رحيق
.

:: ماذا عنك؟

 

الصغار جائعون – وكذا الكبار – فهل سأطبخ شيئا للعشاء؟ وهل نستطيع أن نتعشى بكرامة؟

تفكر أنك رغم كل كبريائك المجروح يجب أن تمارس عاداتك اليومية كما هي.. فليس معقولا أن تنتحر جوعا، بينما يستشهد الآخرون تحت القصف والصواريخ! ماذا ستكون فعلت حينها غير أن تدخل جهنم حافيا.. وبلا ثمن يليق! إن أردت دخول جهنم.. فادخلها بـ"شرف" على الأقل!

 

يسألني الصغار – وكذا الكبار – ببراءة وبلاهة: متى تخلص الحرب عمتو أمل؟ وليش هالسؤال؟! لأننا زهقنا من الأخبار، وبدنا نتفرج على الرسوم و.. سبيس تون. والله حتى أنا عايزه أتفرج على فيلم أكشن وحروب، بس مش شايفه أزبط من اللي عالأخبار!

 

عندما أيقظتني أمي والحمى اليوم، كنت أفكر بالطريقة التي سأشرح فيها لمديري في العمل سبب غيابي اليوم عن الدوام. ليس من عادة العائلة كلها أن تذهب إلى الطبيب لأمراض موسمية كالإنفلونزا والتهابات الحلق وما شابه، لذلك لن آخذ معي أي كشف طبي لأتسول به إجازة مرضية. سأذهب غدا كما أنا.. بآثار الحمى وأنفي الأحمر ووجهي الـ.. ناشف - كما يحلو لأمي أن تسميه. فجأة لم يعد مهما سبب غيابي، اختلط هذياني مع الأخبار على التلفاز.. قانا.. مجرزة في قانا. أمي تبكي، وأبي متسمر يراقب، وأنا أتنقل بين المحارم الورقية والشاشة الدامية. إنهم يذبحون.. تتضاعف الحمى وإحساسي بالوهن. أعود إلى السرير وأحس بالسخف مني ومن المرض. يجب أن أتغذى كي أقاوم المرض، وهم.. ماذا سيأكلون كي يقاوموا القصف الهمجي؟ هل ستنفع معهم السبانخ مثل باباي مثلا!!!

 

رغم كل تلك القسوة، وجدتني أقسى على ابن أخي من الغارات.. التلفاز يعلن آخر إحصائية للقتلى، وهو يتجول في البيت مخبئا رأسه في كيس ورقي لا يرى منه شيئا، مدعيا أنه الشبح. اصطدم بي، أبعدته، ثم نهرته: إلك عين تلعب والناس قاعده تتدبح!

خلع الكيس عن رأسه، والابتسامة عن شفتيه.

 

كل شيء يبدو تافها، عديم الجدوى. هل يكفي هذا لتبرير فشلي.. فشل الكوكب؟

لن أتكلم، لن أشرب، لن آكل، لن أدرس الإنجليزية بعد الآن، لن أترجم شيئا، لن أقرأ أي كتاب، لن أشرع في أي نشاط أدبي، لن أتصل بأحد، لن.......... .

 

تطغى الحمى على كل شيء.. تتحول الرؤية إلى ضباب.. ويبدو أن صوتي سيبح هو الآخر غدا أو بعد غد. ما الفرق! وماذا كنت سأقول للعالم؟ هل سأكتب قصيدة جديدة؟ حتى القصيدة الأخيرة.. لم تكن جديدة، أطفال قانا هم أطفال فلسطين هم أطفال العراق هم أطفال كل بقعة على الأرض نهشها المجرمون الطغاة. الكلمات تفقد رونقها، والقصائد عرائس فقدت بكارتها. دعونا نبكي بشرف على الأقل، لعلنا ننتصر!

 
 

لا أرى الأشياء بعدك.

أرى تلك القافلة فقط، تسير ببطء.. إلى الجنوب، تحاصرها الطرقات، لتنفتح ذراعاك على المسافة.

هل نرسم أقدارنا بما نحفظ من قصائد شعر؟
 

"أحبك منذ وجد الحب

وحتى احتراق العالم

أحبك حتى الموت

يا مطر السماء

يا خبز الفقراء

أصابعي تشتاق لشعرك

ولدت يوم عرفتك

وها أنا سائر إلى حتفي

ووجهك في كفي.

أحبك في الجنوب

أحبك في الشمال

بينما يلعلع الرصاص

ما نفع كلماتي إن لم تكن لك

لهذا الليل

لهذا النهار

لهذه الواحة الخضراء

حيث قلبي المطعون

يتأهب للموت"*.

 

 
 
 
 

 


 * النص مقتطف من قصة قصيرة بعنوان "فرح الموت والحب" للكاتبة الفلسطينية: نجوى قعوار فرح، من مجموعتها القصصية "انتفاضة العصافير". كتاب.. لم ولن أجد ما يقتلني ليحييني مثله أبدا.

(0) تعليقات

:: مشهد

 
 

ورأسها المحروق بالأفكار

طـار..

أشلاؤها تمر فوق الأرغفه

لا جبن في هذي البلاد..

الجبن أبيض.

والزيت جمر، ورماد.

 

بالونها الوردي

طار

ودفتر الألوان أسود.

 

****

 - هل لي ملاك حارس.. أمي؟

- أجل حبيبتي!

- "باربي" و"سلمى"؟

- كلنا حبيبتي..

- هل للعدو مثلنا ملائكة..؟!

- حبيبتي.. بلادهم لا تـُنبتُ الملائكة.

 

****

 

الحمد لله الذي لم يقصف الضفيره

قد جاء إعلام يغطي المجزره

إن كان موتي لازما..

يا رب أرسل لي ملاكا آخرا..

ينقصني ماكياج أمي، وحذاء مثل سندي

وليكن يا رب خلفي مشهد مؤثر..

نحن نحب السينما!

ونكره استخدام أي خدعة لونية

مهما نزفنا من دِما.

 

***

 

لا لم نمت جميعنا

- تسألني المراسله -

أظن أختي حية تحت الحطام تلعب الغميضه

لكنني مكشوفة لها هنا.. فلنختبئ

أو فلنوزع لحمنا على البلاد كلها

عسكر..

حراميه..

اركضي... اختبئي..

- تستشهد المراسله -.

 

 
 
 
 
* عفوا.. تحتاج الصورة إلى إطار أسود.. وقلب أسود.. وقصيدة لا تقل سوادا عن الجميع. لم أجد سوادا كافيا.

(2) تعليقات

:: أحملهم.. وأمضي

(مقعد 26G ، طائرة، سماء، ولد مشاغب، فوضى ذاكرة)

13يــوليــــو 2006

12:27 ظــــهــــرا

بتوقيت القاهــرة

 
 
 

 
 
ذاكرة، وذكرى.. أحملها معي، رائحتها فيكل شيء لمسته هناك. الآن نحن أقرب إلى دبي منها إلى القاهرة. في المطار سينتظرنا الجميع... الجميع. يفترض أن تصل الطائرة في الساعة  02:20 وهذا يعني أن الوقت وقت استراحة وغداء.
 
لا أدري كيف سأستقبل حرارة الجو واللقاء في الإمارات من جديد، خاصة بعد أن ألفت جو القاهرة - والذي كان في أجمل وأجمل.. اليوم بالذات!! كأنه يودعنا كما استقبلنا.. بحنان بالغ.
 
بجانبي في مقاعد منتصف الطائرة الأربعة، تجلس امرأة وابنها المشاغب جدا جدا جدا، والذي أثار جنون كل ركاب الطائرة بحركاته وصوته المزعج. لا أدري.. ولكن ربما سأخضِع أطفالي يوما لعسكرية تهذبهم.. كيلا أصل إلى مثل هذه النتيجة!
 
يا للمسافة! أشتاق منذ الآن إلى شقة شارع حسين باشا معمار، وإلى طلعت حرب، وجروبّي.. أشتاق إلى الأسود الأربعة التي تحرس كوبري قصر النيل. أنتظرها أن تفي بوعدها وتعدو خلفنا باحثة عن صورة لم تلتقطنا. أشتاق لكل شيء حتى إلى الكلب الذي ينبح علينا من الشقة المجاورة، رغم أني لم أره!
إنها قسمة الله.. والمسـافة!
 
ينظر الولد الشقيّ إلى ما أكتب.. ولا يفهم شيئا. أتراه يفهم يوما؟! ليته لا يفهم.. ليته لا يفهم أبدا!
 
 
 

12:44 ظــــهــــرا

 
 
 
 
 
(تم القفز عن بعض اليوميات.. كيلا يجف البئر من ماء أسراره!)
 
 
 

(1) تعليقات

:: جدائل نسائنا.. لجام كرامتنا

 
 
شعرها الطويل الطويل.. يصهل من أعماقه، يذكرها بتلك التي قصت جديلتيها لجاما لفرس تقاتل في سبيل الله. ما نفع الزيوت والأصباغ في شعر طويل قصفت أطرافه الحرب!

 

لا تلميذة تنسى درس التضحية الأول الذي قصته عليها معلمتها، عن تلك المرأة المجاهدة الصابرة، التي قدمت زوجها وولديها فداء لله والوطن والحق، ثم لم تجد إلا شعرها الطويل المجدول لتقصه وتدفع به إلى قائد الجيش ليلجم به فرسه؛ علها تنال خصلة من شرف الجهاد بضفيرتيها. درس كهذا تعجز كتبنا المدرسية عن تسطيره في صفحاتها، خشية اتهام مناهجنا بريّ بذرة الإرهاب في نفوس طلابنا. لكن.. ما من أم إلا وقصت على ابنتها تلك الحكاية، وهي تمشط شعر ابنتها، أو تزرع لها وردة حمراء بلون الكرامة المستباحة.

 

ماذا تنتظر نساؤنا اليوم، ودماء أخواتهن تغرق مساحيق تجميلهن فلا يبرز إلا الأحمر؟ عم يبحثن في ركام الأبنية، والمرايا، والأصباغ؟ ولا صوت إلا صرخات المنكوبين والثكالى، ولا دمع إلا في مآقي الرضع واليتامى.. جفت الضروع، والشعر الطويل شعث واغبر، وانمحت الطلاوة من الوجوه والأيدي.

 

ليس بأيدي رجالنا إلا غرس إيمانهم في أرض المعركة، وليس بأيدي نسائنا إلا الدعاء ومحاصرة الجبن في نفوس رجالهم.. وقتله. اليوم، واليوم فقط، أحـِلّ للنساء قص ضفائرهن، فداء للحق والكرامة. اليوم فقط، يحق للمرأة العربية أن تختال بشعرها القصير، لأنها ربطت ضفيرتها زنار بندقية على صدر رجل يعشق الشهادة.

 

هي دعوة لكل امرأة أبية، بأن تقص ضفيرتها، وتعلقها على باب بيتها، على باب كرامتها.. بحثا عن رجل يصون عفة الأمة وشرفها المستباح. فما أهون أن تفتدي نساؤنا بتاج جمالها.. تاج كرامتها!

 

(1) تعليقات

:: وكانت.. مقلوبة تموز

8 يــوليــــو 2006

09:18 صبـــاحــا

بتوقيت القاهــرة

 

هل توافق النذر الذي نذرته إن زرت مصر، مع تعهد أبي بأن يعزم الأصحاب على مقلوبة؟ ربما.. البنت سر أبيها.. وهذا ما أكتشفه يوما بعد يوما.. بأدق تفاصيله!
 
البارحة كان يوم المقلوبة المشهود. اكتشفنا أننا بعد تأجيله عن موعده لم نخبر الجميع، لذلك كان علينا أن نحاول لملمة شتات المعازيم بأي طريقة وبسرعة. أبي أصر على أن يكون يوم المقلوبة بعد صلاة الجمعة. حضرت صديقتي مي هاني لتساعدني في أمور الطبخ. بينما أرسلت أبي منذ الصباح لاستكمال معدات المقلوبة بينما استكشفت كل ما في المطبخ من معدات تصلح للطبخ. إنها المرة الأولى التي أطبخ فيها بأقل قدر ممكن من الإمكانات.. دائما هناك براح من الاختيارات في مطبخ العائلة! ودائما هناك مساحة من التملص من الأعباء المطبخية.. بأن أحضر جزءا من عملية الطبخ وأترك لأمي الأمر برمته. هناك شعور بالأمان العام يسود البيت، لأن وراء الطبخة من يعتمد عليه. أحسست فعلا هذه المرة بمدى "مسؤولية" إطعام هذه الأفواه.. وكأني سأطعم مجاعة! سعادة تشوب الجو، ارتديت ثوب أمي، ويد أمي، وابتسامة أمي.. لأضيف كثيرا من المحبة والفرح إلى كل ذرة مما سأطبخه اليوم. كم أحبك يا أمي!

 

لا أذكر أني طبخت لأحد من قبل في عزائم أو ولائم، ولعدد أكثر من خمسة أشخاص، ولم يكن أبدا على وليمة مثل المقلوبة.. مقياس براعة "ست البيت" الفلسطينية! إنها مجازفة.. وأين؟ ولمن؟ يا لي من مجنونة!

المره الوحيدة التي حضرت فيها ما يشبه ذلك كان في شقة آمال مفدي – عدوتي الودودة – عندما حضرنا لها مفاجأة تمثلت في "كفتة بلبن". كنت أملك مفتاح شقتها الاحتياطي، وحضرت برفقة ربا وحنان، وأعددنا لها مفاجأة سارة وهي عائدة من عملها ظهرا. كان يوما غمرته صداقة نقية.. لا يمكن أن ينسى.

 

أحضر أبي 4 كيلو من اللحم.. وكيسا من الحمص – الذي كان يفترض نقعه قبل الطبخ بليلة – لذلك كان علي أن أسلق الحمص في الماء المغلي.. واخترت أن أطبخ المقلوبة بالباذنجان، رغم أنني أكرهه.. لكن هذه هي رغبة الشعب الذي يفضل الباذنجان على الزهرة (القرنبيط).
 
و... يا للجمال! وصلت مي، والكركبة دائرة..

المضحك أن أنبوبة الغاز فرغت ونحن نسلق الحمص!!! ولا يوجد غير قدرين للطبخ وليست سعتهما كافية لا لقلي مكونات المقلوبة، أو للأرز، أو للمقلوبة نفسها. كان عمل المقلوبة خرافيا بكل المقاييس المطبخية!

 

ركبنا أنبوبة غاز جديدة، وبدأ المعازيم الجوعى يتوافدون إلى الشقة وأبي يستقبلهم بترحاب بالغ، ثم نرسلهم إلى صالون البيت ونقفل عليهم باب الأكورديون.. ونتابع أنا ومي عملنا بهمة ونشاط. وصلت أمينة لمساعدتنا هي الأخرى، فسلمناها عمل التبّولة التي لم أكن قد انتهيت منها. بيني وبين مي حديث شائق لا ينتهي.. يلملم شتات تلك الذكريات التي لم تضمها ذاكرة مشتركة كالسابق. تنضم أمينة إلينا بين الحين والآخر، ونسمع ضحكات أبي المجلجلة بفرح وابتهاج مع كل الرفقاء الذين وصلوا، وكانوا: أحمد، طارق، عزت، خالد، يزيد.

 

(اللحظة التاريخية: لحظة قلب "طنجرة" المقلوبة..)
 
 
نجحنا في النهاية.. وخرجت المقلوبة سليمة معافاة. لكن كان يجب التنويه إلى أن التهام المقلوبة كان مدهشا حقا.. والشرط الذي طلب من الجميع لم ينفذه أحد سوى مي، وكان ينص على أن يحضر كل واحد من المعازيم طبقا يعده بنفسه. مي أحضرت قالب كيك صنعته بنفسها، والآخرون جلبوا معدات خاوية.. عمرتها المقلوبة.. ولم نكن في حاجة إلى سيارات الإسعاف بحمد الله!
 
 

(شلة الجوعى، ومضيفهم، من اليمين لليسار: أبي، يزيد، طارق، خالد، محمود، أحمد)
 
 

أثنى الجميع على المقلوبة.. لا أدري هل كان ثناؤهم بسبب الجوع المضني، أم بسبب جودة المقلوبة! من الصعب أن تذم أكلة شعبية لم يسبق لك أن جربتها على كل حال.. ففي كل الأحوال ستقبل الاختلاف المذاقي صامتا.. محوقلا. لكنني أظن أن الإجماع الشعبي رأى أنها محاولة ناجحة. وكذلك صرح سيد من يعد المقلوبة... أبي، لا حرمني الله من حبه وحنانه.

 
 

(المقلوبة التاريخية.. في صورة تذكارية)
 
 
 

وبعد المقلوبة جاءت الفاكهة، ثم الشاي والكيك، وكل ما تشتهي الأنفس.. وقد كان الإنهاك نال مني الكثير، لكن أمينة اصطحبتني معها إلى دار الأوبرا، وكان لنا أن نترك معشر المتخمين في الشقة!

 

هي مقلوبة تمــوز.. إذن!

