رحيق
.

:: ... لو وصلت المريخ..

 
 

منذ فترت همة الصحف في نشر أخبار المركبة الفضائية (باث فايندر) – التي تجولت على سطح المريخ ثم استقرت هناك للأبد – لم يعد يعنيني شأن ذلك الكوكب الأحمر الغارق في دمائه. ولم يعد يعنيني البحث عن أصولنا "الخضراء"، ولا عن أحفاد "العرق الأخضر" الذين هبط أجدادهم إلى كوكب الأرض قبل مئات أو آلاف السنين – كما تقول الروايات المجنونة.

رغم احمراره لم يرتبط المريخ بالحزن والدموع، بل ترك مثل هذا الوصف ملتصقا بكوكب زحل – والذي يحظى بمباركتي ومحبتي بسبب حلقاته – ولم أكن أعرف لفترة طويلة ارتباط زحل بالحزن والبؤس والشقاء.. لكن ذلك لم يغير من نظرتي إليه، بل زادني إعجابا، واقتناعا به!

 

لحسام – أخي الثاني في الترتيب – حكمة ساخرة، وواقعية، ومهينة أحيانا، تقول: "المـَرَهْ – أي المرأة – لو وصلت المريخ، مصيرها طنجرة الطبيخ". ولا أدري لم ترن كلماتها في أذني هذه الأيام، وأنا أمضي في اكتشاف هذه "المـَرَه" التي تتحدث عنها حكمته العجيبة. لا يهم أي كوكب أصل، لكن ما يثير الاهتمام حقا هو تلك الاكتشافات التي تبهرني بينما أجتاز المسافة من الأرض إلى المريخ. هذا المشوار الذي بدأ بـ"معكرونة بالكريمة"، ثم تجاوزها ليصل إلى (الكروشيه)!

على سبيل الصدفة، تذكرت – وأنا أتصفح مواقعا ثقافية – مطعم (باستامانيا) الذي تناولنا فيه – على سبيل التجربة – أول طبق معكرونة اسباغيتي بالكريمة – وليس بالصلصة الحمراء كالعادة – ومنذ ذلك الحين باتت جزءا من ذاكرة الدهشة – كالسوشي والسمك النيء من قبلها. وعزمت في لحظة انتعاش أمومي على أن أبحث عن مقادير المعكرونة بالكريمة، وأحضرها لأفراد الأسرة جميعا، لأشاطرهم بهجة هذا الاكتشاف الذي مضت عليه سنتان فأكثر. احتجت يومها لتصفح العديد من المواقع النسائية، وتلك المهتمة بالوصفات المطبخية، لأخرج بالمقادير المناسبة – ماديا ومعنويا!! – وفي غمرة البحث دبت الحياة في قاموس "الطفلة، المراهقة، المرأة....".

في ذلك اليوم، اكتشفت العديد من الصفحات المطوية – أو المنسية عمدا – وحلقت في عالم آآآآخر، دهشت حقا لاكتشافه. لم أكن أظن – ويا للذكاء! – أن صفحات الإنترنت تحتوي على دنيا أخرى، تغمرها الفتيات والنساء الباحثات عما يزين حياتهن وأسرهن وبيوتهن بهذا الشكل. تصفحت العديد من المواقع التي تنشر تجارب النسوة في الطبخ، وفي الديكور، وفي الأعمال اليدوية، وتربية الأطفال. مئات النصائح المجربة، والخلطات، والمقادير، والفنون.

لفترة طويلة، آمنت – بل ونذرت نفسي – للمواقع الثقافية والأدبية، وألغيت أي رابط آخر بي كأنثى لها اهتماماتها التي تفرضها عليها الفطرة أحيانا. أحرجتني بعض المفردات والمعلومات البديهية التي وجدت نفسي في حاجة إلى قاموس لترجمتها – للمترجمة! وتذكرت بسخرية مرة، كيف أن زميلتي في العمل أخبرتني بزهو ذات مرة أنها تحب (الكروشيه). وقد كنت أظن – حتى وقت قريب جدا – أن الكروشيه هو ماركة سجائر أو سيارات فاخرة. أو تلك المرة التي حدثتني فيها زميلتي – نفسها – بإسهاب عن حاجة كل مرأة – سوية في نظرها – إلى تحضير مجموعة من الـ(لانجري) لنفسها قبل الزواج. حينها تساءلت ببلاهة بيني وبين نفسي عما تكونه هذه الـ(لانجري)! ووصلت لقناعة بأنها طقم سفره أو مطبخ أو ما شابه. ولم أكلف نفسي عناء السؤال، حتى زرت إحدى الصديقات في بيتها، فأحبت أن تعرض عليّ مجموعة (اللانجري) التي اشترتها.. وبمجرد أن هززت رأسي منتظرة طقم "الطناجر"، وجدتها تخرج قطعا من الساتان والدانتيلا، جعلت وجهي يتلون كقوس قزح.. وتركتها تغرق في موجة من الضحك على تلك الأنثى الهاربة من كوكب الأرض!

 

توقفت عند تلك اللحظات البريئة، والسعيدة، متصفحة الأشغال اليديوية، للسيراميك، والتطريز، وغيرها. فتيات ونسوة يستعرضن مهاراتهن في تحويل القطع البسيطة إلى تحف منزلية. لمساتهن المثابرة على الأثاث وألعاب الأبناء تضفي لمسة أمومة ومحبة حولهن. عادوني الحنين إلى مشغل أختي – مها. فبينما احتكرت لقب "الأديبة الصغيرة" كانت مها تحتل لقب "فنانة الأشغال اليدوية" بلا منازع في عائلتنا. وقد حولت ركنا من غرفتها إلى مشغل صغير، تتناثر فيه قطع السيراميك، والألوان، وأقمشة الحرير، ومكابس الورود النحاسية. حيث يدخل عليها أبي أو أمي من فترة لأخرى، فيجدانها منهمكة بطلاء ورود السيراميك بالورنيش، وقد جعلت رائحته النفاذة الغرفة أشبه بغرزة.. أو "مَحششـَه"! وهي غااائبة في عالم آخر بعيدا عن الرائحة، مستمتعة بإنجازاتها. فيفتحان النافذة عن آخرها، خوفا من أن تخنقها رائحة الورنيش النفاذة.

لمستها تحول الجمادات إلى كائنات محبة، لطيفة، تبتسم لك في كل ناحية. أتسمر بجانبها، أراقبها، وأساعدها إن لزم الأمر. وأحيانا أعرض عليها أن أشتري منتجاتها بمصروفي، دعما لها، وإبداء لإعجابي بإبداعاتها.

 

عندما سافرت مها، تلاشى اهتمامي بالأعمال اليدوية، واختفت موادها الأولية تدريجيا.. لم أحافظ إلا على صناعة الورود من ورق (الكريشا) الملون، وتوزيعها على الصديقات والمعارف. ثم ما لبثت همتي أن فترت. وغطت الكتب والأوراق والأقلام مساحات الذاكرة.

اليوم، طلبت من أبي شراء علبة لاصق أخشاب (غراء)، وبعض المواد الأولية الأخرى. وعدت محمد – ابن أخي محمود – بأن نصنع "عجائب" بأنفسنا. وأخذته في جولة خلف البيت، لنستخرج من صندوق كرتوني قديم، بعض الأشياء التي ظننت في فترة ما أنها عبئ علي، وغير ذات فائدة في غمرة الكلمات التي تجتاحني، وتلتهم حياتي بأسرها.

ما زال محمد غير مصدق بأن "عجينة السيراميك" يمكن أن تصلح لصناعة ميداليات وفواكه صناعية وورود. وما زلت غير مقتنعة بأني سأخرج بنتائج مشابهة لتلك التي كانت على عهد مها، بعد أن أكل الزمن أصابع المهارة الفنية، واستبدلها بأخرى تركض على لوحة المفاتيح!

من يدري...؟ قد أفكر باستبدال هذه المدونة أو بإضافة مفاتيح أخرى للأشغال اليدوية، أو لعل الأنوثة تستبد بي فأمطر الصفحات بالأزياء وكل ما يتعلق بـ... المرأة العصرية!

أليس هناك من سبيل.. لا يترك لطرف أن يبتلع الطرف الآخر؟

 

على فكرة.. ليس هناك من داع للسؤال عن المعكرونة بالكريمة، وشوربة الدجاج بالكريمة – التي حضرت خصيصا للمناسبة – فقد كانت أشهى من أن تؤكل!

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 23 اغسطس, 2006 06:13 م , من قبل بسام

أختى العزيزة أمل
لقد أثار في مقالك الأخير "لو وصلت المريخ" الكثير من الذكريات وسوف أقوم بتوصيله إلى مها إن شاء الله، فى نفس الوقت أنا سعيد جدا لأننى "ياما" طالبتك بألا تنسى نفسك وسط زحمة الأدب وشقاء الأدباء، أؤيد أخى حسام مع بعض التحفظ.


اضيف في 25 اغسطس, 2006 08:59 ص , من قبل بسمة فتحي

يااااااااااه يا أمل، على الأقل أنتِ عرفتِ الـ لانجري، والكروشيه، أما أنا لم أعرفهم إلا الآن، أو بالأصح عرفت منك ما هو الـ لانجري ولم أتشرف برؤيته، أما الكروشيه لم تفصحي عن ما هيته، فبقيت صديقتك جاهلة به..!
أفكر يا أمل بنا كثيراً هذه الفترة، قلتها مرة، وأعيدها الآن: "ي الله كم أتمنى أن يرجع بي الزمن للوراء خمس سنوات"..!
أختلف عنك بأمر واحد يا أمل، أنني أجيد الطّبخ، لأنني أكولة جيدة جداً، وإن احتجتِ أي وصفة، ما عليك إلا أن تسألي "بسمة". سعيدة بكِ أمل.




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية