رحيق
.

:: تصوروا..!!

قتلتني "وردة" اليوم..
رواية صنع الله إبراهيم التي أنهكتني تماما
جاءت في وقت متعب.. واستغرقت قراءتها أكثر من شهر..
أهرب منها لكتاب آخر، ثم لا ألبث أعود إليها.
توعدت نفسي اليوم بالقضاء عليها قضاء تاما فإذا بها تقضي عليّ.
تطعننا الكلمات.. فننزف حبرا!
 
 

 
أكتب الآن "نبضات" العدد الجديد/ أكتوبر/ من مجلة ديوان العرب
أتساءل.. متى سيتوقف هذا النبض يا ترى؟
إلى متى سأظل أكتب كل شهر.. وفي آخر لحظة.. هذه النبضات؟
.
.
إنها الشيء الوحيد الذي ما زلت ألتزم به بانتظام..
إن توقفت..
فهل............؟
 
 

 
قتيل آخر
لم أره
لم يره أحد..
يكفي أن يمر اسمه ببابي
ليموت على الفور!
 

 
أحاول أن ألزمني بوعد صارم..
سأعود إلى الترجمة
سأترجم
سأستعيد ما فقدته من لياقتي اللغوية
ســـــــ...
ماذا أريد من اللغة؟
 

 
عصبية هذا اليوم..
أتشاجر مع الحيطان وقططي الأربعة وأمهم
أبحث عن وسيلة أهرب بها من أي حوار عائلي ولو بدا ساذجا
أتذكر بسمه وغسيل الأطباق..
يدي تتحسس من سائل الغسيل
.. مم أتحسس بعد.. ألا يكفي!
 

 
كتبت نصا شعريا
هل عادت إليّ حمى الشعر مرة أخرى
أم أنها نزوة كتابية عابرة!
 

 
تطرقني قصة..
لا أريد أن أكتبها
أنتظر أن تكتبني لأرى النهاية
 

 
ما الذي يحدث لك...
اكتبي شيئا على الورق
يوما ما
ستفقدين كل هذا
ستذكرين نصيحتي لك
ستندمين
 

 
- تصوروا...
تبا لك يا "يعرب"... تبا لك أيها "الحارث بن عيشة"..
تقتلها وتمضي
سأحلم بوردة هذا اليوم لا شك
يجب أن أكتفي لأنام ما تبقى من وقت وأستيقظ للسحور
هناك شيء آخر
سأستحم.......
تلال من الأفكار يجب أن تكشط عن جلد الذاكرة
هل هناك صابون مناسب من الكلمات يا ترى!
 

(5) تعليقات

:: وحدكَ اسمك

 
 
أتصوم وحدكَ؟

يا شقيّ.. الكلّ صام عن الطعام

عن الكلام

عن النساء

وأنتَ وحدكَ تقرض اسمك في الصباح وفي المساء وفي السحر

 

هل كنتَ وحدك َ

عندما هطلت عليكَ عيونهن وأشبعتك من البكاء على اسمك الوردي يا ابن "البطة السوداء" لا ألوان أخرى في سمائك كي تطير، وأنتَ يفصلك اشتهاء الود بين ضفيرتين تنام بينهما المسافه

 

ستقول أمك إن بنتا سوف ترضى بالنصيب ولن يخيبكَ انتظار مرورها بعد الإشارةِ.. إن تكن حمراء أو خضراء سوف تمر يوما لا محاله: "لن تصومَ إلى الأبد"

أنت الذي حررت نفسك سوف تبكي عندما تتذكر اسمك في الفصول وعندما تسّاقط الأوراق من عينيك لا حضنا يلملمها وأمك لن تكنس غربتك

 

"سأكون منسيا من التاريخ لي وجع من الصفحات أكتب ما أشاء من الكذبْ، وأغيّر اسمي واسم أمي واسم قابلتي التي نذرت لرأسي حين يخرج قطعة من ثوبها الوردي كاسمي ثم كفنها البياض"

 

لا شيء يلمع غير صمتك في المرايا ثم تخبو أنت واسمك في الظلامِ

لظلّك المجهول خلفك نافذهْ

هل جرّبَ اسمكَ أن ينادي اسمَهُ في الليل تحت الأعمدة!

هل جرّب الطعم الأصيل للانتظار!

 

حسنا فعلت.. ولم تجرب

لا تبارح غرفتكْ

خوفا من الأسرار أن تُفشى اختبئ

خوفا عليك من الفضيحة

من نساء الحي

من قطط الشوارع

من سماء لا تعاتب في المساء

على اسمك المهدور أن ينساك أو تنساه – لا فرق – اختبئ تحت السرير وفوقه مهما تبلل بالعناق هناك مَخرجْ

وحدكَ المعني بالليل الثقيل ووحدك المعنيّ باسمك

إنْ تصمْ أو لا تصمْ ماذا يفيدك أن تكون الآن وحدك في القرار ووحدك اسمكْ

وهناك ألف خطيئة أخرى على أعتاب بابك كي تمر وألف امرأة وأمك

كم ستطرق؟ ألف باب! ربما.. ما الفرق حين يصدك المفتاح خلفكَ؟

أنتَ أنتَ.. ومن تكون سواك

وحدكَ أيها الولد الشقي تصوم ثم لتفطر اسمك.

(10) تعليقات

:: وقال لي: اغمضْ عينيك قليلاً - خالد عبد القادر

وصحوتُ.. أمهدُ من تلٍّ متناهٍ في الأبيضِ أعشاشاً لطيورٍ أتعبها التحليقُ بلا جدوى.. فارتاحت للغربةِ.. واتكأت للفوضى.
وصحوتُ.. أزيح الأحمرَ ، أزرعُ أشجاراً في خاصرة العَلمِ.. وأهبطُ، أجدُ الأرض احمرّتْ.. أصعدُ في جرح الوطنِ وأجلو ذاكرةِ الألوانِ... وأيأسُ، أحفن من تربته، أتيممُ اصباغاً وأعودُ إلى الأبيضِ كي أحرقَ أعشاشي
يا صاحَ.. تعبتُ و لم أقدرْ
جفنايَ اتسعا
لن أقوى بعد الآنِ على الإغماض..
 
 
 
 

* مقتطف "قاتل" من النص

(0) تعليقات

:: جدارية - محمود درويش


فما نفع  الربيع السمح إن لم يؤنس الموتى ويكمل
بعدهم فرح الحياة ونضرة النسيان؟
تلك طريقة في فكّ لغز الشعر
- شعري العاطفي على الأقل -
وما المنام سوى طريقتنا الوحيدة في الكلام/
وأيها الموت التبس واجلس
على بلّور أيامي، كأنك واحدٌ من
أصدقائي الدائمين، كأنك المنفيّ بين
الكائنات. فوحدك المنفيّ
لا تحيا حياتك. ما حياتك غير موتي. لا
تعيش ولا تموت. وتخطف الأطفال
من عطش الحليب إلى الحيب ولم
تكن طفلا تهز له الحساسين السرير،
ولم يداعبك الملائكة الصغار ولا
قرون الأيّل الساهي، كما فعلت لنا
نحن الضيوف على الفراشة. وحدك
المنفي يا مسكين، لا امرأةٌ تضمك
بين نهديها، ولا امرأة تقاسمك
الحنين إلى اقتصاد الليل باللفظ الإباحي
المرادف لاختلاط الأرض فينا بالسماء.
ولم تلد ولدا يجيئك ضارعا: أبتي،
أحبك. وحدك المنفي يا ملك
الملوك، ولا مديح لصولجانك. لا
صقور على حصانك. لا لآلئ حول
تاجك. أيها العاري من الرايات
والبوق المقدس! كيف تمشي هكذا
من دون حراس وجوقة منشدين
كمشية اللص الجبان. وأنت من؟
أنت المعظّم، عاهل الموتى، القويّ
وقائد الجيش الأشوري العنيد
فاصنع بنا، واصنع بنفسك ما تريد




* المقطع السابق مقتطف من جدارية محمود درويش.. يقول في ولادتها:
"لقد استبد بي هاجس النهاية منذ أدركت أن الموت النهائي هو موت اللغة إذ خُيِّل إليَّ بفعل التخدير أنني أعرف الكلمات، وأعجز عن النطق بها فكتبت على ورق الطبيب.. لقد فقدت اللغة أي لم يبقَ مني شيء."

(0) تعليقات

:: أصدقائي.. لم أعد أحبكم - أنور الخطيب

رثيتـُهم راحلاً راحلاً
أصدقائي الذين غادروا وحدهم
لم أعدْ أحِـبّهم كثيراً
رثيتهم قبل أن يرحلوا
وقبلَ أن يتركوا فوضاي لي
وقبل أن يشيعوا تاجاً لرأسي
وقبل أن يـُنصِّبوا دمعي أميراً

***

رثيتهم نازحاً نازحاً
أصدقائي الذين غادروا عنوة
أو فجأة أو خلسةً أو خِفيةً
دون أن يمهلوني خفقة
أو ينذروا عينيّ ومضةً
أو يرسلوا نذيراً

***

رثيتُهم طائراً طائراً
أصدقائي الذين سافروا
دون أن يقرؤوا قصيدتي
لم يحملوا في أحرُفي سرابـَهم
كأنهم يمارسون في غيابهم
لعنةَ الحضور
غادروا...

أصدقائي الذين دثروا بنارِهم
تاركينَ حمى الليل لي
والحراس والأجناس والوسواس لي
أصدقائي الذي غادروا في الهزيع
لم أعدْ أحبـُّهم ولن أحبَّ غيرَهـُم
لأنـَّهم سيرحلون بـَعـدَهـُم
ويتركون مهجتي للصقيع.

(0) تعليقات

:: رمضان

 
عفوا....
 
نحن صائمون!

(2) تعليقات

:: قليل من البحر

 

 
يومٌ عادي

لا بحر يطلّ عليكَ

وتبلعكَ الكلمات حبوبا للنوم

وأنت مصاب بالحمّى والأرق وفوضى الأفكار

تبحثُ عن أسبابكَ لتعيش وتأكل وتشاهد أخبار العالم كل صباحٍ وتتابعَ قططَ الجيرانِ تمُـرّ أمامكَ كل صباحٍ وتمُـوء

 

هل يكفي أن تغسل كوب الشاي ليرتاح ضميركَ؟!

لا بحر يحاسبكَ على الماضي والحاضر والمستقبل

أحلامكَ لن يغسلها موجٌ أبيض

ناقلة النفط الواقفة على أعتاب الأفق ستمضي

وتصـُبّكَ في قعر المتوسط.. أسـوَد

 

ينقصك الآن شريط "بنات"، ومعزوفة موزارت، وسيجارة كرز، ودواء للحمى

ولكي يكتمل المشهد ابحـَث في جيبك عن بعض المال بما يكفي ليروِّضَ كرسياً هزّازاً يحضُنـُكَ كأمّكَ في الليل ويهدهد أحلامكَ عن "وردة"

 

لا تصحو من نومك مذعورا بل مكتئبا من أرق النوم على النوم وتشرب كأس حليب الأطفال وتسمعكَ الأخبار المكرورة في منتصف الليل، فتكزّ على أسنانك أكثر

توجعكَ ولا تعرف.. هل نخرَ السوس عظامكَ أيضا!

تشربُ وجعكَ في بطءٍ ويدغدغكَ النومُ على الحُلمِ الأبيض فتفيضُ الكأسُ حليبَ الوحدة

وتظنُّ القطة أنكَ قطٌّ آخر يستهويه حليبُ الليل، فترفعُ ذيلكَ وتموء!

 
 

* وردة: رواية لصنع الله إبراهيم
** ليس للوحة علاقة بالنص!

(4) تعليقات

:: شريط كاسيت

 
 

لم يبق لدي غير شريط واحد لمحمد منير – ألبومه "مبارح كان عمري عشرين" – بعد أن تخلصت صديقتي اللدودة وعدوتي الودودة (آمال مفدي) من ألبومه "بنات"؛ لأنها تحب لي ما تحب لنفسها.

الشريطان اقتنيتهما من ليبيا.. بالتحديد الشريط الأقدم اقتنيته سنة 2004، والثاني سنة 2005، في رحلتيّ تسوق مع أختي مها وزوجها – ابن عمي – وأبنائهما. سؤالي للبائع: الشريط أصلي؟ كان غبيا جدا.. حيث لم يبد أنه فهم معنى "أصلي" من غيره.. وقد عمرت ذاكرتي بروايات الأديب الليبي (إبراهيم الكوني) المنسوخة والمباعة في كل مكان بطبعات مختلفة.. دون حقوق نشر ولا توزيع. أو كما قال لي أحد (طارق بوخريص) – أحد الأصدقاء الليبيين: هذا ما يميز ليبيا.. إنها "حرية" الفكر والنشر والكتابة.. تجدين الكتاب في متناول كل المكتبات.. وكل القراء على حد سواء!

 

وسوست لأذني أن تسمعا "مبارح كان عمري عشرين".. كنت أدير حوارا آخر – خلف الستار: رمضان اقترب... وعوضا عن سماع ما يفيدك، تبحثين عن مزامير الشيطان!

اتصلت أمي.. توصيني بأن أقرأ القرآن عوضا عن تضييع وقتي على (هـُبـَل) – تقصد الكمبيوتر.

أدرت الشريط.. صوت المنشد يعلو: "يا رجـاااااائي... يا رجااااااائي".....

أدرت الشريط الثاني في المسجل.. صوت المنشد يعلو مرة أخرى: "يا رجاااااااااائي......."!!!

تأكدت من الشريطين في المسجل.. أحدهما لمحمد منير، والثاني ألبوم أناشيد "يا رجائي". ما الذ   ي حدث لجهاز التسجيل! هل هو عفريت رمضان؟ وهل لرمضان عفاريت أصلا؟ يا للسذاجة!

أخرجت شريط الأناشيد من المسجل لأتأكد.. عدت لتشغيل محمد منير.. خرجت "يا رجائي" هذه المرة مبحوحة مع بعض مقاطع "امبارح كان عمري عشرين" ولكنها غير واضحة المعالم لمن لا يعرفها.

هناك من سجل على الشريط..

لا أذكر أني سجلت عليه شيئا.. لا أذكر أن أحدا سجل على الشريط أمامي...

موضة التسجيل على الأشرطة تلاشت تدريجيا منذ أن فقدنا بهجة تسجيل أصواتنا ومسرحياتنا – المنزلية – وأغاني المسلسلات الكرتونية ودعايات التلفزيون بعد طردنا بالجملة من جنة الطفولة إلى أرض الكبار.

 

هكذا إذن.. ينسحب تسجيل الأناشيد على الألبوم حتى ثلاث أغنيات منه... ثم يتركه ويمضي!

 

فقدت الشريط الثاني.. جزئيا.

فكرت بأنني أستطيع تعويض هذه الأغاني بالموجودة على جهاز الكمبيوتر. لكني لن أستطيع تعويض اللحظات التي استمعت فيها أول مرة إلى الشريط في بيت أختي مها، بينما كنت أدون مذكراتي قبل السفر في الدفتر الأزرق.. وهي تفتح معي نقاشا حول منير في "بنات".. ومنير في "امبارح".. و... "بكره لما تروحي.. طمنيهم علينا".......!

 

أحس بوخزات في حلقي.. يبدو أنني سأصاب بالتهاب الحلق قريبا.

لماذا لا توجد أشرطة تقبل أن تنسخ نفسها على أشرطة الذاكرة هي الأخرى!

(2) تعليقات

:: فتـِّش عن.. الأسنان!

 
 

تكرر ذلك الحلم عدة مرات، وفي مناسبات مختلفة. قليلة هي التفاصيل التي تشهد تغيرا دراماتيكيا في الأحداث، حيث النهاية واحدة لا مجال. سقوط السن، أمسك به.. أتأمله، ينتابني القلق أو الدهشة. أحيانا ينبت مكانه سن أجمل، وأحيانا أخرى أتأمل التجويف الخالي من السن دون ألم ولا نزف. أستيقظ!

 

لا أؤمن بتأويل أحلامي دائما إلا بعد تكرارها.. إذ إن تكرار الحلم عدة مرات على ذات النسق يحوله إلى رؤيا.. أو فلنقل.. يجعل في أمره "إنّ".. وأخواتها وبنات عمها، وشجرة عائلتها أيضا.

 

في المرة الأولى من هذا الحلم المسنن.. عاد أخي محمود من سفر طويل. وفي المرة الثانية عاد أخي عصام. وفي الثالثة عاد بسام (في زيارته الأولى).. عدت وحلمت بهذا الحلم الشهر الماضي أيضا، وتكرر ثلاث مرات على أقل تقدير. لم أخبر أحدا.. توجست خيفة.. فليس بالضرورة أن يتحقق الحلم على أرض الواقع بنفس الوتيرة كل مرة.

منذ أسبوعين تقريبا، اتصل بنا أخي حسام.. يبلغنا بأن بسام حجز تذكرة اللسفر مرة أخرى.. عائدا إلى بيته الكبير. ومصحوبا بالسلامة يصل إن شاء الله.

 

الآن.. وبابتسامة واثقة، أستطيع أن أحدثكم عن الأسنان، بعد جولة عظيمة، جمعت خلالها ما يمكن أن يروي ظمأ معرفتكم بالأسنان. اللهم ليس صورة السن، ولب السن.. وما تحفظونه من دروس – بدرجة إهمال بامتياز - لدى أطباء الأسنان!

 

تذكرت أولا الفنان السوري "دريد لحام"، والسؤال الذي كان يطرح أيام المسابقات الرمضانية عن معنى "دريد"..

تقول المعاجم:

(درد) من الدرد وهو سقوط الأسنان، يقال: درد دردا - من باب تعب-: سقطت أسنانه وبقيت أصولها، فهو أدرد، و الأنثى درداء مثل أحمر و حمراء. وبه كني أبو الدرداء وقوله أو أدرد التشكيك من الراوي.

وفيه رجل اشترى زق زيت ووجد فيه درديا

الدردي من الزيت وغيره ما يبقى في أسفله.

ودريد تصغير أدرد

 

ومن معاني العرب في سقوط الأسنان أيضا، قولها: الأثرمان، أي القديمان الشائبان؛ فإن الثرم سقوط الثنايا من الأسنان.

 

وقبل أن أعرج على معنى سقوط الأسنان في الحلم.. – رحم الله ابن سيرين إن كان مؤلف تفسير الأحلام فعلا!! ورحمه إن كان منسوبا إليه افتراء! – دعونا نتذكر طفولة أسناننا اللبنية..

لا أذكر أني بكيت من سقوط سن أو من تخلخله في لثتي إيذانا بسقوطه.. تلك الساعات من المرح ونحن نلعق السن ونحركه بطرف لساننا.. متشوقين لرؤية ما تحته، لحظات لا تقدر بثمن. فكيف إذا ما سقط!

لم أبتلع أي سن لبني – عكس بعض الأطفال ومنهم أبناء أخي مثلا – ولذلك فإن طقوس سقوط السن هي التالي:

يؤخذ الضرس الساقط أو المخلوع، ويرمى ناحية الشمس، وأثناء الرمي لابد من قول:  يا عين الشمس المنورة، خذي سن حمار وأعطيني سن غزال.

وجرى الاعتقاد أن من لا يرمي ضرسه ناحية الشمس فإنه لا ينبت له ضرس آخر محله!* (*المعلومة الأخيرة أخذتها من موقع يتحدث عن الخرافات والأساطير الشعبية)

 

الطريف في الأمر أننا نرمي السن القديم باعتباره سن "حمار".. ونطالب الشمس بسن غزال جديد.. يا له من تحول بني آدمي سريع من الحمرنه إلى الغزلنه!

 

خالي "أبو محمود" – مطر – رحمه الله، كان يخيفني بطقم أسنانه الكبير. أذكر كيف كان يخلعه على حوض الغسيل في الحمام، حيث عثرت على هذا "الشيء" العجيب لأول مرة، وكاد يغمى علي من الرعب والخوف وأنا أصرخ بهستيريا لأمي لتنجدني منه! فيما بعد – عندما اكتشف خالي رعبي من طقم أسنانه – صار يقتنص فرص وجودي معه ليخوفني به بخبث: بدك تشوفي طقم سناني يا أمل؟!

 

ولا أدري إن كان طقم أسنان خالي ينفع، كما ينفع "سن الذيب".. الذي قرأت عنه في أحد مواقع الخرافات، وهو عبارة عن مجموعة من الأسنان تعلق في سلاسل من الذهب والفضة وحلقات، وتتدلى على صدر الطفل لتقيه من الجن والعفاريت أو أي أحد يمسه بسوء أو يخطفه.

 

ولكي لا نطيل البحث في الأسنان، سنعود إلى تفسير ابن سيرين، حيث يقول في شرحه عن أعضاء الإنسان، ونذكر منها ما يهمنا - الأسنان طبعا:

 

الأسنان

 فإنهم أهل بيت الرجل، فالعليا هم الرجال من أهل البيت و السفلى هم النساء، فالناب سيد بيته، و الثنية اليمنى الأب، و الثنية اليسرى العم و إن لم يكونا فأخوان و ابنان، فإذا لم يكن فصديقان شقيقان، و الرباعية ابن العم، والضواحك الأخوال والخالات، ومن يقوم مقامهم في النصح، والأضراس الأجداد، والبنون الصغار، والثنية السفلى اليمنى الأم، و اليسرى العمة.فإن لم يكونا فأختان أو ابنتان أو من يقوم مقامهما، و الرباعية السفلى بنات العم و بنات العمات، والناب السفلى سيدة أهل بيتها، والضواحك السفلى بنات الخال والخالة. وأضراس السفل الأبعدون من أهل بيت الرجل، من النساء ولبنات الصغار.

وحركة بعض الأسنان، دليل على من هو تأويله في المرض، و سقوطه و ضياعه دليل على موته أو غيبته غيبة من لا يعود إليه، فإن أصابه بعدما فقده فإنه يرجع. وتآكله دليل على بلاء يصيب من ينتسب إليه. و اصطكاك الأسنان دليل على جدال بين أهل بيته. فإن رأى في أسنانه قلحا ( صفرة ) فهو عيب بأهل بيته يرجع إليه،و نتن الأسنان قبح الثناء على أهل البيت، و كلال ( ضعفها ) الأسنان ضعف حال أهل بيته و تنقية الأسنان من القلوحة ( صفرة ) يدل على بذل المال في نفي الهموم عنهم، و بياض الأسنان و طولها و جمالها، زيادة قوة و مال و جاه لأهل البيت، فإن رأى كأنه نبت مع ثنية مثلها، فإن أهل بيته يزيدون، فإن رأى كأن النابت معها يضرها، كأن الزائد في أهل البيت عارا و وبالا عليه فإن رأى كأنه قلع أسنانه، دلت رؤياه على قطع رحمه ، أو ينفق ماله على كره منه . فإن رأى كأنه يرمي أسنانه بلسانه، فسدت أمور أهل بيته بكلام يتكلم به.


فإن رأى كأن أسنانه من ذهب، فإن كان من أهل العلم و الكلام حمدت رؤياه، و إلا فلا تحمد، لأنها تدل في غير العلم و أهله، على مرض أو حريق، فإن رأى كأنها من فضة، دلت على خسران في المال. فإن رآها من زجاج أو خشب، دلت على الموت، فإن رأى مقاديم أسنانه سقطت فنبتت مكانها أخرى، دلت على تغيير أموره و تدابيره و قيل : أن من رأى أسنانه العليا سقطت في يده، فهو مال يصير إليه. فإن رآها سقطت في حجره، فهو ابن، لقوله تعالى :( و يكلم الناس في المهد ) آل عمران 46. يعني في الحجر. فإن رآها سقطت إلى الأرض، فهي الموت.

 

فإن رأى كأنه أمسك الساقط من أسنانه فلم يدفنه، فإنه يستفيد من هو مثله في الشفقة و النصيحة و كذلك التأويل في سائر الأعضاء إذا أصابتها آفة فلم يدفنها. فإن رأى أنه نبت في قلبه أسنان، دل على موته، وقيل: إن سقوط الأسنان يدل على عائق يعوق فيما يريده، وقيل: هو دليل قضاء الديون. فإن رأى كأن جميع أسنانه سقطت وأخذها في كمه أو حجره، فإنه يعيش عيشا طويلا حتى تسقط أسنانه، و يكثر عدد أهل بيته، و إن رأى كأن جميع أسنانه سقطت و ذهبت عن بصره، فإن أهل بيته يموتون قبله، وربما كان ذلك موت ذوي سنه من الناس، وأقرانه في العمر، فإن رأى كأن الناس يلوكوه بأضراسهم أو يعضوه، فإنه يمكنه أن يتضع للناس فلا يتضع، وقيل: ينبغي أن يجعل الفم بمنزلة المنزل، والأسنان بمنزلة السكان، فما كان فيها من ناحية اليمنى فهو يدل على الذكور، وما كان من اليسرى فهو يدل على الإناث، في جميع الناس إلا قليلا منهم.


وقيل من رأى أسنانه تنكسر فإنه يقضي دينا قليلا قليلا. فإن تساقط أسنانه بلا وجع، يدل على أعمال تبطل. فإن رأى كأنها تسقط مع وجع، دل على ذهاب شيء مما في منزله، ومقاديم الأسنان إذا سقطت، منعت من أن يفعل الإنسان شيئا مما يعمل بالكلام والقول. فإن كان مع ذلك وجع أو خروج دم أو لحم، فإن ذلك يبطل أو يفسد الأمر الذي يراد وأما الأصحاء والأحرار والمسافرون، إذا سقطت جميع أسنانهم، دل على مرض طويل ووقوع في السل من غير أن يموتوا، وذلك أن الإنسان لا يمكنه أن ينال الغذاء القوي بلا أسنان، لكنه يستعمل الاحساء والعصارات، وإنما لا يموتون لأن الموتى لا تسقط أسنانهم، والشيء الذي لا يعرض للموتى هو ملخص للمريض فلهذا السبب صار محمودا في المرضى وإن تساقطت أسنانهم جميعا يدل على سرعة نجاتهم من المرض، وأما التجار المسافرون فيدل على خفة حملهم، وخاصة إن رأى كأن بعض أسنانه قد طال عظما، ودل على جدال وخصومة في منزل. ومن كانت أسنانه سودا متآكله، معوجة، فرأى سقوطها، فإنه ينجو من جميع الشدائد، فإن رأى كأن أسنانه تسقط وهو يأخذها بيده أو بلحته وفي حجره، فذلك يدل على أن أولاده تنقطع، فلا يولد له، وما يلد ما يبقى ولا يتربى. وحكي أن رجلا رأى أسنانه كلها سقطت، فاغتم غما شديدا، وقص رؤياه على معبر، فقال: تموت أسنانك ( أي أقرانك ) كلها قبلك، فكان كذلك. وروى آخر كأنه أخذ ثلاث أسنان من فمه في كفه، وضم عليهم أنامله، فعرض له أنه وجد درهما ونصفاً.

 

 وعليه..

إن كنت ممن تراودهم أحلام الأسنان أو مثيلاتها.. فعليك بهذا التفسير "الشـِّرح البـِرِح".. للأسنان، وتفاصيلها، وقد تركتها بلا إيجاز، لمحبي الاستفادة.

 

 

أما من يظن بأن الأسنان لم تدخل عالم الإبداع الأدبي، فعليه أن يعيد النظر في الأمر. فقد فازت مؤخرا المؤلفة البريطانية زادي سميث التي ذاعت شهرتها بفضل روايتها وايت تيث (الأسنان البيضاء) بجائزة أورانج للأدب الروائي التي تمنح سنويا للكاتبات. ولكن الاعتراف بالحق فضيلة، لم أقرأ رواية الأسناء البيضاء ولا الصفراء ولا الخضراء. وعلى ذكر الخضراء، فخلال بحثي عن الأسنان أيضا، واجهتني أسطورة "جيني ذات الأسنان الخضراء"، والتي ترد في الأساطير الشعبية البريطانية والأمريكية.. فهي تلك المرأة الجنية التي تستدرج الأطفال الصغار في الليل لتأكلهم!

 

وأخيرا.. قبل أن تسقط أسنانكم من طول تدوينة هذا اليوم. أشكر الدكتور "علاء الأسواني" على هذا الحوار الذي أجرته معه إحدى المجلات الإلكترونية – قبل أن تأكل شهرة الأديب شهرة الطبيب من خلال روايته "عمارة يعقوبيان" – حيث صرح بـ"البنط العريض" بأن:

المرأة أقوى من الرجل في عيادات الأسنان

حيث أكد د. علاء الأسوانى، قائلا: "المرأة تتحمل الألم أكثر من الرجل فهي في عيادة الأسنان أقوى من الرجل ولديها قدرة على تحمل الألم أكثر من الرجل".... ويضيف: "قدرتها على تحمل الألم حقيقة علمية وإلا لم تكن لتحتمل ألم الولادة الذي تبذل فيه الأم مجهودا خارقا، فالله سبحانه وتعالى منحها هذه القوة".


هكذا إذن.. بدأنا بالأحلام.. وختمناها بقدرات النساء الخارقة على الرجال.

لكم أن تحلموا إذن.. يا ذويي الضلوع "المعدولة".
 

(2) تعليقات

:: السقوط إلى أعلى

 
"برج الحمام مسور وعالي

هج الحمام بقيت لحالي"