(2) تعليقات

:: أمسيـة.. لنا

(المركز الثقافي اليمني، طاولة تنتظر، وجوه، نسكافيه متأخر جدا، أبي، أحمد، قرنة.. ننتظر)
 

6 يــوليــــو 2006

09:35 مســـــاء

بتوقيت القاهــرة

 

نهارنا بلا مواعيد أو زيارات.. لذلك تسوقنا بحماس، واشترينا معدات المقلوبة، من خضار وغير ذلك. يتعرف أبي إلى الناس الطيبين.. وتنفتح ذاكرته على الماضي الجميل، والحاضر الذي يحتفظ في بعض تفاصيليه بتلك الرائحة من الحنين. نبدو متفائلين معا.. مشرقين.. نتنفس القاهرة كما تحب أن تكون.

 

 

.. نجلس في انتظار بقية الحاضرين لنستهل الأمسية الشعرية التي تنظمها رابطة "نون".. وبما أننا من رابطة "كاااااااااف".. ضيوفا، فسوف نشاركهم جريمتهم الليلة. هي فرصة أن نتعرف أيضا إلى رفقاء حرف لم يسعفنا الحظ للقائهم في أيام وصولنا الأولى. سيحضر هذه المره كل من محمود عزت، وخالد عبد القادر، إضافة إلى الآخرين.

 

تمنيت لو أن الأمسية في الهواء الطلق؛ فنسمة النيل حنونة جدا في الخارج، لكن يبدو أننا سنتنفس شعرا فقط.

 

يحضرون..

يبدو محمود عزت مألوفا جدا.. كابتسامة طفل أبيض. خالد عبد القادر.. ترسمه الخطا وعلى وجهه تتصفح ابتسامة ترحال، وشقوة ساخرة. أشعر بالفخر لأني أكبر منهما.. وأن بإمكاني استيعاب هذين الشخصين كـ"خالة".. ولو رمزيا!! لماذا الآن أتذكر "قطر الندى".. و...."حفيدي"... في البحرين!

الشاي لا يفارق محمد قرنة منذ البدء.. ربما سأحقد عليه، فإدمان الشاي خاص بي جدا.. لماذا يسرقه مني الآن؟ لكن.. شاي مصر يختلف عن الشاي الذي أشربه! إن شايهم أسود حد الموت.. وشاينا شفاف بريء!

 

 
أبي لا يبدو مرتاحا شيئا ما.. إنه قلق القصيدة يتأجج فيه.

يقدم محمد الشلفي، الأمسية. ويمتطي أبي صهوة القصيد. ينفعل ويتشاطر أحرف القصيدة مع ملائكة الشعر.. لا شياطينه. ونصمت كأن على رؤوسنا الطير وهو يكفر بالكلمات والقصائد التي لا تسمن ولا تغني من جوع. إنه يبحث عن همه.. عن همنا جميعا.. فأين هو يا ترى ذلك النصر المؤجل؟!

 

 

محمد قرنة يفاجئني بثبات ورباطة جأش.. يحفظ قصائده ولا حاجة لأن تمرر أبناءه عليه ليوزع عليهم أرغفة الخبز بالتساوي. يناولك قصائده كأنه يرتقي سلما. أحسده لأنه يحفظها بهذا النسق وبهذه النوتة الموسيقية المؤداة بعناية.

ينتهي كما بدأ.. لا تحس أنك استمعت إلا إلا نسيم النيل.. قبل العاصفة.

 

لا أجلس على الكرسي- كالعادة – فأقف – بغير اتفاق مع أبي الذي يبدو أنه هو الآخر لا يجلس في حضرة الشعر. أختار قصيدتين.. ويبدو أن كل واحد منا اختار اثنين من أبنائه. "وطن للبيع"، و"حقيقتنا". بينما أتصفح وجوههم وأنا ألقي القصيدتين.. أحسست كأني أنثر رمل الوطن على جنود يتأهبون لخوض معركة الحسم. تنقلب صفرة الوجوه إلى حمرة مشبوبة بالحذر.. تنكمش المسافات.. تنكمش.. تنكمش.

أعود إلى مقعدي.

 

 
محمود عزت في قصائده كما هو في شخصه.. تنعكس رقراقة وتنساب من بين أصابعه، خجولة، فرحة، تقطر طيبة. أحسه سيترك قصائده على الطاولة ويركض تاركا الجميع.. ليسحب طائرة ورقية إلى السماء السابعة.

 

 
 

 
تشتعل، دون أن تحس بحرارتها المتسربة إليك. هكذا قصائد يزيد الديراوي عندما يكون على المنصة. في البدء أحسست أني سأغمض عيني على كارثة.. تتسرب الانفجارات إليك، والدبابات، والعساكر. يلعب (شرطة وحرامية) فلا تعرف إن كنت الشرطي أو الحرامي. حاولت أن أذهب بعيدا إلى فلسطين عبر كلماته. لم أستطع.. ألجمتني المسافة. فسكت.
 
 

(البؤساء...!)
يسارا: محمد قرنة، يمينا: محمد سيد حسن
 
 
ختم محمد الشلفي الأمسية. أجمع الكل على براعته، وعلى جمال حرفه وبهاء طلعته. فقد كان له نكهة أخرى ومزاج رائق آخر يدق بيد كلماته على باب الحلم.
 
 

وصلني كوب النسكافيه متأخرا.. شربته على عجل، فأبي استعجل الخروج كيلا نثقل بحضورنا على المركز.. كانت الساعة الحادية عشرة ليلا. تمشينا على طول النيل، تفرقنا في إحدى نواحيه. وعدنا أدراجنا إلى طلعت حرب.. وهو يبتسم.

 

(7) تعليقات

:: 24 سنة.. في قلعة وشمعه

(شمعتان مطفأتان، 6 كراسي، طاولة رخامية، مقهى الهناجر، دار الأوبرا)
 

5 يــوليــــو 2006

09:58 مســـــاء

بتوقيت القاهــرة

 

على الطاولة الرخامية.. يبحث النمل عن فتات قالب الحلوى بهمة. أبي يستعرض ذاكرته في حديث مع يزيد الديراوي. أمينة وصديقاتها غادرننا كل إلى وجهتها، وكذا تبعهم أحمد ليقضي شأنا له ويعود.

أغلف شمعتان إحداهما على رقم 2 والأخرى على رقم 4 ، وأحتفظ بهما في الحقيبة.. قلت ساخرة: أحتفل الآن بـ24 سنة.. من يدري، قد أستعملهما عندما أبلغ 42 سنة!

 

يومنا حافل.. من صباحه حتى مسائه. بينما كنت أعد فطورا بريئا جدا، مرر أبي ناظريه على الجرائد المصرية – ومن بينها جريدة النيل العابقة بأخبار الجرائم والمصائب. أعرفه عندما يغرق في أفكاره السوداوية. يصارحني بمخاوفه من كل "هؤلاء" المعارف الذين تفاجأ بهم. يتحولون فجأة إلى عصابة، أو إلى مافيا.. إلى أي شيء. إنه قلق. كان يجب أن يكون هو دليل ابنته السياحي.. لا العكس. إنها مصر.. مصره هو.. لا مصر ابنته.

 

في الثانية عشرة ظهرا نخرج برفقة أحمد إلى أولى زياراتنا السياحية البحتة.. متحررين من أي ارتباطات أخرى. تنفتح بوابة التاريخ والدهشة. تجولنا في جو حار يداعبه نسيم قلق، في أرجاء القلعة، والمساجد التاريخية، والمتحف الحربي، حيث تختلط الصور بالتماثيل، والأسلحة بالمجسمات، بكاميرات المراقبة.. يااااه... الرحمة!

أتساءل أحيانا: ماذا نستفيد عندما نزين حوائطنا بالتاريخ!

التاريخ الذي نختار ما نعلق منه على الحائط، وما نتركه في سراديب النسيان.

أتمنى للحظة أن أُنسى في المعمعة، وأعيش نبتة في زحام النبات. ماذا سأفعل للتاريخ، وماذا سيفعل لي؟ لعبة الكذب.. هذا هو التاريخ!

 

عدنا حوالي الرابعة عصرا للشقة. ارتحنا قليلا، ثم خرجنا مرة أخرى. هذه المرة كان لي احتفال مع البنفسج. ذهبنا مشيا إلى دار الأوبرا، وأمام دوارها وجدنا صدفة خير الدين عبيد – الفائز بالمركز الثالث في مسابقة ديوان العرب لأدب الطفل – وكانت الحيرة تبدو عليه في قلب القاهرة المزدحم. جلسنا في مقهى الهناجر، واجتمعنا بأمينة والصديقات، ويزيد الديراوي. احتفلنا بيوم ميلادي الذي صادف البارحة – 4 يوليو – لكننا أجلناه بسبب احتفال ديوان العرب. بينما كنت أطفئ الشموع – التي سبقني الجميع إلى إطفائها أصلا! – تذكرت أني طوال السنوات الماضية غالبا ما كنت أتولى تذكير جميع من في البيت بيوم ميلادي، وأحيانا أعد قالب الحلوى بنفسي – توفيرا، وتسلية – إلى أن ينتهي يوم ميلادي بإحساس بنكد لا مبرر له، أقلبه بيني وبين نفسي.

وصلتني رسالتان على الموبايل، الأولى من أخي محمد – يبارك لي بسخريته المعتادة – والأخرى من أختي مها.. بنكهة مازحة تقطر حنانا ومحبة.

 

ما هي الأمنية التي تمنيتها وأنا أطفئ الشموع؟

بما أنهم جميعا أطفئوا الشمعتين قبلي.. وبما أن طقس إطفاء الشمعة ليس ضروريا – بالنسبة لعائلتنا على الأقل – فقد تلاحقت الأمنيات تباعا.. ليس بالضرورة أمنية واحدة، ولم يعد تعليق الأماني على مشجب المستقبل مهما بالنسبة لي. تحولت الأمنيات إلى قرارات.. بعضها ينفذ من فوره، والآخر تحت الإنشاء، وما سواه حتى إشعار آخر.

 

ما زلنا جالسين في هذا الجو الرائق. غادرتنا أمينة لتتابع مباراة فرنسا والبرتغال! إنه كأس العالم الذي لا يتكرر إلا مرة كل أربع سنوات.. أليس كذلك؟!

 

يبدو أننا سنعود مشيا..

 

10:24 مســـــاء

 

(0) تعليقات

:: هـُوّا هيك وخلاص

 
كل شيء في هذا الكوكب مخنوق..

لبنان وحزب الله يواجه وحده بثبات وصمود عتاد "إسرائيل" ومن خلفها العالم الجبان.

لم تدخل سوريا وإيران في الحرب.. لكني أتمنى أن تعم الحرب كل الكوكب.. لنرتاح. لقد مللنا منهم، وملوا منا. فلتكن الحرب.. هوا هيك وخلاص!

قافلة من الأطباء المصريين ستتوجه إلى لبنان. قلت لحنان اليوم إنني أريد أن أذهب إلى لبنان، ففزعت. سماؤنا عجفاء يا حنان.. على الأقل.. سماء لبنان ستمطرنا بصاروخ.. بشظية.. بأي شيء!

 

قتلوا (هدى غالية) بكل كرم وأدب ونخوة عربية. صورتها تطالعني في الجريدة والشيخ حمدان بن زايد – مشكورا – يستقبلها في أبوظبي. أجل، إنها حالة من حالات النخوة العربية - لا ننكرها على الشيخ حمدان - فالإمارات مشهورة بمواقفها الإنسانية. لكن.. إلا هدى غالية.. لا يجب أن تترك فلسطين، الآن بالذات!

تتهمني أمي بالقسوة.. ينهشني الوصف.. لا، أريد لهدى أن تحيا حياة كريمة.. أجل، لكن الحياة الكريمة ليست في القصر، ولا في اللباس الحريري، والقبعات الوردية. أريد لها حياة "كريمة".. أجل.. كريمة!

 

الحرب الباردة في عملي كما هي.. أفقدني تدريجيا.

كل صباح أحاول أن أرتدي شيئا غير العباءة السوداء، فأجدها مناسبة تماما لما أنا فيه.. اكتمل مظهري الميت بحذاء الرياضة الوردي ليضاف إلى بنطلون الجينز الوردي، وقميص الجينز الأزرق. مهما حاولت تغيير "اللوك" كل صباح.. أعود إليه، كيلا أتكبد عناء النقاش مع نفسي.. عن نفسي. هوا هيك وخلاص!

 

أكره القهوة من دون حليب، لكن دانه غير موجودة لتسحب "مـَجْ" القهوة من بين يدي وترجوني أن أبحث عن طريقة أخرى لأقرف نفسي بها. هوا هيك وخلاص!

 

عندما أحادث محمود إبراهيم أجده يخرج لي بكلمتين: انتي خسرتي، و.. كلاب. وشادي يبحث عمن ينقذ إيناس من قذائف الرعب المتساقطة على غزة. بينما أنظف بريدي مما تكدس فيه أتذكر أنني لم أرسل مجموعة "لأنها لا تموت" إلى أنور الخطيب، رغم أنه من بين أول من سطرت لهم إهداء انتظر عنوانه. سافرت وعدت.. ولم أرد على رسالته، ولم أرسل شيئا.. هوا هيك وخلاص!

 

حليمة رجعت لعادتها القديمة؛ سأعود من عملي في الثانية لأتناول أي غداء متوفر ولأجد أبناء أخي محمود في بيتنا – أو على وشك – فأحملني إلى غرفتي، وأنام متفادية طوفان الضوضاء. قد أستيقظ على صوت مكبرات محمود إثر نقاش "مألوف" بينه وبين أمي. أبي كفر بالنقاشات معه منذ زمن، بينما ما زال تفاؤل أمي يصر على أن "أمل التغيير موجود"، وفي العمر بقية.. و.... "إنك لا تهدي من أحببت".

 

مشروع الترجمة قابع فوق رف المكتبة. لم أتصل بمايكل جوركن، ولا برفيقة عثمان.. ولم أنته من صفّ التعديلات بعد على نسخة الكمبيوتر.

البارحة فكرت: يا سلام لو أن صاروخا يلتهم البيت! يا سلام لو أنهم يمهلوننا ساعتين لإخلاء البيت؟ هل كنت سأحمل – ضمن أولوياتي – مشروع الترجمة مثلا؟ لا بد أن الانفجار سيلتهم كل أوراقي.. هوا هيك وخلاص!

لماذا نزعة الاحتراق هذه دائما؟ أهكذا ينتهي بي المطاف في كل مشاريعي؟ الحرق!

 

حلمت البارحة بأن بركانا – مجهول المصدر – أطلق حممه على كل شيء.. بالضبط حلمت أن البركان قابع خلف تلك الجبال، وأن الحمم زحفت بسرعة لتلتهم الشارع.. ورغم أن بيتنا يقع على تلة، إلا أنها تسلقته. كنا نحاول الهرب، لكن الحمم حاصرت البيت، وبدأت تصعد شيئا فشيئا حتى وصلت درجات السلم. لم يخرج أحد من البيت. لم أحمل أي شيء معي، كنت – كما العادة – أتفرج من الباب على "المنظر المثير" للحمم الحمراء وفقاعات الهواء تفتح أفواهها في صوت أقرب إلى فحيح الأفاعي. السؤال الذي يطرح نفسه فقط في الحلم: يا غبية.. لازم تضيفي على مشهد الحمم درجة الحرارة.. معمروش فيه حمم بركانية في التاريخ حرارتها مش عالية! لازم تذوب شوية حاجات.. بنفعش هيك الحمم ماشية وكل حاجه زي ما هيّا، وانتي لا حرانه ولا عرقانه على الأقل!

أجيب أسئلتي بصبر نافذ من الحلم وفي الحلم: هوا هيك وخلاص!!!

 

هناك اتصالات كثيرة لم أقم بها، يجب أن أتصل ببسمة، وقطورة، وآمال، وربا، وأسماء، ومخلص، وهدى، ودانه، ومها، وماما نجاة، والفضل... و....... أعرف أني لن أتصل بأحد في النهاية. هوا هيك وخلاص!

 

الطائرة "الإسرائيلية" التي قيل إن حزب الله أسقطها البارحة لم تكن طائرة.. بل منطادا. هذا ما قالوه. لماذا لا يسقط إلا البشر هذه الأيام؟

 

... هوا هيك وخلاص.

 

(3) تعليقات

:: ليل طويل.. ونيل لا يهدأ

(كازينو النيل، طاولة، نسمة تراقص موجة، أبي، أحمد، حسن، قرنة)
 

5 يــوليــــو 2006

02:44 صبـــاحــا

بتوقيت القاهــرة

 

 
 

الناس خلية نحل، والنيل متحفز يقظ، ونسمة الهواء – التي بدأت أتعرف عليها الآن وآلفها – تهب مع منتصف الليل.

يبدو أن النعاس تسلل إلى العيون. قافلة من الأحلام والأمنيات تطل برأسها. أحمد يثرثر مع أبي بلا نهاية، ودفة الحديث تنتقل ببطء بيننا، وقلما لا تقاطعها مداخلة هنا أو هناك.

أتساءل عن السبب الذي دفعني إلى أن أقول لمي – عندما رأيت خطيبها – مباشرة: مي؟ هذا خطيبك بجد؟ إيش عملتي في حالك يا بنتي؟؟ طيب.. كتبت كتابك؟ لا؟ لسه؟ طيب الحقي حالك وسيبيه.. بلاش منه!!

كان خطيبها مستاء من التواجد في "هذا المكان" وبين "هؤلاء" الأشخاص.. ومتعجبا في الوقت ذاته من معرفتي لكم لا بأس به من الشباب والبنات معا، وكيف بإمكاني التنقل بينهم جميعا، خلال حوار أو مناقشة دون قيد أو شرط. أبي الحاضر مع الجميع، والسارح في الجميع، أصر على ألا "أحرج" صديقتي وخطيبها، وألا أؤخرهم ليلا.. ولهذا تركت جمع ديوان العرب وحاضريه، وعدت أدراجي للبيت مع أبي، لأسلم مي حقيبة سفر كان أبوها قد أرسلها معي لها. رفضت فكرة قتل السهرة – التي لم تبدأ – بعودتنا إلى البيت مستسلمين مع مي في سيارة خطيبها – الذي تاه في شوارع القاهرة إلى أن استطاع أخيرا أن يصل بنا إلى ميدان طلعت حرب سالمين – ولهذا، فقبل أن أغادر النقابة.. نقلت استيائي هذا إلى أحمد وقرنة وحسن.. ببساطة قلت:

الآن أعرف لماذا تفضل البنت مصاحبة ولد على مصاحبة بنت مثلها!

 

متجاوزين درجات سلم النقابة.. مي تشير إلى اللوحات القماشية المعلقة إثر مظاهرات دعم القضاة.. تقول: أمل.. انتي ليكي علاقة بدول؟

أتظاهر بالبلاهة: دول مين يعني؟

تؤكد: بتوع القضاة والحاجات دي؟

أهز رأسي نفيا.. وإيجابا: لأ، ويعني.. طيب هيا تفرق معاكي في إيش مثلا؟

تستنفر: ابعدي عن الأشكال دي يا بنتي.. دول حاجه تانيه خالص!

 

 

هذا الليل لا يريد أن ينتهي.. وليته لا يفعل. إنها المرة الأولى التي أجد نفسي فيها قريبة من النيل إلى هذا الحد. هنا في كازينو النيل.. أبي لا يرتاح في جلسته.. هو، وابنته، وثلاثة شباب، منتصف الليل. رغم أني لا أشارك في الحوار إلا بهزة رأس عابرة، أو ابتسامة في غير محلها.. إلا أنه لا "يبلع" الجلسة إطلاقا. والسهر الذي لم يألف جنون المدينة به يهد جفنيه. إنه يحاول استدراجنا للمغادرة. ولا بد سنقع في فخ الزمن في نهاية المطاف..

 

هو الزمن.. عدونا، صديقنا اللدود.

 

 

02:57 صبـــاحــا

 

 

(1) تعليقات

:: صـوت فلسطيـن

(نقابة الصحفيين، حفل، تكريم، عباد الشمس)
 

4 يــوليــــو 2006

09:21 مســـــاء

بتوقيت القاهــرة

 
 

 

الآن.. و"يا يمّـه" تصدح في نقابة الصحفيين.. في حفل توزيع جوائز مسابقة ديوان العرب الثالثة، ختاما.. ماذا تقول الكلمات عندما تتسرب لحظات كهذه من بين الأصابع كالسراب!

الإضاءة خافتة.. على المنصة فرقة عباد الشمس الفلسطينية.. ليتني تركت المنصة لهم منذ البداية! ليت كل الأسماء ذابت في نداءات الوطن المبتل في حناجرهم.

 

يحضر الحفل – إضافة إلى الفائزين والمكرمين – رفقائي.. وأبي بطبيعة الحال جالس إلى جواري بعد أن تركت المنصة. أحمد محجوب حاول أن يوازن الحفل عندما فقدت زمام السيطرة على الحضور بعد تقطيع كعكة الحفل وانتظار فرقة عباد الشمس أن ترتب حضورها على المسرح. أتذكره واقفا كالشعلة على المنصة.. فأضحك. يا لك من أحمد!

 

بجوار أبي يجلس حسن، ومحمد قرنة، وخلفهما مباشرة يجلس محمود إبراهيم، ومحمد سلطان، وصبري.. أحضر الثلاثة لي باقة ورد مغلفة بالأزرق، وهدية يوم الميلاد، لم أتبين كنهها.. لكنني أستطيع التنبؤ بأن وراءها ما وراءها من ابتسامة محمد سلطان الخبيثة!

 

أثناء التقديم كان الأديب الفلسطيني/ عبد القادر ياسين يجلس إلى يميني على طاولة التكريم.. بعد كل فقرة ينحني ناحيتي ويسألني: شو بعده بابا؟ خلصتي؟ شو باقي بابا؟

أكره أن يناديني أحد معقبا: بابا، أو ماما. اكتشفت أن هذه النبرة تشمل الجميع. لكنني لم أستطع أن أبلعها.. تمنيت لو أنه جلس على الناحية الأخرى وليس على يميني مباشرة. في ختام التكريم.. توقعت أنه مثلا سيوزع علب الحليب على الجمهور، وبعض الحفاظات كيلا يتسرب الوطن منهم ليلا!!

 

لم تسلم عليّ أي امرأة من المكرمات. تعجبت لأن بعض المكرمين كانوا يميلون بالسلام عليّ قبل أن يتسلموا دروع التكريم، بينما لم تفعل امرأة ذلك. يا للسخرية! كنت في حاجة إلى وجود الإمام الشافعي حقا.

 

سجلت بعض المقاطع المغناة على الموبايل، أتمنى لو أنني أستطيع البكاء كما يليق.. لكن الدمع يخونني، أبحث عنه في عيني.. لا أجده.. لماذا؟ لماذا أحرم من راحة البكاء؟ دمعة واحدة لا تكفي يا رب.. لا تكفي أبدا.

 

لا أدري كم سيطول بنا الزمن ههنا. لكن فقرات الحفل الروتينية تلاشت عن ذاكرة الجمهور الذي تفاعل مع الفرقة الآن.. تتحول فلسطين إلى فراشة تتنقل في سماء النقابة. ما أقصر عمر الفراشات!

 

يبدو أن مي وصلت الآن.. كم هي مبكرة!!!! أحمد مستاء نوعا ما، ويبدو أنه غير مرتاح لسبب لا أعلمه، سأذهب لاستقبالها.

 

 

09:26 مســـــاء

 

 

(0) تعليقات

:: خلوة مع ذاكرة المواعيد

(شقة 38، الدور4، طاولة الصالة، كرز، باقة ورد، شمس تروح وتجيء من النافذة)
 

4 يــوليــــو 2006

11:45 صبـــاحــا

بتوقيت القاهــرة

 

 

بينما أتناول الكرز الذي هطلت به السماء منذ وطئنا الشقة، وأتأمل باقة الورد التي تلقيتها في المطار، وراديو أبي يصدح في الغرفة المجاورة، وهو مستلق على السرير يتأمل دفتر الأحداث.. بينما كل هذه الأشياء الصغيرة تحدق فيّ أجدني كطفلة أطالت ضفيرتيها حديثا، وأخذت تقفز هنا وهناك مراقبة كيف تلحق بها ضفيرتاها كظلها.

 

يبدو أنني ألفت هذه الشقة، وربما نتج ذلك بعد أن نظفتها اليوم بمجرد استيقاظنا حوالي السابعة والنصف صباحا؛ فقد هدنا سهر البارحة حتى الثانية والنصف صباحا.. وهو السهر الأول لأبي.. خارج "الديار المقدسة".

الخشب سيد الموقف ههنا، والأرض الخشبية تلتهم الخطوات بنهم.. أتخيلها بحرا لجيا، أو أن بلقيس ستحلق بجناحيها عاليا خشية أن تنهار الأرض الخشبية تحت قدميها الرشيقتين.. مهما يكن!

 

لم تكن حكاية "ادخل برجلك اليمين" جوهرية لتدخل الشقة إلى قلبي.. للوهلة الأولى أحسست بالوحشة، انسلخت ذاكرة المكان عنّي وظلت متشبثة ببيتنا في رأس الخيمة. أكره سكنى الشقق على اختلافها؛ فهي كصناديق المعلبات.. لا تعترف بجنينة، ولا بأي فضاء أو زرع أو رمل. غبار المستأجرين السابقين يلف الشقة، وذاكرتها مخنوقة تماما.

الآن.. لا يبدو الأمر كذلك.. أحب فيها شيئا لا أملك تفسيره.. ربما سأتعرف على أسبابي الجديدة فيما بعد.

اتصلت بي ميّ لتطمئن علينا حوالي الحادية عشرة صباحا، فطلبت منها بضع أشياء كشرشف للسرير – نمنا البارحة بلا أغطية أو شراشف.

اتقنص أبي الفرصة ليخرج للتسوق لأول مرة، فاشترى لنا الخبز والشاي والسكر، وأكوابا بلاستيكية.. يبدو أنه وقع ضحية احتيال في بضع جنيهات.. لا بأس! إنها ضريبة هزلية لا بد منها.

أحضّرني الآن لكتابة مفتتح الحفل، ولدينا موعد للقاء أشرف وجورج وأحمد في قهوة "جروبّي" الساعة الواحدة عصرا..

 

فإلى هنــاك.

 

 

11:57 صبـــاحــا

 

(3) تعليقات

:: نيل.. ولقاء على الخطوات

(سفينة، طاولة، ستة)
 
 

 

4 يــوليــــو 2006

01:00 صبـــاحــا

بتوقيت القاهــرة

 
 

 
 

في هذه الساعة المتأخرة/ المبكرة على حسابات القاهرة، نجتمع على طاولة النيل، في مطعم يستقر على باخرة Nile City . أبي، وأحمد محجوب، وجورج قندلفت، ومحمد شمس الدين، وأشرف شهاب الذي وافانا متأخرا بعد أن أحضر د. زياد محبك وأسرته من المطار.

 

أحس بالنعاس والجنون معا، ولا قدرة لي على استراق النظر إلى كل شيء دفعة واحدة – خاصة بعد أن أصر أبي على المشي من ميدان طلعة حرب – حيث شقتنا المؤجرة – إلى الباخرة.

لم يكن هناك "فوووووووول أكشن" في المطار – كالعادة – فأبي فوق سن الترحيل.. ويبدو أنهم لا يرحلون الفتيات إلا بطرق أخرى لم أجربها بعد!

 

بمجرد هبوط الطائرة على مدرج المطار، فتح أبي دفاتر النقد العتيقة، والمقارنات الغابرة بين مطار القاهرة، ومطار دبي.. وجدتني فجأة في موقف الدفاع عن هذه المدينة التي حملته إليها بإصرار مسبق. اتفقنا على براعة كابتن الطائرة في الهبوط والإقلاع... في نهاية الأمر.

استقبلتني في المطار صديقتي وزميلة مقاعد الثانوية – مي هاني – لم تتغير.. لكنها مشرقة كما لم تكن/ نكن من قبل، وكذلك استقبلنا أحمد محجوب – غريمي الأزلي – وسرعان ما نشأت بينه وبين أبي حالة من الأنس الاجتماعي الأليف.

 

نتناول وجبة "هستيرية" من المعكرونة والدجاج والجمبري وخلطات عجيبة يصر نادل المطعم على جودتها. لا أحد يكمل طبقه، ويبدو أبي مستاء من الأطباق جميعها. لكن جو النكتة لا يفارقنا من قائمة الطعام "العربية" التي تفتقد إلى عربيتها.. إنها الباستا يا رفاق! أتذكر باستا الكريمه التي أتناولها من حين لآخر في مطعم إيطالي يحفل بذكريات "المغامرات" الأولى.. عندما كانت تصر صديقتي حنان – المنقبة – على أن نأخذ آآآخر طاولة في الركن، وأن أجلس قبالتها، كي تستطيع تناول طعامها دون أن يراها أحد.. هناك عندما تعلمت لأول مرة كيف تأكل المعكرونة (السباغيتي) بالشوكة والمعلقة، وسلطة الملفوف بالمايونيز التي لم تكن تطيقها!

 

غدنا صاخب وحافل.. ولعل هناك المزيد بعد من الدهشة. أصاب بدوار الأسئلة، وعلامات التعجب، والقلق.. ولا أدري أين أسير، أو إلام أنظر...

 

لعل الله يرحمني..... رحمة وااااااااااااااااسعة.. تسع كل شيء!

 

 

 

01:09 صبـــاحــا

 

(0) تعليقات

:: K48 , H48

3 يــوليــــو 2006

03:33 عـصـــــرا

 

 

 

على المقاعد.. الأحزمة مربوطة، وكذا الأفكار، والطائرة توشك أن تقلع. مقعدي على النافذة، وبجواري أبي. نافذتان تطلان عليّ.. على عكس المألوف، داائما.. في كل رحلاتي هناك نافذتان، أهي مصادفة أم سخرية!

أتابع نقل الأمتعة إلى قلب الطائرة من النافذة.. هناك كاميرا مثبتة في مقدمة الطائرة لنقل مشاهد ما خارج الطائرة للركاب أيضا.

 

أتخيل حالات سقوط الطائرات المتوقعة.. من الأمام، من الوسط، من المؤخرة! أتذكر أبي يقول: يذكرني هذا بيوم القيامة – يقصد حشود الناس في المطار – وأتذكر مرة أخرى حسن.. وهو يدعو لنا بحسن الخاتمة!

هي خمس ساعات ربما.. تلك التي تفصلنا عن وجهتنا، وما وراءها.

 

أرض المطار مكتظة بالعمال اللاهثين في هذا الصيف القائظ. ملثمون – معظمهم – أو مقبَّعـُون – لعل هذه الشمس تكف عن جنونها الصيفي، والرقص فوق رؤوسهم.

أتخيل عدد الحقائب التي مرت على سائق الحمولات.. هذه الأرض التي هبطت عليها كل تلك الطائرات....

 

الحياة.. سريعة، قصيرة، لا تعرف الوفاء.

 

 

03:40 عـصـــــرا

(0) تعليقات

:: النداء الأول.. أيها الخليج

3 يوليــــو 2006

1:48 بعد الظهر

 

 

 

أجلس وأبي في انتظار فتح البوابة رقم 20 – والتي ما زال طاقم طيران الإمارات قابعا فيها لصالح رحلة لدمشق. مطار دبي رغم اتساعه يبدو متخما بالمسافرين. أبي يطالع جريدة الخليج التي اشتريناها للتو من السوق الحره، يغمره فرح طفولي بعد أن غمرته الدهشة من تصفح مبنى المطار الذي لم يدخله مسافرا منذ صيف 98. أما أنا فألملم شتات الإنفلونزا بدواء اشتريته، وكذا ألملم شتات الأفكار التي تأخذني هنا وهناك، لعلي أنتهي إلى كتابة تقديم الحفل قبل أن نصل القاهرة.

بسام أرسل رسالة على الموبايل.. إنه أول الحاضرين دائما في المفاجآت، يقول فيها: "نورتِ مصر"!

حادثتني ربا، وآمال، وحنان.. وها نحن..

امرأة تجلس على بعد كرسيّ عني.. تفتح حديثا وديا بينما يذهب أبي للبحث عن مسجد يصلي فيه الظهر والعصر قصرا. اسمها أم هيثم، وهي مدرسة لغة إنجليزية مستقيلة.. نتبادل أرقام الهواتف. ترحب بي هي الأخرى.. لا أظن أني سأقابلها في مصر، هي عزومة "مراكبيّه" لا أكثر.. لكنها تكفي لترتطيب وحشة السفر المتصاعدة في الجو.

 

لا أملك أن أصف شعوري وقد غدوت "بنت بطوطة" العائلة – كما يقولون – وبيني وبين قارة إفريقيا معرفة سابقة.. وذاكرة مشتركة.

إبراهيم الكوني يتحرش بفضولي.. لن أقرأ أي كتاب الآن، ولن أخرجه من حقيبة السفر الصغيرة التي رفضت أن أسلمها مع الأمتعة. هناك دائما رائحة خيانة تسري في دماء الحقائب.. فكيف إن حملت كتبا لإبراهيم الكوني؟

ربما سأقرأ الكوني عندما ندخل البوابة..

 

سأطيــر…..!!

يا رب،، التقطني.

 

 

1:55 بعد الظهر.

(0) تعليقات

:: ست الدنيا

صوت ماجدة الرومي
يتردد في أنحاء الغرفة، وهي تشدو: "نعترف أمام الله الواحد نعترف.. أنـّا كنا منك نغار.. وكان جمالك يؤذينا.. نعترف"....... إلى أن تجتاحك تماما: "يا بيروت.. يا بيروت يا ست الدنيا يا بيروت.....".
في البداية كانت الأغنية إحدى دعامات الضوضاء الدخيلة على حياتنا، بعد أن اجتاح أبناء أخي محمود حياتنا بأصواتهم العالية - وكذا محمود "مطرب" الضوضاء العالمي - وكان الشريط الذي يضم أغاني ماجدة الرومي - ابتداء بـ"كلمات" وصولا إلى "ابحث عني" - كالخبز اليومي أثناء إعدادي لامتحانات الثانوية العامة. فأجمل ما في ماجدة صوتها الحاد والعالي والمستفز.. ذلك الذي يجعل أمي تتعقد في سماها.. وتصيح - غير مستوعبة سر حماستي الجديدة لضوضاء تبلع ضوضاء أسوأ منها - قائلة: طـَفّي ع هاللّي بتْنـَــوِّح!!
أمي من طراز "فرايحي" جدا.. وعابقة بالتفاؤل، وابتسامتها تدور دورة كاملة من أذنها لأذن أي شخص يجاورها، ولهذا فمن الطبيعي أن تفضل أغاني حكيم.. وشعبولا مثلا على أغاني "هاللي بتنوّح".
 
كل هذه اللفة لأني لا أريد أن أعلق على مشجب المدونة صورة جريحة للبنان - رغم أن جرحها اليوم فخر للجميع - حتى وأنا أستعيد ذكريات اجتياحها الأولى.. واسمي الأول الذي نقش على باب "أمل".. سنة 82 لعيون لبنان. هل صورة دخان متصاعد إثر صاروخ أو صاروخين تكفي لأكتب تحتها تعليقا يفي بمأساتنا اليومية؟! لبنان أكبر من صورة تتناقلها المدونات..
لا أنكر على الصورة دورها الإعلامي، لكن العالم أعمى.. أعمى.. أعمـــــــــى.
 
تصفحت أخبار البارحة، فوجدت "أفواج" السياح اندلقت عائدة إلى موائدها في دول الخليج.. لتعوض رحلاتها السياحية التي أفسدت بهجتها صواريخ "إسرائيل".. ووجدت عنوانا عريضا حد القرف.. عنونت به إحدى الصحف حالة الجزع التي ألمت بمواطنيها.. هكذا: "عشنا لحظات من الرعب".
 
رعب!!
ما هو الرعب؟
هل عشتم حقا لحظات من الرعب!
ذلك الرعب الرطب كرطوبة هذه البلاد؟
من منا يعرف الرعب الحقيقي..؟ من منا عاش الرعب الحقيقي لحظة؟ من منا عاد فلم يجد بيته.. لم يجد أهله.. لم يجد وطنه؟
نحن لم نعش إلا الجبن.. ولم نأكل  إلا الجبن فقط!
 
 
في "سيستم" هذه البلاد.. خرجت لأوقف أي "تاكسي" يوصلني لعملي؛ لأن سيارتنا معطلة.. استكبرت على نفسي المشي في حرارة الشمس بضع دقائق. مر حوار قصير بيني وبين نفسي.. كانت الأولى تتساءل عن الفرق بين المشي في شوارع القاهرة بنزق طفولي.. وتجاوز السيارات بضحك المغامرة.. وكل تجارب المواصلات، وبين "استكبار" المشي وانتظار "تاكسي" هنا..
تلك التي كانت هناك.. ليست هذه التي تكلمني الآن.
 
ولبنان التي تأكلها شاشة الفضائيات.. ليست "ست الدنيا" التي تعرفها ماجدة.. وننذر أسماء أبنائنا لها.
 

(1) تعليقات

:: بهيـّة ومقلوبة تمـّوز

 
 

 

في حضن بهية كل شيء مختلف..

يبدو الكون مشرعا على احتمالات مفتوحة دائما. هناك مساحة من الزحام والفوضى والشحاذين والأمنيات الملقاة على الأرصفة ونداءات الباعة ودبابيس المناديل في أيدي الصغار.. تصل بك إلى ميدان طلعت حرب والتحرير ورمسيس وروكسي والهرم وقلعة محمد علي.

 

منذ فبراير/ شباط 2004 وعدتُ أمل بأنها ستزور مصر.. وبررت بوعدي أخيرا يوم 3 يوليو/تموز 2006. لا داعي لقضم أظافر الزمن بين سنتين من اليقين الإلهي العجيب بأن كل شيء سينزل على أجنحة الملائكة من السماء ليستقر بين يدي. فكل شيء تم هكذا.. سألت الله أن يكون.. فكان! لا داعي للمزايدات على دعاء حرص أحد الملائكة على نقله كما هو بدقة.. حتى وإن لم يفهم ما وراءه من أسباب!

 

نذرت في وقت متأخر فقط – قبل السفر إلى مصر بحوالي شهرين ربما – أن أعزم رفقاء الحرف على مقلوبة أعدها لهم بنفسي. لم يسبق لي أن أعددت طبخة "وطنية" – بكل ما تحمله الكلمة من معنى – من قبل وحدي من البداية وحتى النهاية. كانت هناك تفاصيل بينية تحرص أمي على إضافتها على حين غرة، أو على حين ضجر من مراقبتي – الإلزامية – لها مثلا.  بإمكاني إعداد أكلات أخرى أخف وطأة من إرث فلسطيني ثقيل كالمقلوبة.. تلك التي يكفي اسمها ليزرع فيك شيئا من الرهبة والترقب!

لا أدري ما الذي حدا بي إلى مثل هذا النذر أو الوعد.. بهية قلبتني من العمق!

 

عشرة أيام ليست كافية حتما في حضن بهية، ليست كافية إلا لتتركني على الحياد من اتخاذ أي رأي يتعلق ببهية كعروس كاملة البهاء تليق بأن تتزوج المزيد من الشرفاء واللصوص في آن واحد. مع ذلك، استطاع أبي – الذي سكن مصر أيام شبابه ودرس في أزهرها – أن يصل إلى قناعة بأن بهية الحالية هي "زوجة أب" وأن بهية "أمه" التي عرفها ماتت منذ زمن.. ربما منذ أن تحول "رواق الشّوام" في الأزهر إلى مركز أمن!

 

البداية كانت بدعوة لحضور وتنظيم حفل مجلة ديوان العرب، في دورة المسابقة الثالثة والتي خصصت لأدب الأطفال، ولتكريم عدد من المبدعين العرب. والنهاية كانت بإغواء القدر لتمرير دراسة ماجستير الترجمة في جامعة عين شمس.

 

دفتر المذكرات يحفل بيوميات الرحلة "البطوطيّة" – فمنذ فتحت طاقة المسافة انهالت أختام المطارات على وثيقة السفر المصرية للاااااااجئيييييين الفلسطينيين خاصتي، وذلك فيما يشبه الاتفاق السنوي الصيفي – ولا بد أن نقول إن شكل الدفتر لا يحول دون وظيفته المألوفة، فهذه المرة لم يكن هناك شريط بنفسجي على جانب الدفتر، ولا حنظلة مستنفرا على غلافه.. إنما صورة غبية لبنطلون جينز أخضر، هو كل ما استطعت الحصول عليه من بقايا دفاتر المدرسة غير المستخدمة عند إسماعيل ومحمد أبناء أخي محمود!

لذلك أستطيع أن أعد بهية بنشر غسيلها على مدونتي – مهما كان نوع ملابسها ولونها وأغراضها - رجوعا إلى قناعتي بأن آمن طريقة لحفظ الأسرار هي نشرها على الملأ ببساطة.

 

كل الصور التي حفل بها الموبايل – بلا تعريب – في الغالب كانت صورا لبهية وهي في أوضاع مختلفة – ليست مثيرة على كل حال – ولكنها هادئة ووادعة تماما، أو صورا لأبي وهو يتجول أو يفكر هنا وهناك، أو صورا للشقة التي اتخذتنا سكنا، والمطلة على شارع حسين باشا معمار، وميدان طلعت حرب. للأسف لا يظهر "شحته" البواب في أي من الصور، رغم أني عرضت على أبي التقاط صورة تذكارية مع هذا الذي لم يستطع أن يشفي كرامته من دهشة اللقاء الأول، حين ظنه أبي للوهلة الأولى "بلطجيا" – ولا يلام! – عندما امتدت يد شحته كالكماشة لتحمل أمتعتنا إلى الشقة دون أن نطلب منه.. بعد أن هبط علينا من السماء هكذا كحجر من سجيل! كيف لا، وقد حملنا وصايا لقمان وبنت الحارث مرورا بتعاليم بوذا.

 

عندما أجلس الآن على طاولة الحاسوب، وأسترق النظر إلى قطتي "حَسـْنا" – تلك التي أدهشتني بولادتها لأربعة قطط أثناء سفري، خبأتها في رحم الأمنيات عن أعين الفضوليين بسواد فروها على ما يبدو – أسخر من هذا القدر الذي جعلني دائما على موعد مع إشارات محملة على قوائم القطط وبين عيونها الملونة كيومياتي. لم أتعرف على أجناس صغار حسنا حتى الآن.. لكنني – وبالاتفاق مع أبي – قررنا تسميتها أسماء سيعلن عنها في وقتها، لا تخلو من خبث.. ومحبة.

 

عدت إلى كل تفاصيلي اليومية.. كأنك عندما تسافر تستدعي برنامجا مخصصا للسفر تقوم بتركيبه بما يتناسب مع إمكانياتك، ثم تمسحه حالما تعود إلى سيرتك الأولى. مع أن صديقة المدرسة – مي هاني – أكدت لي أن أمل إسماعيل لم تتغير أبدا.. وأنها هي هي التي تقف أمامها فعلا، إلا أني كنت أحس بحاجتي الماسة إلى كل وسائلي الدفاعية لأبقي أمل إسماعيل التي أعرفها في القمقم.. وأن أترك مساحة أوسع للتهريج الذي تراه أمي دائما.. "خفة" لا يجب أن تكون في البنات، وهذا ما يؤدي إلى أن تظهر كل صورنا – نحن بنات العائلة – أشبه بمجندات في معسكر حربي.

عدت أيضا إلى عباءتي السوداء –  وإن كنت ارتديت اليوم حجابا ملونا احتفالا بالعودة – ووجدت المكتب عابقا بغبار الذاكرة، والجامعة على حالها، ونيرمين على وجعها وهمها اليومي.. حتى أنها لم تعطني مجالا لأصف لها بهية بما يليق.. بل عاجلتني بتسطير تفاصيل العمل والبيت وكل ما يخص البؤس المرحلي – الممتد – الذي نمر فيه، لأشك في أنني سافرت حقا أو غادرت هذه البؤرة الموبوءة من قارة آسيا!

 

بين نطحة زيدان، ونطحة حسن نصر الله فارق كبير.. وبين نطحة اللقاء الأول بكل رفقاء الحرف الذين كان تواصلي معهم "إنترنتيا بحتا"، وبين أولئك الذين كان تواصلي معهم حقيقيا تماما.. فارق أكبر. إذ أحسست بنطحة خالصة من القدر، مع كل الاحترام والتقدير.. جعلتني أواصل سخريتي المريرة منه، بعد أن استطعت أن أجالس رفقائي الإنترنتيين – والاحتفاظ بماء الاحترام من حين لآخر مع نظرات أبي القلقة  لأن ابنته تعرف من الشباب أكثر مما تعرف من البنات مهما كانت طبيعة المعرفة وحدودها!! – ولم أتمكن من مجالسة رفقائي الذي تعرفت عليهم في مسابقة جامعة ناصر مثلا.. وكانت لي معهم حلقات نقاشية واسعة وجها لوجه.. يفترض أنها أعمق من تلك الإلكترونية.

أخص بالذكر هنا رفيق الحرف/ محمود إبراهيم.. والذي جعلني أعض على أصابع الزمن، كلما بحثت عن براح من المسافة لأجده.. وكلما ضقت ذرعا بأجهزة الاتصال معدومة الفائدة، تلك التي لا تجدها عندما تبحث عنها، أو تلك التي تجدها لكن لا تجدك أنت.. لأن وجودك معها "ليس مهما" في نظر السلطات العليا وقتها.

مرة واحدة سمحت لي بهية باستخدام الإنترنت، في مقهى إنترنت هادئ في مدينة نصر، ولساعة واحدة من الزمن، لم تكن فيها سرعة الإنترنت كافية لتدوين سلام "تيك أوي" في مدونتي!

 

أعرف أن أمي الآن ستفتح الباب.. وستقول لي: رجعنــاااااااا لهـــُبـــَل؟!!!!!!

للأسف.. ليس هناك كوبري قصر النيل؛ لأترك عاداتي اليومية المضجرة وأغرق أمنياتي في موجات نهر أسود الذاكرة أبيض القلب.

 

اللوحة المغناطيسية ما زالت تشير إلى 3 يوليو.. وإلى موعد السفر.. سأمسحها.. وأفكر في شيء ما أكتبه عليها لأنجزه – بغض النظر عن الخلفية الموسيقية الممزوجة بمواء تلك القطط/ الفئرانية الرفيع جدا، أو بمحمد منير الذي يصر على أنه: "لو بطلنا نحلم نموت".

 

إنها المقلوبة... والمقلوبة عليكم جميعا.. جميــــعا!

(0) تعليقات

:: قبل أن أطير..

مواء "حـَسـْنـا" من تحت نافذة الغرفة يبتلع أفكاري المستيقظة مع هذا الصباح الهادئ. فتحت النافذة فوجدتها مستلقية على الرمل تراقب الحمامات - كالعادة - وحلمها بأن تحظى بإحداهن في وجبة الغداء أو العشاء لم يتبدد بعد. قبل أن أستيقظ كان آخر حلم حلمت به هو اتصال هاتفي مع صديقتي اللدودة "آمال مفدي". لا أدري ما حاجة النائمين إلى الاتصالات الهاتفية! لكن المضحك أني أقفلت معها "خط الحلم"، ثم استيقظت، فوجدت الفجر لم يحن بعد، فعدت سريعا إلى النوم لأتابع الاتصال وأنا أصيح - في الحلم طبعا: آماااال.. لا تسكري الخط!!

يبدو أني سأفتح خطا مع من لم أرهم في الحلم، أولئك "السيبرونيين" الذين أعرفهم. سأطير من هنا لهناك بلا توقعات مسبقة إلا دهشتي من السفر في حد ذاته. أعرف أن صوت رفيق الحرف "أحمد محجوب" بدا فرحا و..مرعوبا من هذه المخلوقة التي ستطير بأجنحة الأمنيات لتهطل من سماء مصر على رؤوسهم. ولكن ماذا عن الرعب الذي يسكنني في مقلوبة الأفكار التي تجتاحني؟!

بين حقائبي وبيني مسافة من الدهشة، وغرفتي مقلوبة تماما، أخشى الآن من السفر لاعتبارات كثيرة أهمها أن مغارتي - الغرفة أعني - ستكون محط اكتشافات مثيرة لأمي إن أحبت الولوج إلى دهاليزها. ربما لن تجد شيئا مهما لكنها ستجد أشياء تذكي فضولها وتعدها بإجابات انتحارية حال عودتي مثلا. وهل سأعود؟ من يدري.. لعل الطائرة تسقط أو لعلي ألقي برأس أمنياتي من فوق الهرم أو أبو الهول! وإذا سألت أخي محمد عن احتمال سقوط الطائرة فسيقول بالتأكيد: لازم تضحي أمل عشان أخوكي حبيبك، أنا بدي أتجوز ويعني لو متّي التعويض بنفع.. يالله معلش بندبر حالنا فيهم!
تزامنت أول سفرة لي بالباخرة مع خروج فيلم "تايتانك" إلى النور.. أذكر أننا تفرجنا على النسخة الأصلية للفيلم - دون قطع - كالبلهاء وفي سرعة البرق. لم نر الفيلم كاملا، بل رأينا المقاطع المهمة منه - المهمة لا تعني ما يهمكم أنتم بطبيعة الحال!! - وكان أخي حسام مسؤولا عن "تقليب" صور العرض ليصل بنا إلى المطلوب: لحظة غرق السفينة.

شاهدنا هذا الجزء ثم خلدنا إلى النوم، لنسافر في اليوم التالي إلى ليبيا.. مرورا بجزيرة مالطا - كانت ليبيا سنة 1997 قابعة تحت الحصار - ومن مالطا حملتنا الباخرة إلى ميناء طرابلس. "كابتن زماني".. اسم الباخرة. كانت مكونة من خمسة طوابق، ولكننا لم نر الطوابق بقدر ما رأينا اتساع البحر وعظمة الله في خلقه. في الليل.. فتحنا أبواب النقاش - أنا ومحمد - كملكي موت أمام أمي: هااا.. كم ساعة بدها السفينة عشان تغرق؟ محمد شوف تحت السرير فيه طوق نجاة؟ طيب قولك قوارب النجاة مش خربانه؟؟
إلى أن صاحت أمي.. بكفي انتي وياه قاعدين زي الغربان تنقـّو!

لم تغرق السفينة.. على الأقل بإمكاني التأكد من ذلك بما أني أكتب هذه الكلمات الآن.
 
هناك ما يجب أن أنتهي منه قبل السفر إذن.. سأرتب الغرفة - قدر المستطاع - وسأشرب مرمية كيلا أصاب بغثيان الدهشة. ولعلي سأودع شجرة الفتنة وحسنا وشجرة الرمان التي تقبع في جذورها مسودة مجموعتي القصصية المحترقة.

وهناك أيضا.. وصايا أمي المثقلة بالذهب والدعوات، لكن آخرها دعاني للتأمل إلى ما شاء الله.. وهي تقول: أوعي يا ماما تفتحي مجال لحد يعجب فيكي أو يحبك.. حاولي تصدي أي مشروع "حب" بلباقة واحترام.

ألملم الفكرة.. كم أحبك يا أمي!

دعوني الآن..
سأودع خد آسيا الشاحب.. إلى إفريقيا.. دم الغزال!

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية