رحيق
.

:: "الشفاء الذاتي" بطعم القرحة

 

 

بمجرد انتهائي من قراءة كتاب "الشفاء الذاتي".. أصبت بالتهاب حاد في المعدة!

 

أظن أن الجملة أعلاه تصلح مفتتحا لنص قصصي.. أو روائي. وبينما أكتب هذه السطور لا تغيب عن مسمعي ضوضاء السيارات وأصحابها الـ"منشكحين" لفوز منتخب الإمارات بكأس الخليج، لليوم الثاني على التوالي. البارحة لم أكن أظن حقا أن في رأس الخيمة كل هذا الكم الهائل من السيارات – بعد أن أصبحت من أرباب السيارات اختلفت بعض قناعاتي "الشوارعية" – وهي تتكدس في طابور لا نهاية له على طول كورنيش رأس الخيمة وجسر الخور، في احتفالية بهيجة والألعاب النارية تنطلق من هنا وهناك وأغاني الفوز والانتصار تصدح من سماعات السيارات وأبواقها وصيحات ركابها.

 

أعود للفكرة التي تخمرت في ذهني – كما تخمرت أدوية كثيرة في معدتي الآن – عندما كنت أحاول النوم قسريا لأرتاح. تذكرت أن آخر كتاب قرأته ودونته في مذكرة ملخصاتي قبل أسبوعين تقريبا، حمل عنوان "الشفاء الذاتي بقوة عقلك الباطن"، للدكتور/ أحمد توفيق. ولا أدري ما الذي جعلني أضحك من تحت اللحاف بمجرد تذكري لاسم الكتاب، وما وصلت إليه الآن!

 

تذكرت أيضا لوحتي الإعلانية المعلقة في الجامعة، والتي حملت حكمة اليوم وكانت تقول:

You are what you think YOU ARE

أو كما تأتي ترجمتها في العربية: أنت نتاج أفكارك.

 

تذكرت أيضا وأيضا.. كيف أنني ناقشت مع أحد الرفقاء ضرورة أن يصاب المبدع بمرض ما.. وكيف أني كنت – وما زلت حقيقة – أتخذ أبا القاسم الشابي مثالا يحتذى لمعاناة المبدع وألمه. مقتنعة جدا بأن الإحساس الصادق يجب أن يولد مرضا صادقا. أحيانا كنت ألوم نفسي على جبروت الصحة الذي أتمتع به مثلا... أو أنني يجب أن أحظى ولو بمرض واحد على الأقل لأحس بأن الإحساس الشعري صادق مائة في المائة.. ومتقد مع الروح الأدبية تماما. أيعقل ألا تؤثر كل هذه المآسي في روح الشاعر وتمرضه مثلا!! يا للعار والشنار!!!!!

 

بينما نثرت أمي دعواتها وتسبيحاتها فوق رأسي، وأخذ أخي بسام يشد على يدي ويمسح بكفه رأسي محاولا استكشاف كنه المرض.. كنت أترقب الحدث القادم في مزيج من التعب والإنهاك والدهشة. هكذا.. يهطل المرض ولا تدري بأي أرض يخيم أو يقيم. إحساس قطني مرة أخرى.. تصبح الكلمات ثقيلة على لسانك وتتمنى لو أنك ولدت أخرس أصم. أسئلة لا حصر لها تتقلب في معدتك.. كأفكارك وقصائدك التي لم تكتبها.

 

أجل، كنت بائسة جدا في تلك اللحظة بين القشعريرة والألم والقيء والحمى.. كنت بائسة جدا، رغم كل هذا لم تفارقني روح المغامرة.. لحظة الترقب للقادم.. ها.. ماذا بعد؟

أذكر أني كنت أكرر هذا السؤال بين كل نوبتي قشعريرة: "طيب.. وبعدين؟"

لم أحلم تلك الليلة عندما نمت، لكنني كنت سعيدة في قرارة نفسي إلى الوصول لحالة من المعاناة أتواصل فيها وجدانيا – وصحيا أيضا – مع الحالة الإبداعية القصوى!

 

تماما.. أنتظر من الطبيبة أن تهز رأسها وتمعن النظر في ملامحي المتعبة من تحت نظارتها السميكة، ثم تقرر أني مصابة بالقرحة. هذه هي لحظة التنوير التي أرقبها. تأتي هكذا تماما.. ويسدل الستار!

رغم ذلك لم تبد مدة أسبوعين من التعب كافية لجعل "بدايات القرحة" أو "الاتهاب الحاد في المعدة" مخيبة للآمال.. هكذا تكون البدايات الرومانسية للأمراض في نسختها الإبداعية.

 

ألا يبدو كل ذلك مثيرا للسخرية!

 

إننا لا نبحث عن المرض بحثا.. لكننا نبحث عما يطهرنا من الداخل، عما ينظفنا من آلامنا وأفكارنا الانتحارية. عن شماعة نعلق عليها مشانقنا بطريقة طفولية بريئة وساذجة. أبطال الديجيتال نحن! أبطال المأساة نحن..! ربما....

 

 

شكرا لكتاب "الشفاء الذاتي".. الآن أعرف كيف أن القرحة دواء.. قبل أن تكون داء!

(4) تعليقات

:: اعرف نفسك

 
اللعبة جميلة
مجموعة من الأسئلة ولكل سؤال ثلاث إجابات أو أكثر - حسب البراح - وكل ما عليك في النهاية أن تحك رأسك قليلا، وتجمع النقاط، أو الحروف المتشابهة.. و............ تعرف نفسك!
 
الجميل في الأمر أنك تجيب على الأسئلة بكل أريحية.. لن يطلع على إجاباتك أحد، ولست في موقع دفاع عن "شخصيتك" التي سيحللها لك هذا الاختبار السريع والمسلي.. مهما كانت النتيجة - والتي تبدو دائما مثالية ومقنعة لك - فإنك تسلم بها.. هم أدرى! وإن لم تسلم بها.. ما المشكلة.. مجرد اختبار ساذج.. تسليت عليه!
 
لماذا إذن نحاول "تلميع" أنفسنا أمام الإجابات..؟ حتى بيننا وبين أنفسنا نختار الإجابات التي نرى أن "نتيجتها" ستكون هكذا.. بالصورة المثالية التي نريدها.. لا الصورة التي نحن عليها الآن.
حسنا إذن.. فليكن اسم الاختبار: "اعرف ما تريد أن تكونه".. وليس بالضرورة ما أنت عليه الآن!
 
نحب كثيرا أن نتحايل علينا.. ونحب أكثر البحث عنا فينا.. من خلال أسئلة أجبنا عنها مرارا وتكرارا في أشواط حياتنا واختباراتها. الجميل في نظرنا أن بإمكاننا إجراء هذه الاختبارات إلى اللانهاية.. وفي كل مرة سنكون "شخصية" جديدة.. يااااااااااه.. نكتشفنا! يا سسسسسسلام.. أنا شخصية "مثابرة".. أو شخصية "حساسه".. أو شخصية "كئيبة".. معقول أنا كل هذا؟ أووووه يا لعبقرية الاختبارات!
 
رغم ذلك فلتكن الاختبارات.. وليكن سبر أغوارنا التي تحتاج إلى مدافع ورشاشات لنصل إلى أعماقها ونسمع صدانا فيها.
هل يكفي اختبار لتقتنع بأنك عرفت نفسك؟
 
امسك الورقة والقلم..
سجل اختباري أنا أيضا.. لأنني أريد أن أسألك "هل تعرف نفسك؟".. ولكن على طريقتي..
 
لن تخسر شيئا.. بضع أسئلة ليس إلا.. على طريقة رحيق!
 
 

دون أول ما يخطر على بالك، بأن تكمل العبارات التالية:
 
 
  1. كنت على وشك أن............................
  2. اليوم.. سوف...........................................
  3. قسوت على نفسي كثيرا.. لأنها...................
  4. هكذا قلت................................................
  5. كتبت ...............................................
  6. لأنني سمعت تغريد عصفور ..........................................
  7. أحب أن أنظر إلى عيني.....................................
  8. في السماء أرى..................................................
  9. السطر الذي أذكره من مجمل قراءاتي يقول.....................
  10. في الحقيقة.......................................................
  11. لا أستعمل الكلمة التالية أبدا في قاموسي....................
  12. أصدقائي يعرفون.................................................
  13. لكن.................................................................
  14. الله...................................................................
  15. يوما ما............................................................
  16. أحب...................................................................
  17. بقي لي........................................................
 
.......
 
راجع إجاباتك العفوية جدا.. العفوية - خلو بالكم من عفوية - ثم أجيبوني أنتم.. هل وجدتم "أنفسكم"؟

(11) تعليقات

:: نساء... أنور الخطيب!

 
 
هناك نساء يوقدن فينا شعلة
 
 الكلام، يفتحن بوابات التأمل، ويقدحن شرارة الفلسفة، فنتدفق بكل حواسنا وأفكارنا وذكرياتنا ومعارفنا وقراءاتنا، يجعلننا نقرأ مستقبلنا أكثر وضوحا، وواقعنا أكثر منطقية، ونحكم على ماضينا بعقل نقدي صاف، وكأننا على كرسي اعتراف·

وهناك نساء يشاكسن الطفولة في عمرنا، ينبشن البراءة، ويجعلننا نستحضر وجوه أمهاتنا، فنقف أمامهن مسكونين بحالتين، حالة الشغب، وحالة قريبة من القداسة، وما بينهما توق للعودة إلى بيوتنا الأولى، حيث ماء الحياة، وبداية التشكل، واستعداد الجسد الطري لاستقبال الروح·

وهناك نساء لا نملك إلا أن نكون شعراء في حضرتهن، مبدعين متجاوزين لكل مألوف روتيني وتقليدي، منطلقين نحو عوالم نتوحد فيها بمعنى الجمال، نسكن في تلك المسافة القصيرة جدا، والزمن الذي يكاد لا يدرك، والذي يفصل ما بين خفقة قلب وأخرى، ونبض وريد وآخر·

وهناك نساء كالمرايا، نلجأ إليهن في كل وقت ، لا نخجل أمامهن من بعثرة أفكارنا، وارتباك ملامحنا، وارتجاف أطرافنا، واهتزاز أعصابنا، نساء يمتلكن خوفا يفوق خوف أمهاتنا علينا، ويتجاوزن حرص أخواتنا على صورتنا، ويفوق إحساسهن افتخار آبائنا بمنجزاتنا، نرى في عيونهن ما ليس فينا، فيقدننا نحو إيجاده وغرسه في مفاصلنا ووجوهنا·

وهناك نساء كالأوطان، يحتويننا حتى الثمالة، بتناقضاتنا وانسجامنا، ببرنا وعقوقنا، بخياناتنا وولائنا، بهزائمنا وانتصاراتنا، برعونتنا وحكمتنا، بإقامتنا وهجرتنا، نساء يستحلن على التواجد، إلا أنهن حاضرات، نجدهن دائما منتصبات كأشجار السرو، حانيات كأحمال شجر البرتقال، مزهرات كنوار اللوز، يبللن وجوهنا بأمطار نظراتهن، ويغسلن أرواحنا بأنامل صباحاتهن، ويجففن عرقنا بمناديل الحب، تخترق نظراتهن جدران أسرارنا، نذوب من إحساسهن الملائكي، حتى نشفق عليهن، وفي واقع الأمر هن يشفقن علينا··

وهناك نساء كالشرفات، نتوحد بهن ونطل، فتكبر الرحمة في عيوننا··

وهناك نساء كالفراشات، ينبئننا بقدوم فصل الجمال والخصوبة والتكاثر والانطلاق··

وهناك نساء كالكتابة الإبداعية، يزودننا بمخيلة جامحة لإعادة ترتيب الحياة وإعادة تشكيل الذاكرة وتزويدنا بالمعارف الإنسانية ··

وهناك نساء مربكات، كلما هممنا بالكلام أوقفنا إحساس ما، فنحجم عن التدفق، عاجزين عن استنباط الأسباب، لكننا نستمتع بصمتنا أمامهن، مفسحين المجال للغة أخرى، قد تكون على غير ما نظن، مختلقين حوارا يوافق اتجاهات بوصلاتنا، وحين نغادر الصمت شرقا وغربا، نشعر وكأننا كنا على سفر ثقلت فيه الرؤوس ··

هناك امرأة واحدة تختزلهن، كلما سرقني وجهها تبدل وعيي··

وحدها·· تعزز عيناها وهما تغلفاني، معنى الخشوع ··

 


 
** نقلا عن جريدة الاتحاد - زاوية "نافذة" - لأنور الخطيب

(1) تعليقات

:: شجر اللمون

 
 
".... جوايا بندهلك
يا ترى بتسمعني؟

وفينك..؟
بيني وبينك
أحزان ويعدوا
بينى وبينك
أيام وينقضوا
وشجر اللمون
دبلان على أرضه
شجر اللمون
دبلان على أرضه"

 
 
....
 

(2) تعليقات

:: خيماوية.. في الشارقة!

أتذكر الآن أني لم ألتقط أي صورة تذكارية لتلك الأمسية. عندما أستعيد شريط الأحداث أحس بسرعة إيقاع البارحة. أفرح لأن خطواتي كانت واسعة بينما أمشي جنبا إلى جنب برفقة أخي بسام.
كم مرة كانت خطواتي واسعة إلى هذا الحد على الرصيف وصخب السيارات والناس يعبث بطرف منديلي أو تنورتي؟! طيران على الرصيف هو.. تحليق اضطراري على مدرج الحرية على طريقة الشارقة! ربما..
 
أمسية للشاعر الإماراتي - الخيماوي - الأستاذ أحمد العسم. هذا الرجل الذي يلتحف بالطيبة. إن نظرت إلى عينيه مباشرة تحس بحبات الحياء تتسلل إلى جبينه، لكن قلبه الشاعر ينسج مواويل وحكايات دون أن ينطق بها.
ألتقيه أحيانا عندما تحضرنا أمسية ثقافية في فرع الاتحاد في رأس الخيمة. هو خيماوي بامتياز إذن. حضوره يعني حضور رأس الخيمة بكامل بهائها أمامك.
 
البارحة.. أمسية في النادي الثقافي العربي، لأحمد العسم ولشاعر آخر. أسعدني الخبر، وخشيت ألا أتمكن من الحضور ودعم حضورنا الخيماوي هناك، لكن الفضل يعود إلى بسام، حيث دعم ذهابي إلى الشارقة، بينما لا أعرف أنا أو هو.. أين يقع النادي!
 
جنون المشي بحثا عن المكان يعد بحد ذاته أمسية منفردة العزف.. شاعرها الدهشة.
وصلنا متأخرين ربما، وأنهك معنا رفيق الحرف/ ميلاد، الذي حاول جاهدا أن يصف لنا المكان بعينه... بينما كنا نراه بعين الزائر لا المقيم!
على كل حال.. وصلنا في النهاية!!
 
أجل كانت أمسية هااادئة وادعة.. تساءلت خلالها عما يجمع المثقف مع المثقف، والكاتب مع الكاتب. يغيب الإلقاء عن شفتي الضيف الأول، بينما يمسك أحمد العسم بزمام الإلقاء نوعا ما.. ويبرع فيه تماما في الشعر العامي. أعود إلى حيرتي الأولى.. ألا يجب أن يتقن شعراؤنا - إن وهبوا للشعر أنفسهم - الكسرات والفتحات والسكنات.. ويسألوا عن سيبويه ولو في شعرهم!
 
هناك حيث يبدو أني كنت الحاضرة الوحيدة إلى جانب صفّين من الرجال المسطرين أمامي وحولي.. تساءلت أين غابت ابنة الشارقة.. كاتبة الشارقة.. شاعرة الشارقة! أين غابت أي امرأة.. أيا كانت.
كان غريبا أن يبدو اسمي وحده على الورقة البيضاء، باللون البنفسجي.. وبجرأة جامحة يفسر نفسه/ شاعرة فلسطينية.. لا تريد أن يعرفها أحد.. إن كانت تدون بأقلام رصاص.. لا تعرف معنى الرصاص.
 
أحضر من رأس الخيمة. أدون كلمات على دفتر أبيض.. عن أمسية رأى شاعرها النجمة تنطفئ في فمه.. ويد حبيبته لا تحسن القراءة.
 
هل حضرت أمل إسمـاعيل الشاعرة هناك؟ أم حضرت فتاة عادية أوصلتها خطواتها الواسعة في شوارع الشارقة إلى النادي الثقافي العربي؟!
 

(2) تعليقات

:: الحـُسـن

 
مفتتح:

"كلما عاد شاب على أكف الرجال، زادت مساحة الخضرة في عينيها"*.

 


 

للريح عندي أغنيهْ

وسأسرقُ الزمن الذي أودعْتَ في عينيكَ حتى لا ترى أحدا سوايَ

وترتوي من ظلّ سنبلة توضت من نداك ولم تسافـر

أن أكون "الحسن"* أو كل الرجال هم المدى....

عيناك... أنت قصيدتي عادت بها الغيمات.. حبات المطر

البردُ!

هل جربت أن تصحو على منقار طائر؟

 

كنتُ مثلكَ

إنني أدعوكَ فلنفطر سويا

هاتِ كأسكَ سوف يملؤها المطرْ

قطعٌ من الخبز السماويّ المحمصِ

خذ دواءكَ من شفاهي قبلةً...

الأرض ملكي والسماء على جناحِي حقل عشقٍ

والسنابل ملئ شـَعري..

.............

 

(يتبع)
 
 
 
 
 
 

(مفتتح رواية "مندل" للأديب الفلسطيني/ أنور الخطيب)

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية