفه أزبط من اللي عالأخبار!

 

عندما أيقظتني أمي والحمى اليوم، كنت أفكر بالطريقة التي سأشرح فيها لمديري في العمل سبب غيابي اليوم عن الدوام. ليس من عادة العائلة كلها أن تذهب إلى الطبيب لأمراض موسمية كالإنفلونزا والتهابات الحلق وما شابه، لذلك لن آخذ معي أي كشف طبي لأتسول به إجازة مرضية. سأذهب غدا كما أنا.. بآثار الحمى وأنفي الأحمر ووجهي الـ.. ناشف - كما يحلو لأمي أن تسميه. فجأة لم يعد مهما سبب غيابي، اختلط هذياني مع الأخبار على التلفاز.. قانا.. مجرزة في قانا. أمي تبكي، وأبي متسمر يراقب، وأنا أتنقل بين المحارم الورقية والشاشة الدامية. إنهم يذبحون.. تتضاعف الحمى وإحساسي بالوهن. أعود إلى السرير وأحس بالسخف مني ومن المرض. يجب أن أتغذى كي أقاوم المرض، وهم.. ماذا سيأكلون كي يقاوموا القصف الهمجي؟ هل ستنفع معهم السبانخ مثل باباي مثلا!!!

 

رغم كل تلك القسوة، وجدتني أقسى على ابن أخي من الغارات.. التلفاز يعلن آخر إحصائية للقتلى، وهو يتجول في البيت مخبئا رأسه في كيس ورقي لا يرى منه شيئا، مدعيا أنه الشبح. اصطدم بي، أبعدته، ثم نهرته: إلك عين تلعب والناس قاعده تتدبح!

خلع الكيس عن رأسه، والابتسامة عن شفتيه.

 

كل شيء يبدو تافها، عديم الجدوى. هل يكفي هذا لتبرير فشلي.. فشل الكوكب؟

لن أتكلم، لن أشرب، لن آكل، لن أدرس الإنجليزية بعد الآن، لن أترجم شيئا، لن أقرأ أي كتاب، لن أشرع في أي نشاط أدبي، لن أتصل بأحد، لن.......... .

 

تطغى الحمى على كل شيء.. تتحول الرؤية إلى ضباب.. ويبدو أن صوتي سيبح هو الآخر غدا أو بعد غد. ما الفرق! وماذا كنت سأقول للعالم؟ هل سأكتب قصيدة جديدة؟ حتى القصيدة الأخيرة.. لم تكن جديدة، أطفال قانا هم أطفال فلسطين هم أطفال العراق هم أطفال كل بقعة على الأرض نهشها المجرمون الطغاة. الكلمات تفقد رونقها، والقصائد عرائس فقدت بكارتها. دعونا نبكي بشرف على الأقل، لعلنا ننتصر!

 
 

لا أرى الأشياء بعدك.

أرى تلك القافلة فقط، تسير ببطء.. إلى الجنوب، تحاصرها الطرقات، لتنفتح ذراعاك على المسافة.

هل نرسم أقدارنا بما نحفظ من قصائد شعر؟
 

"أحبك منذ وجد الحب

وحتى احتراق العالم

أحبك حتى الموت

يا مطر السماء

يا خبز الفقراء

أصابعي تشتاق لشعرك

ولدت يوم عرفتك

وها أنا سائر إلى حتفي

ووجهك في كفي.

أحبك في الجنوب

أحبك في الشمال

بينما يلعلع الرصاص

ما نفع كلماتي إن لم تكن لك

لهذا الليل

لهذا النهار

لهذه الواحة الخضراء

حيث قلبي المطعون

يتأهب للموت"*.

 

 
 
 
 

 


 * النص مقتطف من قصة قصيرة بعنوان "فرح الموت والحب" للكاتبة الفلسطينية: نجوى قعوار فرح، من مجموعتها القصصية "انتفاضة العصافير". كتاب.. لم ولن أجد ما يقتلني ليحييني مثله أبدا.

(0) تعليقات

:: مشهد

 
 

ورأسها المحروق بالأفكار

طـار..

أشلاؤها تمر فوق الأرغفه

لا جبن في هذي البلاد..

الجبن أبيض.

والزيت جمر، ورماد.

 

بالونها الوردي

طار

ودفتر الألوان أسود.

 

****

 - هل لي ملاك حارس.. أمي؟

- أجل حبيبتي!

- "باربي" و"سلمى"؟

- كلنا حبيبتي..

- هل للعدو مثلنا ملائكة..؟!

- حبيبتي.. بلادهم لا تـُنبتُ الملائكة.

 

****

 

الحمد لله الذي لم يقصف الضفيره

قد جاء إعلام يغطي المجزره

إن كان موتي لازما..

يا رب أرسل لي ملاكا آخرا..

ينقصني ماكياج أمي، وحذاء مثل سندي

وليكن يا رب خلفي مشهد مؤثر..

نحن نحب السينما!

ونكره استخدام أي خدعة لونية

مهما نزفنا من دِما.

 

***

 

لا لم نمت جميعنا

- تسألني المراسله -

أظن أختي حية تحت الحطام تلعب الغميضه

لكنني مكشوفة لها هنا.. فلنختبئ

أو فلنوزع لحمنا على البلاد كلها

عسكر..

حراميه..

اركضي... اختبئي..

- تستشهد المراسله -.

 

 
 
 
 
* عفوا.. تحتاج الصورة إلى إطار أسود.. وقلب أسود.. وقصيدة لا تقل سوادا عن الجميع. لم أجد سوادا كافيا.

(2) تعليقات

:: أحملهم.. وأمضي

(مقعد 26G ، طائرة، سماء، ولد مشاغب، فوضى ذاكرة)

13يــوليــــو 2006

12:27 ظــــهــــرا

بتوقيت القاهــرة

 
 
 

 
 
ذاكرة، وذكرى.. أحملها معي، رائحتها فيكل شيء لمسته هناك. الآن نحن أقرب إلى دبي منها إلى القاهرة. في المطار سينتظرنا الجميع... الجميع. يفترض أن تصل الطائرة في الساعة  02:20 وهذا يعني أن الوقت وقت استراحة وغداء.
 
لا أدري كيف سأستقبل حرارة الجو واللقاء في الإمارات من جديد، خاصة بعد أن ألفت جو القاهرة - والذي كان في أجمل وأجمل.. اليوم بالذات!! كأنه يودعنا كما استقبلنا.. بحنان بالغ.
 
بجانبي في مقاعد منتصف الطائرة الأربعة، تجلس امرأة وابنها المشاغب جدا جدا جدا، والذي أثار جنون كل ركاب الطائرة بحركاته وصوته المزعج. لا أدري.. ولكن ربما سأخضِع أطفالي يوما لعسكرية تهذبهم.. كيلا أصل إلى مثل هذه النتيجة!
 
يا للمسافة! أشتاق منذ الآن إلى شقة شارع حسين باشا معمار، وإلى طلعت حرب، وجروبّي.. أشتاق إلى الأسود الأربعة التي تحرس كوبري قصر النيل. أنتظرها أن تفي بوعدها وتعدو خلفنا باحثة عن صورة لم تلتقطنا. أشتاق لكل شيء حتى إلى الكلب الذي ينبح علينا من الشقة المجاورة، رغم أني لم أره!
إنها قسمة الله.. والمسـافة!
 
ينظر الولد الشقيّ إلى ما أكتب.. ولا يفهم شيئا. أتراه يفهم يوما؟! ليته لا يفهم.. ليته لا يفهم أبدا!
 
 
 

12:44 ظــــهــــرا

 
 
 
 
 
(تم القفز عن بعض اليوميات.. كيلا يجف البئر من ماء أسراره!)
 
 
 

(1) تعليقات

:: جدائل نسائنا.. لجام كرامتنا

 
 
شعرها الطويل الطويل.. يصهل من أعماقه، يذكرها بتلك التي قصت جديلتيها لجاما لفرس تقاتل في سبيل الله. ما نفع الزيوت والأصباغ في شعر طويل قصفت أطرافه الحرب!

 

لا تلميذة تنسى درس التضحية الأول الذي قصته عليها معلمتها، عن تلك المرأة المجاهدة الصابرة، التي قدمت زوجها وولديها فداء لله والوطن والحق، ثم لم تجد إلا شعرها الطويل المجدول لتقصه وتدفع به إلى قائد الجيش ليلجم به فرسه؛ علها تنال خصلة من شرف الجهاد بضفيرتيها. درس كهذا تعجز كتبنا المدرسية عن تسطيره في صفحاتها، خشية اتهام مناهجنا بريّ بذرة الإرهاب في نفوس طلابنا. لكن.. ما من أم إلا وقصت على ابنتها تلك الحكاية، وهي تمشط شعر ابنتها، أو تزرع لها وردة حمراء بلون الكرامة المستباحة.

 

ماذا تنتظر نساؤنا اليوم، ودماء أخواتهن تغرق مساحيق تجميلهن فلا يبرز إلا الأحمر؟ عم يبحثن في ركام الأبنية، والمرايا، والأصباغ؟ ولا صوت إلا صرخات المنكوبين والثكالى، ولا دمع إلا في مآقي الرضع واليتامى.. جفت الضروع، والشعر الطويل شعث واغبر، وانمحت الطلاوة من الوجوه والأيدي.

 

ليس بأيدي رجالنا إلا غرس إيمانهم في أرض المعركة، وليس بأيدي نسائنا إلا الدعاء ومحاصرة الجبن في نفوس رجالهم.. وقتله. اليوم، واليوم فقط، أحـِلّ للنساء قص ضفائرهن، فداء للحق والكرامة. اليوم فقط، يحق للمرأة العربية أن تختال بشعرها القصير، لأنها ربطت ضفيرتها زنار بندقية على صدر رجل يعشق الشهادة.

 

هي دعوة لكل امرأة أبية، بأن تقص ضفيرتها، وتعلقها على باب بيتها، على باب كرامتها.. بحثا عن رجل يصون عفة الأمة وشرفها المستباح. فما أهون أن تفتدي نساؤنا بتاج جمالها.. تاج كرامتها!

 

(1) تعليقات

:: وكانت.. مقلوبة تموز

8 يــوليــــو 2006

09:18 صبـــاحــا

بتوقيت القاهــرة

 

هل توافق النذر الذي نذرته إن زرت مصر، مع تعهد أبي بأن يعزم الأصحاب على مقلوبة؟ ربما.. البنت سر أبيها.. وهذا ما أكتشفه يوما بعد يوما.. بأدق تفاصيله!
 
البارحة كان يوم المقلوبة المشهود. اكتشفنا أننا بعد تأجيله عن موعده لم نخبر الجميع، لذلك كان علينا أن نحاول لملمة شتات المعازيم بأي طريقة وبسرعة. أبي أصر على أن يكون يوم المقلوبة بعد صلاة الجمعة. حضرت صديقتي مي هاني لتساعدني في أمور الطبخ. بينما أرسلت أبي منذ الصباح لاستكمال معدات المقلوبة بينما استكشفت كل ما في المطبخ من معدات تصلح للطبخ. إنها المرة الأولى التي أطبخ فيها بأقل قدر ممكن من الإمكانات.. دائما هناك براح من الاختيارات في مطبخ العائلة! ودائما هناك مساحة من التملص من الأعباء المطبخية.. بأن أحضر جزءا من عملية الطبخ وأترك لأمي الأمر برمته. هناك شعور بالأمان العام يسود البيت، لأن وراء الطبخة من يعتمد عليه. أحسست فعلا هذه المرة بمدى "مسؤولية" إطعام هذه الأفواه.. وكأني سأطعم مجاعة! سعادة تشوب الجو، ارتديت ثوب أمي، ويد أمي، وابتسامة أمي.. لأضيف كثيرا من المحبة والفرح إلى كل ذرة مما سأطبخه اليوم. كم أحبك يا أمي!

 

لا أذكر أني طبخت لأحد من قبل في عزائم أو ولائم، ولعدد أكثر من خمسة أشخاص، ولم يكن أبدا على وليمة مثل المقلوبة.. مقياس براعة "ست البيت" الفلسطينية! إنها مجازفة.. وأين؟ ولمن؟ يا لي من مجنونة!

المره الوحيدة التي حضرت فيها ما يشبه ذلك كان في شقة آمال مفدي – عدوتي الودودة – عندما حضرنا لها مفاجأة تمثلت في "كفتة بلبن". كنت أملك مفتاح شقتها الاحتياطي، وحضرت برفقة ربا وحنان، وأعددنا لها مفاجأة سارة وهي عائدة من عملها ظهرا. كان يوما غمرته صداقة نقية.. لا يمكن أن ينسى.

 

أحضر أبي 4 كيلو من اللحم.. وكيسا من الحمص – الذي كان يفترض نقعه قبل الطبخ بليلة – لذلك كان علي أن أسلق الحمص في الماء المغلي.. واخترت أن أطبخ المقلوبة بالباذنجان، رغم أنني أكرهه.. لكن هذه هي رغبة الشعب الذي يفضل الباذنجان على الزهرة (القرنبيط).
 
و... يا للجمال! وصلت مي، والكركبة دائرة..

المضحك أن أنبوبة الغاز فرغت ونحن نسلق الحمص!!! ولا يوجد غير قدرين للطبخ وليست سعتهما كافية لا لقلي مكونات المقلوبة، أو للأرز، أو للمقلوبة نفسها. كان عمل المقلوبة خرافيا بكل المقاييس المطبخية!

 

ركبنا أنبوبة غاز جديدة، وبدأ المعازيم الجوعى يتوافدون إلى الشقة وأبي يستقبلهم بترحاب بالغ، ثم نرسلهم إلى صالون البيت ونقفل عليهم باب الأكورديون.. ونتابع أنا ومي عملنا بهمة ونشاط. وصلت أمينة لمساعدتنا هي الأخرى، فسلمناها عمل التبّولة التي لم أكن قد انتهيت منها. بيني وبين مي حديث شائق لا ينتهي.. يلملم شتات تلك الذكريات التي لم تضمها ذاكرة مشتركة كالسابق. تنضم أمينة إلينا بين الحين والآخر، ونسمع ضحكات أبي المجلجلة بفرح وابتهاج مع كل الرفقاء الذين وصلوا، وكانوا: أحمد، طارق، عزت، خالد، يزيد.

 

(اللحظة التاريخية: لحظة قلب "طنجرة" المقلوبة..)
 
 
نجحنا في النهاية.. وخرجت المقلوبة سليمة معافاة. لكن كان يجب التنويه إلى أن التهام المقلوبة كان مدهشا حقا.. والشرط الذي طلب من الجميع لم ينفذه أحد سوى مي، وكان ينص على أن يحضر كل واحد من المعازيم طبقا يعده بنفسه. مي أحضرت قالب كيك صنعته بنفسها، والآخرون جلبوا معدات خاوية.. عمرتها المقلوبة.. ولم نكن في حاجة إلى سيارات الإسعاف بحمد الله!
 
 

(شلة الجوعى، ومضيفهم، من اليمين لليسار: أبي، يزيد، طارق، خالد، محمود، أحمد)
 
 

أثنى الجميع على المقلوبة.. لا أدري هل كان ثناؤهم بسبب الجوع المضني، أم بسبب جودة المقلوبة! من الصعب أن تذم أكلة شعبية لم يسبق لك أن جربتها على كل حال.. ففي كل الأحوال ستقبل الاختلاف المذاقي صامتا.. محوقلا. لكنني أظن أن الإجماع الشعبي رأى أنها محاولة ناجحة. وكذلك صرح سيد من يعد المقلوبة... أبي، لا حرمني الله من حبه وحنانه.

 
 

(المقلوبة التاريخية.. في صورة تذكارية)
 
 
 

وبعد المقلوبة جاءت الفاكهة، ثم الشاي والكيك، وكل ما تشتهي الأنفس.. وقد كان الإنهاك نال مني الكثير، لكن أمينة اصطحبتني معها إلى دار الأوبرا، وكان لنا أن نترك معشر المتخمين في الشقة!

 

هي مقلوبة تمــوز.. إذن!

(2) تعليقات

:: أمسيـة.. لنا

(المركز الثقافي اليمني، طاولة تنتظر، وجوه، نسكافيه متأخر جدا، أبي، أحمد، قرنة.. ننتظر)
 

6 يــوليــــو 2006

09:35 مســـــاء

بتوقيت القاهــرة

 

نهارنا بلا مواعيد أو زيارات.. لذلك تسوقنا بحماس، واشترينا معدات المقلوبة، من خضار وغير ذلك. يتعرف أبي إلى الناس الطيبين.. وتنفتح ذاكرته على الماضي الجميل، والحاضر الذي يحتفظ في بعض تفاصيليه بتلك الرائحة من الحنين. نبدو متفائلين معا.. مشرقين.. نتنفس القاهرة كما تحب أن تكون.

 

 

.. نجلس في انتظار بقية الحاضرين لنستهل الأمسية الشعرية التي تنظمها رابطة "نون".. وبما أننا من رابطة "كاااااااااف".. ضيوفا، فسوف نشاركهم جريمتهم الليلة. هي فرصة أن نتعرف أيضا إلى رفقاء حرف لم يسعفنا الحظ للقائهم في أيام وصولنا الأولى. سيحضر هذه المره كل من محمود عزت، وخالد عبد القادر، إضافة إلى الآخرين.

 

تمنيت لو أن الأمسية في الهواء الطلق؛ فنسمة النيل حنونة جدا في الخارج، لكن يبدو أننا سنتنفس شعرا فقط.

 

يحضرون..

يبدو محمود عزت مألوفا جدا.. كابتسامة طفل أبيض. خالد عبد القادر.. ترسمه الخطا وعلى وجهه تتصفح ابتسامة ترحال، وشقوة ساخرة. أشعر بالفخر لأني أكبر منهما.. وأن بإمكاني استيعاب هذين الشخصين كـ"خالة".. ولو رمزيا!! لماذا الآن أتذكر "قطر الندى".. و...."حفيدي"... في البحرين!

الشاي لا يفارق محمد قرنة منذ البدء.. ربما سأحقد عليه، فإدمان الشاي خاص بي جدا.. لماذا يسرقه مني الآن؟ لكن.. شاي مصر يختلف عن الشاي الذي أشربه! إن شايهم أسود حد الموت.. وشاينا شفاف بريء!

 

 
أبي لا يبدو مرتاحا شيئا ما.. إنه قلق القصيدة يتأجج فيه.

يقدم محمد الشلفي، الأمسية. ويمتطي أبي صهوة القصيد. ينفعل ويتشاطر أحرف القصيدة مع ملائكة الشعر.. لا شياطينه. ونصمت كأن على رؤوسنا الطير وهو يكفر بالكلمات والقصائد التي لا تسمن ولا تغني من جوع. إنه يبحث عن همه.. عن همنا جميعا.. فأين هو يا ترى ذلك النصر المؤجل؟!

 

 

محمد قرنة يفاجئني بثبات ورباطة جأش.. يحفظ قصائده ولا حاجة لأن تمرر أبناءه عليه ليوزع عليهم أرغفة الخبز بالتساوي. يناولك قصائده كأنه يرتقي سلما. أحسده لأنه يحفظها بهذا النسق وبهذه النوتة الموسيقية المؤداة بعناية.

ينتهي كما بدأ.. لا تحس أنك استمعت إلا إلا نسيم النيل.. قبل العاصفة.

 

لا أجلس على الكرسي- كالعادة – فأقف – بغير اتفاق مع أبي الذي يبدو أنه هو الآخر لا يجلس في حضرة الشعر. أختار قصيدتين.. ويبدو أن كل واحد منا اختار اثنين من أبنائه. "وطن للبيع"، و"حقيقتنا". بينما أتصفح وجوههم وأنا ألقي القصيدتين.. أحسست كأني أنثر رمل الوطن على جنود يتأهبون لخوض معركة الحسم. تنقلب صفرة الوجوه إلى حمرة مشبوبة بالحذر.. تنكمش المسافات.. تنكمش.. تنكمش.

أعود إلى مقعدي.

 

 
محمود عزت في قصائده كما هو في شخصه.. تنعكس رقراقة وتنساب من بين أصابعه، خجولة، فرحة، تقطر طيبة. أحسه سيترك قصائده على الطاولة ويركض تاركا الجميع.. ليسحب طائرة ورقية إلى السماء السابعة.

 

 
 

 
تشتعل، دون أن تحس بحرارتها المتسربة إليك. هكذا قصائد يزيد الديراوي عندما يكون على المنصة. في البدء أحسست أني سأغمض عيني على كارثة.. تتسرب الانفجارات إليك، والدبابات، والعساكر. يلعب (شرطة وحرامية) فلا تعرف إن كنت الشرطي أو الحرامي. حاولت أن أذهب بعيدا إلى فلسطين عبر كلماته. لم أستطع.. ألجمتني المسافة. فسكت.
 
 

(البؤساء...!)
يسارا: محمد قرنة، يمينا: محمد سيد حسن
 
 
ختم محمد الشلفي الأمسية. أجمع الكل على براعته، وعلى جمال حرفه وبهاء طلعته. فقد كان له نكهة أخرى ومزاج رائق آخر يدق بيد كلماته على باب الحلم.
 
 

وصلني كوب النسكافيه متأخرا.. شربته على عجل، فأبي استعجل الخروج كيلا نثقل بحضورنا على المركز.. كانت الساعة الحادية عشرة ليلا. تمشينا على طول النيل، تفرقنا في إحدى نواحيه. وعدنا أدراجنا إلى طلعت حرب.. وهو يبتسم.

 

(7) تعليقات

:: 24 سنة.. في قلعة وشمعه

(شمعتان مطفأتان، 6 كراسي، طاولة رخامية، مقهى الهناجر، دار الأوبرا)
 

5 يــوليــــو 2006

09:58 مســـــاء

بتوقيت القاهــرة

 

على الطاولة الرخامية.. يبحث النمل عن فتات قالب الحلوى بهمة. أبي يستعرض ذاكرته في حديث مع يزيد الديراوي. أمينة وصديقاتها غادرننا كل إلى وجهتها، وكذا تبعهم أحمد ليقضي شأنا له ويعود.

أغلف شمعتان إحداهما على رقم 2 والأخرى على رقم 4 ، وأحتفظ بهما في الحقيبة.. قلت ساخرة: أحتفل الآن بـ24 سنة.. من يدري، قد أستعملهما عندما أبلغ 42 سنة!

 

يومنا حافل.. من صباحه حتى مسائه. بينما كنت أعد فطورا بريئا جدا، مرر أبي ناظريه على الجرائد المصرية – ومن بينها جريدة النيل العابقة بأخبار الجرائم والمصائب. أعرفه عندما يغرق في أفكاره السوداوية. يصارحني بمخاوفه من كل "هؤلاء" المعارف الذين تفاجأ بهم. يتحولون فجأة إلى عصابة، أو إلى مافيا.. إلى أي شيء. إنه قلق. كان يجب أن يكون هو دليل ابنته السياحي.. لا العكس. إنها مصر.. مصره هو.. لا مصر ابنته.

 

في الثانية عشرة ظهرا نخرج برفقة أحمد إلى أولى زياراتنا السياحية البحتة.. متحررين من أي ارتباطات أخرى. تنفتح بوابة التاريخ والدهشة. تجولنا في جو حار يداعبه نسيم قلق، في أرجاء القلعة، والمساجد التاريخية، والمتحف الحربي، حيث تختلط الصور بالتماثيل، والأسلحة بالمجسمات، بكاميرات المراقبة.. يااااه... الرحمة!

أتساءل أحيانا: ماذا نستفيد عندما نزين حوائطنا بالتاريخ!

التاريخ الذي نختار ما نعلق منه على الحائط، وما نتركه في سراديب النسيان.

أتمنى للحظة أن أُنسى في المعمعة، وأعيش نبتة في زحام النبات. ماذا سأفعل للتاريخ، وماذا سيفعل لي؟ لعبة