رحيق
.

:: حملة لكنس المدونات

انتشرت مؤخرا استبانة مكونة من مجموعة أسئلة موجهة لأشقياء المدونات.. وكان من نصيبي أن تصلني هذه الاستبانة عن طريق رفيق الحرف/ محمد قرنة –  ميزو –  في استدعاء بريدي  ذكرتني بالأفلام المصرية القديمة: يطرق الباب بعنف -  يحدد نوعية الطرق واقتحام المنزل سخونة الفيلم –  ثم يكلبش ضابط الشرطة في المتهم المسكين – الذي غالبا ما يكون في ملابس النوم، أو "نوم" الملابس – ويقتاد على مرأى من الجيران وخليط من صيحات البعض وزغاريد الشامتين.

 

رغم سذاجة بعض الأسـ/ـهلة، وإحساس جميع المدونين بتسلل "توابع" حالة الاستجواب المبطن إليهم، إلا أن الجميع جارى اللعبة.. ويبدو أني سأمضي على نفس الطريق. لعل كل واحد فينا يراجع الأسئلة التي لم تطرح مع نفسه.. وياااااااا مسهههللللللللل:

 

 


 

الأســـ/ــهلة

 

ـــ هل أنت راض عن مدونتك شكلاً وموضوعاً؟

حاليا.. أجل، لكن منحنى الرضا لا يتوقف عند مؤشر أبدا.. صعودا كان أم هبوطا!

 
 

ـــ هل تعلم أسرتك الصغيرة بأمر مدونتك؟

ماذا تعني "أسرتك الصغيرة"؟ الأسرة التي أعرفها لا تؤمن بمقاييس العدد والمسافة!

حسنا.. على نطاق العائلة، أخي بسام يعرف عن الموقع والمدونة ويتابعهما باستمرار.. ويستقي منهما أخباري، وأخبار الجميع – لأنه في لوبيا – أما بقية أفراد العائلة، فيعلمون ولا يعلمون. أظن الأمر لا يشكل خطرا على الأمن القومي، ولا يمس بمصالح المخابرات المركزية!!

 
 

ـــ هل تجد حرجاً في أن تُخبر صديقاً عن مدونتك؟ هل تعتبرها أمرا خاصا بك؟

لا، طبعا. طبيعة الإنسان المكاشفة – مع قليل من اللؤم.

عفوا.. هل يمكن ألا تكون المدونة أمرا خاصا بي؟؟ كيف يكون ذلك! هوا اللي بتكتب فيها بنت الجيران مثلا!

 
 
ـــ هل تسببت المدونات بتغيير إيجابي لأفكارك؟ اعطني مثال في حالة الإجابة بنعم

سيرا على تعاليم "أم محمود" – الله لا يحرمني منها أبدا، فإن الإيجابية معجونة مع خلطتنا منذ الولادة. لذلك لا تقاس الحالة بـ"تغيير". تستطيع أن تسميها "حالة تنفس طبيعي".

 
 

ـــ هل تكتفى بفتح صفحات من يعقبون بردود فى مدونتك أم تسعى لاكتشاف المزيد؟

في الغالب مدونتي يومية شخصية، لذلك فأغلب المتصفحين هم رفقاء حرف وأصدقاء، ومدوناتهم تشكل مشروع تلصص يومي!

طبعا غالبا ما لا يكون تصفحهم لله.. يعني بإمكاننا القول إنهم يتصفحونها لـ"الاطمئنان" على أنهم بخير.. بين السطور!!

بالنسبة للمدونات نفسها، أتصفح منها ما يعترض طريقي، وأحيانا أبحث عما يشدني من مواضيع أو عناوين من خلال إعلانات المدونات على موقع جيران مثلا أو مكتوب.

 

 

ـــ ماذا يعنى لك عداد الزوار.. هل تهتم بوضعه فى مدونتك؟

لم أجرب أن أجري أي تعديلات على مدونة جيران هذه، لذلك تركتها دون عداد – رغم أنها تحوي عدادا داخليا اكتشفته مؤخرا – أحيانا أتابعه، وأحيانا لا.. لكنه يركض بسرعة هذه الأيام حسب ما أرى!

 

 

ـــ هل حاولت تخيل شكل أصدقائك المدونين؟ اعترف

حتى فترة ما.. أجل كنت أتخيل بعضهم، لكني تعرفت عليهم مؤخرا وكانت مقلوبة ذاكرة وذكريات من أجمل أيام حياتي. رغم ذلك، هناك "شكل" للمدونين.. لا يمكن أن يظهر إلا في مدوناتهم فقط.

ثم تعال جاي.. إيش "أعترف"؟؟ إيش بدو الواحد يتخيل في شكل صحابه/ صاحباته من المدونين؟؟ هيا مدونات وللا "أفلام ثقافية"!!!!

 
 
ـــ هل ترى فائدة حقيقية للتدوين؟
"التنفـــــــــس"... بلا شك..!


ـــ هل تشعر أن مجتمع المدونين مجتمع منفصل عن العالم المحيط بك أم متفاعل مع الأحداث؟
هناك مجتمعان الآن: مجتمع أصحاب المواقع، ومجتمع المدونين..

المجتمع الأول شبه منعزل، لأن تحديث مواقعه أو متابعتها يتم أحيانا بشكل سلبي، أو متأخر عن الحدث – كما يحدث معي غالبا!! – لكن بالنسبة للمدونين، فسهولة المتابعة والتحديث تقدم لهم دعما غير محسوس، لمواكبة الحدث، وللتعبير عن تفاعلهم الحقيقي بلا رتوش. فالاهتمام هنا لن ينصب فقط على شكل المدونة – المحدد سلفا – بل على ما تحويه. وعني شخصيا.. اكتشفت أن شبابنا ليس تافها ولا سلبيا.. وأن كل تلك الترهات التي تطلق على جيلنا – جيل المعااااااجز – زيف وافتراء. المدونات جمعت ما لم تستطع الأنظمة جمعه أو إذكاءه.

 

 

ـــ هل يزعجك وجود نقد بمدونتك ؟ أم تشعر أنها ظاهرة صحية؟

صحية.. وتحتاج إلى تطعيم بين وقت وآخر.

 

 

ـــ هل تخاف من بعض المدونات السياسية وتتحاشاها؟

هنا – حتى الآن على الأقل – لا تلاحـَق المدونات ولا المدونون.. من يدري، لعلي أصبح سابقة مثلا!

طيب.. سأفكر أن أسأل الرئيس الإيراني "نجاد" هذا السؤال!!

 
 

ـــ هل فكرت فى مصير مدونتك حال وفاتك؟

كان هذا أول سؤال طرحته أساسا في المدونة.. في نافذة "سيحدث أن...." أسئلتك بايته يبني!

 

 

ـــ آخر سؤال : تحب تسمع أغنية إيه- بلاش صيغة آمال فهمي دي - ما الأغنية التي تحب وضع اللينك الخاص بها في مدونتك؟

اكتشفت أن "ميزو" الحرامي.. يحب سماع نفس الأغنية المحببة إلى قلبي (إديش كان في ناس فيروز) لكن رغم ذلك، قبل هذه الأغنية، هناك (عصفـــور).. لأميمة.

على فكرة، أضع وصلات أغانيّ المفضلة في الموقع – باب (تغريد) – وليس في المدونة. فهي للتدوييييييييين فقط.

 

 

ــ اكتب أسماء خمسة مدونين ليقوموا بهذا الاستقصاء بعدك:

 

 
 
 
ملاحظة أخيرة: معلش يعني.. مش حصحح وراكم كل مرة.. فياااااااريت تخلوووو بالكم من الهمزااااااااااااااات.

(4) تعليقات

:: الخيار صعب.. مفيش فقـّوس؟

إحدى الحكايا المشهورة عن السوافير - قرية عائلتي المغتصبة منذ 1948 - تحكي عن بطولة مطلقة للفقـُّوس - نوع من الخضروات مشابه في شكله للخيار، ولكنه أطول بكثير، وخشن الملمس. وتتمثل الحكاية في أن سوافيريا - نسبة إلى السوافير - خرج ذات يوم قاصدا قرية "حـَمامَه"، وهي قرية متاخمة للسوافير. كان البدر يتلألأ  في سماء السوافير عندما غادرها الرجل، ووصل قرية "حمامه" والبدر بصحبته.
عندما قضى الرجل أشغاله قفل عائدا إلى السوافير، لكنه لاحظ غياب البدر عن سمائها.. ولما سأل الناس قالوا إن البدر اختفى منذ أن ذهب الرجل إلى قرية "حمامه" ولم يظهر حتى الآن!! ففزع وأعلن بكل حنق أن البدر ينير سماء قرية "حمامه".. وأن "الحماميين" - نسبة إلى حمامة - سرقوه من السوافيريه! وهنا هب الناس وحل الهرج والمرج، وقرروا أن يستعيدوا القمر بأي شكل من الأشكال.
موسم الفقوس تزامن مع هذه الحادثة، ولم يجد الناس أمامهم إلا سيقان الفقوس الفارعة - الأشبه بالسيوف - لينقضوا بها على قرية "حمامه". وفي الطريق، وبينما غضب السوافيريه في قمته، وهجومهم في أوجه.. إذا بالبدر يتجلى في سماء السوافير. وههنا أوقف السوافيريه حملتهم لاستعادته. وغمرتهم أمارات النصر والفرح، وقفلوا إلى السوافير وهم يغنون: "جـِبنـا قمرنا بالفقـُّوس، يا حـَمامـِيَه يا تيوس".
 
مع هذه البطولة المطلقة للفقوس في تراث السوافير الشعبي، يخمد ذكره على النقيض.. مع تراث دول الخليج التي تجهل الفقوس، وإن عرفته فمتأخرا، وكنبتة طبيعية مثلها مثل الخبيزة والسلق وما شابه.. تطعم للماشية إن نبتت من تلقاء نفسها.
 
وكلما قال مذيع ما أو محلل سياسي ما: "الخيارات المتاحة أمامنا"...، أو:  "الخيارات صعبة"، أو: "الخيار الاستراتيجي..."، أحس أنني في حاجه للصراخ عاليا، لأذكرهم بأن "الفقوس" موجود أيضا، وأن له استعمالاته التي مهما بدت ساذجه فهي مهمة، وفعاله في كثير من الأحيان. لكن.. من يعتبر من الفقوس وحكاية الفقوس؟؟ وهل كان الخيار - الطري والقزم مقارنة بالفقوس - سينفع سلاحا لأهل السوافير لاستعادة قمرهم المسروق؟!
 
الآن.. وأنا في موقف لا أحسد عليه، أجدني مطالبة بالوصول إلى "خيار" نهائي.. خيار لا أندم عليه مستقبلا. تقول صديقتي إن خيار "الصوبات" - البيوت الزجاجيه - كان يسمى في فلسطين بـ"خيار الحمّامَات - ولا أدري ما علاقة هذه التسمية بالحمام، أو بالرائحة.. ربما لأن فلسطين لا تؤمن إلا بما تعطيه الأرض دون لف ولا دوران.. كما في الصوبات الزراعية والأسمدة الكيماوية.
ولكن.. أعود وينهكني التفكير.. ما الحل؟ وعلى أي عتبة سأقف؟ ما هو "خيااااااري" النهائي؟ أهناك إمكانية لاستبدال الخيار بفقوس. لكن يبدو أن لا أحد يفهم لغة الفقوس.. إلا السوافيريه!
 
 
 
 
------- من ورا لورا:
 
* بسام... تتركني للمفاجآت.. ما رأيك إن عرفت أن أختك الذكية كانت أول من يعلم. وليس منك، ولا من كل هؤلاء الخلق! العصفورة قالت لي.. ألقت لي بأحد أسنانها في كفّي.. تابع معي، سأحدثك عنها. وعد!

(4) تعليقات

:: ... لو وصلت المريخ..

 
 

منذ فترت همة الصحف في نشر أخبار المركبة الفضائية (باث فايندر) – التي تجولت على سطح المريخ ثم استقرت هناك للأبد – لم يعد يعنيني شأن ذلك الكوكب الأحمر الغارق في دمائه. ولم يعد يعنيني البحث عن أصولنا "الخضراء"، ولا عن أحفاد "العرق الأخضر" الذين هبط أجدادهم إلى كوكب الأرض قبل مئات أو آلاف السنين – كما تقول الروايات المجنونة.

رغم احمراره لم يرتبط المريخ بالحزن والدموع، بل ترك مثل هذا الوصف ملتصقا بكوكب زحل – والذي يحظى بمباركتي ومحبتي بسبب حلقاته – ولم أكن أعرف لفترة طويلة ارتباط زحل بالحزن والبؤس والشقاء.. لكن ذلك لم يغير من نظرتي إليه، بل زادني إعجابا، واقتناعا به!

 

لحسام – أخي الثاني في الترتيب – حكمة ساخرة، وواقعية، ومهينة أحيانا، تقول: "المـَرَهْ – أي المرأة – لو وصلت المريخ، مصيرها طنجرة الطبيخ". ولا أدري لم ترن كلماتها في أذني هذه الأيام، وأنا أمضي في اكتشاف هذه "المـَرَه" التي تتحدث عنها حكمته العجيبة. لا يهم أي كوكب أصل، لكن ما يثير الاهتمام حقا هو تلك الاكتشافات التي تبهرني بينما أجتاز المسافة من الأرض إلى المريخ. هذا المشوار الذي بدأ بـ"معكرونة بالكريمة"، ثم تجاوزها ليصل إلى (الكروشيه)!

على سبيل الصدفة، تذكرت – وأنا أتصفح مواقعا ثقافية – مطعم (باستامانيا) الذي تناولنا فيه – على سبيل التجربة – أول طبق معكرونة اسباغيتي بالكريمة – وليس بالصلصة الحمراء كالعادة – ومنذ ذلك الحين باتت جزءا من ذاكرة الدهشة – كالسوشي والسمك النيء من قبلها. وعزمت في لحظة انتعاش أمومي على أن أبحث عن مقادير المعكرونة بالكريمة، وأحضرها لأفراد الأسرة جميعا، لأشاطرهم بهجة هذا الاكتشاف الذي مضت عليه سنتان فأكثر. احتجت يومها لتصفح العديد من المواقع النسائية، وتلك المهتمة بالوصفات المطبخية، لأخرج بالمقادير المناسبة – ماديا ومعنويا!! – وفي غمرة البحث دبت الحياة في قاموس "الطفلة، المراهقة، المرأة....".

في ذلك اليوم، اكتشفت العديد من الصفحات المطوية – أو المنسية عمدا – وحلقت في عالم آآآآخر، دهشت حقا لاكتشافه. لم أكن أظن – ويا للذكاء! – أن صفحات الإنترنت تحتوي على دنيا أخرى، تغمرها الفتيات والنساء الباحثات عما يزين حياتهن وأسرهن وبيوتهن بهذا الشكل. تصفحت العديد من المواقع التي تنشر تجارب النسوة في الطبخ، وفي الديكور، وفي الأعمال اليدوية، وتربية الأطفال. مئات النصائح المجربة، والخلطات، والمقادير، والفنون.

لفترة طويلة، آمنت – بل ونذرت نفسي – للمواقع الثقافية والأدبية، وألغيت أي رابط آخر بي كأنثى لها اهتماماتها التي تفرضها عليها الفطرة أحيانا. أحرجتني بعض المفردات والمعلومات البديهية التي وجدت نفسي في حاجة إلى قاموس لترجمتها – للمترجمة! وتذكرت بسخرية مرة، كيف أن زميلتي في العمل أخبرتني بزهو ذات مرة أنها تحب (الكروشيه). وقد كنت أظن – حتى وقت قريب جدا – أن الكروشيه هو ماركة سجائر أو سيارات فاخرة. أو تلك المرة التي حدثتني فيها زميلتي – نفسها – بإسهاب عن حاجة كل مرأة – سوية في نظرها – إلى تحضير مجموعة من الـ(لانجري) لنفسها قبل الزواج. حينها تساءلت ببلاهة بيني وبين نفسي عما تكونه هذه الـ(لانجري)! ووصلت لقناعة بأنها طقم سفره أو مطبخ أو ما شابه. ولم أكلف نفسي عناء السؤال، حتى زرت إحدى الصديقات في بيتها، فأحبت أن تعرض عليّ مجموعة (اللانجري) التي اشترتها.. وبمجرد أن هززت رأسي منتظرة طقم "الطناجر"، وجدتها تخرج قطعا من الساتان والدانتيلا، جعلت وجهي يتلون كقوس قزح.. وتركتها تغرق في موجة من الضحك على تلك الأنثى الهاربة من كوكب الأرض!

 

توقفت عند تلك اللحظات البريئة، والسعيدة، متصفحة الأشغال اليديوية، للسيراميك، والتطريز، وغيرها. فتيات ونسوة يستعرضن مهاراتهن في تحويل القطع البسيطة إلى تحف منزلية. لمساتهن المثابرة على الأثاث وألعاب الأبناء تضفي لمسة أمومة ومحبة حولهن. عادوني الحنين إلى مشغل أختي – مها. فبينما احتكرت لقب "الأديبة الصغيرة" كانت مها تحتل لقب "فنانة الأشغال اليدوية" بلا منازع في عائلتنا. وقد حولت ركنا من غرفتها إلى مشغل صغير، تتناثر فيه قطع السيراميك، والألوان، وأقمشة الحرير، ومكابس الورود النحاسية. حيث يدخل عليها أبي أو أمي من فترة لأخرى، فيجدانها منهمكة بطلاء ورود السيراميك بالورنيش، وقد جعلت رائحته النفاذة الغرفة أشبه بغرزة.. أو "مَحششـَه"! وهي غااائبة في عالم آخر بعيدا عن الرائحة، مستمتعة بإنجازاتها. فيفتحان النافذة عن آخرها، خوفا من أن تخنقها رائحة الورنيش النفاذة.

لمستها تحول الجمادات إلى كائنات محبة، لطيفة، تبتسم لك في كل ناحية. أتسمر بجانبها، أراقبها، وأساعدها إن لزم الأمر. وأحيانا أعرض عليها أن أشتري منتجاتها بمصروفي، دعما لها، وإبداء لإعجابي بإبداعاتها.

 

عندما سافرت مها، تلاشى اهتمامي بالأعمال اليدوية، واختفت موادها الأولية تدريجيا.. لم أحافظ إلا على صناعة الورود من ورق (الكريشا) الملون، وتوزيعها على الصديقات والمعارف. ثم ما لبثت همتي أن فترت. وغطت الكتب والأوراق والأقلام مساحات الذاكرة.

اليوم، طلبت من أبي شراء علبة لاصق أخشاب (غراء)، وبعض المواد الأولية الأخرى. وعدت محمد – ابن أخي محمود – بأن نصنع "عجائب" بأنفسنا. وأخذته في جولة خلف البيت، لنستخرج من صندوق كرتوني قديم، بعض الأشياء التي ظننت في فترة ما أنها عبئ علي، وغير ذات فائدة في غمرة الكلمات التي تجتاحني، وتلتهم حياتي بأسرها.

ما زال محمد غير مصدق بأن "عجينة السيراميك" يمكن أن تصلح لصناعة ميداليات وفواكه صناعية وورود. وما زلت غير مقتنعة بأني سأخرج بنتائج مشابهة لتلك التي كانت على عهد مها، بعد أن أكل الزمن أصابع المهارة الفنية، واستبدلها بأخرى تركض على لوحة المفاتيح!

من يدري...؟ قد أفكر باستبدال هذه المدونة أو بإضافة مفاتيح أخرى للأشغال اليدوية، أو لعل الأنوثة تستبد بي فأمطر الصفحات بالأزياء وكل ما يتعلق بـ... المرأة العصرية!

أليس هناك من سبيل.. لا يترك لطرف أن يبتلع الطرف الآخر؟

 

على فكرة.. ليس هناك من داع للسؤال عن المعكرونة بالكريمة، وشوربة الدجاج بالكريمة – التي حضرت خصيصا للمناسبة – فقد كانت أشهى من أن تؤكل!

(2) تعليقات

:: رماد على سطح القمر

(اللوحة: القط المغرم بالقمر، للرسام: جريج بلير)
 
 
 

عنوان كهذا يصلح لنص شعري، أو رواية من روايات حرب النجوم وقصص الخيال العلمي وما شابه. لكن الحكاية كلها أطرف من أن تروى في بضعة أسطر.. هي مجرد جولة في عناوين الأخبار (التيك آوي) التي تتحفنا بها جرائدنا في صفحاتها الأخيرة – وأحيانا الأولى.

يسطر لنا الخبر كيف أن إحدى شركات دفن الموتى قررت أن تشتري حصريا خدمة دفن رماد الموتى – ممن يرغب – على سطح القمر، وذلك في مبلغ بمئات الآلاف من الدولارات.. لقاء علبة بحجم علبة "مشروك" غازي.. أو ربما أصغر، ربما يدفنها رائد الفضاء أو يلقيها من على سطح المركبة.. من يدري حينها!

 

خبر آخر تناولته الصحيفة، مفاده اكتشاف فيروس يسبب "انفصام الشخصية"، وميلا إلى العزلة ثم الانتحار، لدى مقتني القطط وعشاقها. وقد فصل الخبر نوع الفيروس واسمه وتركيبته، وأكد أن ما نسبته 30% من سكان إنجلترا، و60% من سكان أستراليا مصابون بهذا الفيروس!

 

لا أظن أن هناك مشكلة لدى سكان الأرض في تحويل القمر إلى مقبرة. نحن الذين قتلنا الحب في قلوبنا، لن نحزن على البدر إذا ما تحول إلى شاهد قبر، ولن نأسى على عشاق الليل وهم يهيمون في القمر عشقا، ويبثونه أشجانهم، وقد تحول إلى قبر لأسرارهم.. ولموتاهم على حد سواء.

 

المشكلة ستكمن في فيروس القطط الجديد هذا.. إذ إنني بمجرد قراءة الخبر فكرت مباشرة في "حَـسنا" وأبنائها الأربعة: زولو، زيكا، ميزو، شكوزال (وهم على الترتيب يرمزون إلى: محمود عزت، خالد عبد القادر، محمد قرنة، أحمد محجوب). فبعد أن استطعت جاهدة إزالة هاجس "فيروس القطط" المتعلق بمشاكل الحمل والولادة، والذي عشش في كل "نسوان" الأرض – خاصة المفرخة الفلسطينية – جاء هذا الكابوس الجديد، وكم حمدت الله أن قراء الجرائد قلة، وأن خبرا من هذا النوع قد ينتشر على نطاق هزلي ليس إلا.

لكن.. بيني وبين نفسي، أرعبني هاجس الوحدة وأقلقتني العزلة.. فكثيرا ما أحببت أن أجالس الحيطان الأربع، أو دفتي كتاب.. بمعزل عن الإنس – والجن ربما. وكثيرا ما ملت إلى أعمال يمكن أن تصنف بالانتحارية – لكنها ليست ذات طابع إجرامي! – أو ربما فصلتني عن نفسي وأخذت أتأمل شخصيتي وأخلق منها أربع أو خمس أو ست شخصيات مختلفة تتحاور مع بعضها أو تتشاجر.. لأنتهي إلى جملة بعد سؤال مثل: (كيف حالك) بـ: (حالي متخانق معي!) فهل يمكن أن يعزى ذلك كله إلى فيروس القطط الجديد؟!

 

مهما كانت النتائج.. فإن من المؤكد أن ما حدث في لبنان، وما زال يحدث في العالم، ليس بأقل جنونا من هذا الفيروس، وسواء كان قادة العالم من مقتني القطط، فإن فيروسا من هذا النوع لا بد ينتشر في الهواء، ويصل إلى سطح القمر/ المقبرة. فمن استطاب فكرة دفن رماده على سطح القمر.. لن يأسى على إصابته بفيروس يودي به إلى الانتحار!

(1) تعليقات

:: بـِدك شاي؟

 
 

 
 
وقعت تلك الورقة من الشاي – كما تقول الروايات المنتحرة – في قدر ماء مغلي لأحد الملوك أو الأمراء – وكأن الملك أو الأمير ينتظر تلك المعجزة بكامل بهائه أمام القدر..!! – وما كان منه إلا أن لاحظ تلون ماء القدر، ثم انتظر حتى رفعوه عن الحطب، وتناول رشفة من هذا الماء الملون ذي الرائحة الطيبة. ومنذ تلك اللحظة اكتشف مشروب الشاي العجيب، والذي أخذ يغزوا الأصقاع والشعوب حتى تحول إلى مشروب – ومشروك! – يومي للجميع. ولا يكاد يذكر امرؤ يوما واحدا في السنة لم يمض من دون الشاي، أو من دون أن يعزمه أحد على "استكانة" شاي – الاستكانه هي كأس زجاجي صغير من الشاي يكفي لخمس أو ست رشفات – وربما لو أحبت ربة بيت أو رب بيت أو مربى بيت أن يحسبوا ميزانية الشاي وحدها لخرجوا باكتشافات عظيمة فعلا حول الهدر العام للميزانية.. وفي أسوأ الأحوال ستتحول إلى اتهامات متبادلة وخيانات وانهيار اقتصادي.. وقد تنتهي كارثيا بالاتهام بالعمالة ثم الطلاق!

 

إن تحدثت عن الشاي، فلابد أن يتبادر إلى ذهن من يعرفني – ومن لا يعرفني غالبا – أن المقصود بهذه الدعاية هو حضرة الشاي الأحمر – وليس الأخضر بطبيعة الحال – فإدمان الشاي الأخضر يختلف تماما، ولعلي أقدس هذا الأخير تقديسا ذا شجون؛ لأن "طقوسه" تختلف اختلافا كليا عن الشاي الأحمر الذي فقد بهاء حضوره الملكي – وسوف آتي على تفصيلها لاحقا. يذكرني حال الشاي الأحمر والأخضر بحال "التـِّتِن". والتتن هو التبغ الملفوف في الأوراق، وكان فيما مضى قيما يحمله المترفون وموفوروا المال، ولكن دورة الأيام جعلته بين يدي الغادي والرائح، الملك والشحاذ، حتى قال فيه أحد "عتاولة التتن": يا خساره يا تتن.. كنت مشروب الأكابر، صرت مشروب المْنـَتَّف والعِـفِن!".

 

منذ ثلاث سنوات تقريبا، بدأت أفكر جديا بحكاية هذا الشاي.. وحاولت "الإقلاع" عنه أكثر من مرة. كل ذلك قبل أن يتسرب كمفردة يومية إلى قاموسي يمكن لها أن تعني العديد من المرادفات الأخرى – غير الشاي إطلاقا – وبشكل عجيب وغريب أشبه بالغزو الثقافي الذي يجتاح بيوتنا والذي يتشدق به المثقفون في كل محضر – بعد تفريغه من معناه – والذي لا تشعر به الشعوب إلا بعد أن يفتك بثقافتها وكل ما لديها من بطيخ وكباب وغير ذلك من مقومات "حساسه ومصيرية".

 

على سبيل المثال، يمكن أن تكون إجابتي – ببسااااااطة – على سؤال مثل: بتعملي إيش؟ بـ: بعمل شاي!

وعندما لا أملك إجابة محددة، أو أشعر بضيق – وأحيانا بمرح – يمكن أن أقطع حوار محدثي بسؤال أبله: بــِدَّك شاي؟ - وغالبا ما لا يملك الطرف الآخر إلا أن يرسم بسمة دهشة أو أن تنزل عليه جرعة مفاجئة من الهبل وترتسم على رأسه حبة عرق كبيرة كتلك التي تتحفنا بها رسوم الكرتون اليابانية، ويمكن لتلك الحبة أن تتحول لبحيرة تغرق رأسه في حال كان يسمع هذا السؤال لأول مرة، دون أن يكون خبيرا بـ "خلفياته".

ولعل الصيغة تختلف قليلا، فتصبح مثلا: "ما تيجي نشرب شاي؟" وهي لا تعني شرب الشاي فعليا.. بل شيئا آخر تماما!

 

هنا، يعم هذا الغزو جميع من أعرف – وأحيانا لا أعرف – فتجد الشاي تحول إلى ما يشبه الهوس الكلامي، وبات علماء اللغة حيارى في توصيف مرادفات "الشاي" في قواميس اللغة الحديثة. والجميع على اختلاف جنسياتهم، يتقنون نقل صيغة السؤال باللهجة الشامية الفلسطينية: بــِدَّك – وليس "بــَدَّك" – مع رسم ذات المعنى الخرافي أو إضافة معان أخرى تناسب الخبرات المتاحة.

 

ولكن.. لماذا هذه المتعة في شرب الشاي، وعمله، والرغبة في الهروب من الحوار والحدث إليه؟

في تلك الفترة التي قررت فيها الامتناع نهائيا عن الشاي، واجهت مشكلة الامتناع عن الشاي "الرمز" أكثر مما واجهتها في الامتناع عن الشاي كمشروك يومي.. قومي.

لا يوجد فسلطيني على وجه المعمورة يمكنه الامتناع عن شرب الشاي بالمرمية – قرأت مقالا مؤخرا يؤكد أن المرمية تعزز قوة الذاكرة، وهذا أراحني وأرقني نفسيا، فحتى الأعشاب الطبيعية ستذكرهم وتذكر أبناء أبنائهم بما يحاولون نسيانه! – ولا يوجد بيت فلسطيني يخلو من طقوس الشاي الأحمر بعد الغداء – اللهم إلا بسبب ظرف صحي أو عائلي قاهر. وغالبا ما تجد الجميع يجلس لتناول الغداء، فتعلو الأصوات المطالبة بتحضير "براد" الشاي، كي يكون جاهزا فورا بعد الغداء. رغم أنه شاي لا يبعث على الإدمان الفعلي، فهو شاي خفيف غالبا – لا يمكن مقارنته إطلاقا بشاي الصعايدة أو المصريين عموما – عندما جربت أن "أعزم" شلة المقلوبة على شاي ما بعد الغداء.. اكتشفت أنهم شربوه "مجاملة" لأن شكله لم يكن "حضاريا" بالمعنى المصري، ولم تشفع له نكهة النعناع!!

 

حاولت حساب عدد المرات التي أعد فيها الشاي في البيت يوميا، سواء لي وحدي أو لأي شخص آخر. المصيبة لم تكمن في أن تعد لنفسك "كباية" الشاي، بل في "المشاركة الوجدانية" لمن يشرب الشاي. فإذا رغب غيرك في كباية شاي، تجد نفسك تتطوع لتعدها له، ولتشاركه فيها، فـ"برستيج" وشهامة وكرامة العربي يحتمان عليه مشاركة كل شيء. ستشرب معه، وبعد قليل ستجد غيره يعزم عليك لتشرب معه، أو أن "يهفّ" على نفسك شرب الشاي بالحليب، أو بالزنجبيل.. وووو....

وإن جاءك ضيف، فالواجب يجعل من بين ضيافته براد شاي كبير – تضطر فيما بعد إلى شربه مع العائله لأنه كان "كبيرا" زياده عن الواجب! وهكذا.. حتى تجد نفسك في نهاية اليوم قد شربت ما لا يقل عن لترين من الشاي.. فقط لوحدك.

تركت الشاي لأسبوعين.. أقلعت عنه كالتدخين تماما.. ولا رشفة واحده. حاولت أن أشرب عوضا عنه العصائر، أو الزعتر المغلي، أو أي نوع من الأعشاب المغلية الأخرى. كنت أصاب بالصداع أحيانا، وأحس بالنعاس أو "التسطيل" – خاصة بعد الغداء – بسبب فقداني هذه اللترات اليومية من الشاي. وكذلك فقدت "حميمية" الاجتماع مع العائلة على طاولة الشاي – رغم أني كنت أعده لهم كالعادة بعد الغداء. أحسست أني "انفصلت" – نسبيا – عن "طقوس" العائلة. وتركت مفردات الشاي كما هي تتسرب مني في الحوارات المختلفة. يحلو لي أن أتذكر "ربا" – زميلة الدراسة والعمل – وهي تصيح بعد أن "أتنح" لها بسبب حالة "السطلان" المستفحلة: دخيييييييله اللللللله.. هاتولها كباية شاي!

في النهاية أقنعت نفسي بأني "نجحت" في اختبار الامتناع عن الشاي: أسبوعان كاملان دون أي "كباية" شاي! إنجااااااااااااز عظيم يكتب في موسوعة جينيز الفلسطينية!! لو أن إرادة الشعب العربي كإرادة كسر "حصار" الشاي على خلايا دماغي، لحررنا فلسطين من بدري..!!

 

لفترة، لم أعد أشعر بالرغبة في شرب الشاي، أو أن الأشياء فقدت رونقها الأحمر.. وباتت المذاقات "محايدة" – حقا – وصار لدي بحبوحة في تناول أي شيء أو تركه دون الإحساس بتأنيب الضمير. عندما شربت أول كباية شاي – بعد المقاطعة – أحسست بها تغلي وتنسكب بطعم لاذع وغريب في فمي. ولم أتغلب على هذا الشعور حتى بعد أن بلعتها بسرعة. لكن.. شيئا فشيئا، عدت إلى السيرة الأولى. لكنني أقلعت عن شرب الشاي في العمل. لا أستطيع الجزم بأني عدت لشرب الشاي حقا، لكن هناك شيء ما.. شيء ما فقدته بعد أن تركت الشاي لأسبوعين كاملين.. إحساس موحش بأن هذا المشروك.. لم يعد مشروكا... وأن سحره – الذي ترغب دائما في ألا يزول عنك – قد زال حقا!

 

لذلك.. لم يعد غريبا ألاّ أجيب عندما يسألني أحد (بدك شاي؟) بـ: آآ.. بــِدِّي!

(1) تعليقات

:: فرح.. جنة لبنان

"حبها من قلبك
حبها حتحبك
اضحك للدنيا الفرحه حتيجي في غمضة عين"
 
ماذا يعرف محمد منير عن الدنيا.. وعن فرحة الدنيا التي تهطل بين ذراعيك بعد أن تحيط بك كل أوجاع الدنيا وآلامها وتنسل منك 2 أو 3 كيلو من اللحم الصارخ الأحمر؟!
 
قبل أن أذهب إلى عملي.. حرصت على أن أتسلل إلى أوجاع زوجة أخي قبل الولادة، وأطلب منها بكل ثقة أن تدعو لي بعض الدعوات التي ارتجلتها سريعا - لكنها كانت مبيته سلفا على ما يبدو بشكل ما - وتركتها ترددها خلفي.. منتظرة أن يرسل الله الملائكة في ذات اللحظة - أو فلنقل بعد الولادة مثلا بثوان معدودة - لكي يوزعوا الاستجابة علي كحلوى العيد. مهما يكن الأمر.. أمي - وكل الجدات والأمثال الشعبية والحكم الغابرة - تؤكد أن دعوات "الوالدات" مستجابة. إنني لست استغلالية.. هذا حق مشروع لكل من يحضر هذه اللحظات الحاسمة بعد تسعة أشهر من محادثة الجنين في بطن أمه كالمجنونات!
 
وصلنا نبأ الولادة.. جاءت "فرح".. فرح أو جنّة؟ استقر الاسم أخيرا على فرح. اقترح عليّ بعض الأصدقاء أن يسموها "بيروت".. هل يمكننا أن نفرح.. ولبنان يشد ضفيرة ابنته بيروت ليحتمل الألم!
 
لأول مرة أدخل قسم الولادة.. لأول مرة أدخل لأرى النسوة ممددات على الأسرة. لم أر المنظر كاملا، لكن صيحة واحدة كانت كافية لرسم المشهد برمته. لم أسمع إلا صيحة واحدة فقط.. لكنها جففت الدماء في عروقي. جاءت الممرضة بفرح.. اكتمل المشهد بهذه الطفلة الصغيرة الوردية جدا.. الهادئة جدا.
 
بعكس أخويها - طارق وخالد - فإن فرح لا تبكي.. ساكنة ووادعة. يمكن أن تكتفي بتقطيب حاجبيها إذا انزعجت، أو أو تصدر صوتا خفيفا أشبه باضطراب موجة.. ثم تعود تقاطيعها إلى الانفراج.. و...؟؟ أهذه هي فرح حقا! يا اللللللللللللله...............!!!!