في فترة ما من طفولتي.. كنت أغبط إحدى الصديقات لأنها حظيت بأخ من الرضاعة، تتشاطر وإياه ذاكرة مسافة، ورغم زياراته المتقطعة لها مع مرور الأيام، إلا أن ما يميزه هو اختلافه عن أشقائها كونه غير حاضر يوميا، وحاضر بصورة مختلفة كليا.. هذا الذي يمكن أن يفهم جانبها الآخر الذي لا يراه من ألف رؤيتها من بـُعد واحد فقط. كثيرا ما بحثت عن هذا الأخ الغريب، هذا التوأم الذي يمكنني أن أتشاطر معه ذاكرة مسافة. ذاكرة مسافة تجمعنا رغم كل تلك الحواجز، رغم كل تلك الاختلافات الجينية والاجتماعية. أخ يمكنني أن أفهمه من نظرة.. تنهيدة.. لحظة شرود مباغتة.. أو مرور خاطف على خط القلب. أخ أتحدث معه طويلا على الهاتف دون أن تصيبني فوبيا الكلمات.. أخ لا أنتظر منه تحليلا لما كان وسيكون.. بل قلبا مفتوحا على الوجع، يخيط نزفي وأخيط نزفه.. نقتسم الفرح والحزن، الألم والأمل.. كرغيف خبز يشبع عاطفة جياشة، وقدرا لا مفر منه. أخ أحبه كثيرا.. وأتمنى لو أضمه فلا أتركه إلا بعد أن يفرغ كل منا ما في جعبته من دمع أثقل المقل. أخ.. يسمعني حين أصيح وحدي: "أخ"........ أخ أسند ظهره بدعوة في الغيب.. وأنفخ الريح خلف جناحيه ليحلق عاليا، فأدرك أن السماء تتسع على مرمى ناظريّ كلما علا وفرد جناحيه بقوة. أخ لدمعته طعم ابتسامة.. ولابتسامته عرس ملائكي يتلألأ في عيني.. أخ إن غبتُ حضر.. وإن غابَ حضرت، لا يفصلنا إلا ذلك الخيط الرفيع من الزمان والمكان.. أخ أرسم أحلامه، فيلوّن أحلامي.. وأقرأ مستقبلَ أيامه، فيرتبُ خطوط يدي المبعثرة في يده.. أخ أشاطره البحر والسماء.. أتقلب بأفكاري كالموج في طيات روحه، يحتويني فلا أخاف، أضرب شواطئه لحظة جنون، فيبتسم. أخ يكونني وأكونه.. توأمي الذي يشد أجنحتي، وأشد أجنحته.. ل ن ط ي ر
لماذا لا يكون اسمي حياديا.. لا يرمز إلى حالة أو إحساس أو قضية أو ما شابه! لم على أسمائنا أن تحَمِّلنا مسؤوليتها حتى النهاية!! ألم يكن الأجدى أن أحمل اسما ماديا بحتا.. يرمز إلى صفة جسمانية أو ما شابه!! ما عيب اسم مثل: نوره.. مريم.. فاطمة.. عائشة.. عبله.. شاديه.. ميسون.. مرام.. سيرين.. سهى... أمل.. لا تسخروا مني.. إن بحت لكم بسر يبدو ساذجا.. هذه الهمزة الحادة في أول اسمي.. وتلك اللام في آخره ترن الأولى كناقوس خطر.. بينما يتردد صدى اللام... أ........ للللللللللللللللللللللللللللل هكذا ببساطة.. ما إن يناديني أحد، حتى أحس بوقعها مع نبضات القلب.. تتكرر.. تتكرر.. تتردد هنا وهناك... من رأسي حتى أخمص قدمي.. أستطيع أن أحس بها سواء كانت منطوقة أو مكتوبة... نفس الشعور ونفس حالة الرعب المرتبطة بالأحرف. نحن منذورون لتحقيق بشارة أسمائنا.. ربما جاء صدفة أن جعلت كل عناويني مرتبطة بـ"أملنـا".. وربما لا شعوريا أضفت "نا" الفاعلين إلى "أمل".. لأهرب من تهمة حيازة اسمي وحدي.. ولأربط مسؤوليته بكم جميعا بلا استثناء.. لكنني لم أكن أدري بأن هذا الربط سيعود إليّ في النهاية بمسؤوليات أخرى.. حملها اسمي منذ البداية. الهروب من اسمك في حد ذاته.. هروب إليه.. نحن وأسماؤنا في حاجة للحظات صمت.. للحظات انهزام.. للحظات ضعف ووحدة وجبن.. للحظات تقوقع واعتكاف بعيدا عن معاني أسمائنا وما تمنحه لنا أو للآخرين. نحن في حاجة إلى أن نحمل أعباء اسمنا للآخرين، لأن نلقي همومنا على كاهلهم.. لأن نعترف بأننا لا نحمل "سوبر" أسماء.. نحن مجرد بشر عاديين.. لا ملائكة مجنحة ولا هبات سماوية تتنزل عليهم في لحظات اليأس والقنوط.. نحن في حاجة إلى أن "نكوننا".. فقط، بلا أي إضافات أو نكهات تضاف حسب اختلاف النفسيات والأذواق! نحن في حاجة إلى أن نتجرد من كل شيء.. لنرانا فقط.. بعينين اثنتين.. لا أكثر ولا أقل. إن كان اسمك حياديا.. مريحا.. فاحمد الله على ذلك.. فصعب جدا.. أن يحتمي بك أحد في أي لحظة: لا يمكن أن يحدث ذلك، فأنت أمل.... إنك أملنا.. لدينا "أمل".. أليس كذلك! و"الأمل" موجود... ما دامت "أمل" معنا.. الجميع إلا "أمل".. صعب جدا.. أن تحمل اسمك.. وكل الأسماء دفعة واحدة.. 

لم يكد يهنأ المثقف الخيماوي بالحياة تدب في أوصال فرع اتحاد الكتاب والأدباء في إمارة رأس الخيمة، حتى عاجله خبر احتراق المقر عن بكرة أبيه، بسبب إهمال متعلق بأعمال الصيانة التي كان يفترض أن تؤجج فيه شعلة الحياة.. لا أن تحوله إلى رماد!
هذه الفاجعة التي زلزلت الكيان الثقافي الإماراتي وهو يستعد لعرسه الثقافي السنوي - المتمثل في معرض الشارقة للكتاب - تختم على جباهنا سؤالا ملحا، يبحث عن ترجمة فورية على أرض الواقع: أين هو دور القطاع العام والخاص في دعم المنشآت الثقافية؟ وهل حال فروع اتحاد الكتاب في الإمارات الأخرى بأحسن حالا! أم أنها تنتظر جميعا.. "شرارة" الرحمة!
إن المراكز والمؤسسات الثقافية ما هي إلا مراكز استجمام ومنتجعات فكرية على مستوى عال من الأصالة والإبداع، ولكن غياب هذه الراقية عنها دفعنا إلى إهمال الثقافة، والمثقفين، مرورا بالمنشآت الثقافية التي تحتضن هذه الفعاليات المقموعة في ثقافة استهلاكية محضة. ولو أننا جميعا استثمرنا أموالنا في دعم المشاريع الثقافية كما استثمرناها في بناء مراكز التسوق، وإخراجها في أبهى حلة، وأحدث طراز معماري وقالب هندسي، لتمكنا على الأقل من زحزحة أقدام جمهورنا الكريم عن درب الاستهلاك، ومضينا بهم على درب استهلاك ثقافي معرفي من نوع آخر، يرتقي بهم، ويوصل رسالتنا جلية محببة. فهل عجزنا عن تشييد مبنى لفرع الاتحاد، عوضا عن شقة مؤجرة تتقاذفها أعمال الصيانة حينا، وانحشارها بين الأبنية وزحمة العمران حينا آخر!! أيعد هذا "المول" الثقافي تجارة كاسدة، وتجربة ميؤوسا منها حقا!
إن احتراق اتحاد الكتاب في رأس الخيمة، ضريبة يدفعها المثقف الخيماوي إزاء حبه وإخلاصه لحرفه، وثقافته، ونبض مدينته التي عانت طويلا من إهمال رجال الأعمال وذوي الأموال في دعم الجوانب الثقافية. ولعلني أشبه حالة الحب الميؤوس منها هذه بمقولة يرددها كل عاشق: "أول علامات المحبة: دموع العين، وأوسطها: قلق القلب، وآخرها: احتراقه".
ولا عزاء لأبناء الاتحاد في هذا المصاب الجلل.. في هذا الاحتراق، في.. آخر علامات المحبة!
كم مرة عددتَ على أصابعكَ أصدقاءكَ المقربين، أصدقائكَ الحقيقيين، أصدقاءك الـ..؟؟ وكم مرة فاضت أصابعك العشرة وخذلتك؟ هكذا ببساطة.. بعد "شيرين".. لم أحظَ قبلها ولا بعدها بصديقة... "صـديقة"! ولماذا "بعد"..! هذا ما لا أملك الإجابة عليه الآن. شيرين، صديقة الطفولة، والمراهقة.. صديقة الذاكرة الأبقى.. هي الأقرب حضورا إلى الذهن، والقلم، والورق، وأشرطة الذاكرة... رغم قصر الفترة التي عشناها معا - سنتان، في الروضة والابتدائية، وسنتان أخريان في الثاني والثالث الإعدادي - فقط.. هذه هي مذكراتي الزمنية مع شيرين.. إلا أنها رغم ذلك.. صديقتي التي لا يمكن أن تعوض! لا أتحدث عن شيرين كثيرا بما يثير الملل للآخرين، لكنني إن أحببت تفسير "الملل" فلن يكون له حضور في سرد ذكرياتي معها.. لذلك، خير لي ألا أصف ما لا يوصف. مهما كان لك من أصدقاء، فإن لك تصنيفات مختلفة معهم، هناك أصدقاء مؤقتون، وآخرون فرضهم عليك ظرف المكان والزمان، وصنف ثالث من أصدقاء الاحتياط.. يتواجدون حسب الحاجة، وصنف رابع يتنوعون تبعا لنشاطك وهواياتك.. يتواجدون حين تنشط، ويختفون حين تفتر همتك، وصنف خامس يشاطرك أفكارك، وأفكارك فقط، وليس سواها.. وصنف سادس وسابع وثامن.. وما شاء لك من التصنيفات التي لا تنتهي.. أنت وأقنعتك.. أنت وشطارتك... لكن.... وحدها شيرين، كانت بعيدة عن كل تلك الأقنعة.. وشاطرتني "أمل" لحظة تكوينها.. كما هي.. بلا رتوش أو إضافات.. فتحس تلك الصداقة صافية، بلا شوائب، تنبض مع القلب، وتتفتح في الرئتين فتملآنها بهجة. رغم بعد المسافة، ورغم هذا الفاصل الزمني منذ الإعدادية وحتى الآن.. ورغم أني لم أرها كل هذه المدة، إلا أنني لا أحس بغربة تفصل بيني وبينها، ولا أحس بانقطاع حبل الاتصال بيننا.. ولا أحس بأن لدي كما هائلا من الأخبار لأحدثها بها كما يفعل المغتربون المشتاقون إلى أحبائهم وأصدقائهم. هي هكذا.. حاضرة معي، تسردني تفاصيلي أمامها بلا تكليف.. مثلها تماما.. براحة، ببلاهة أحيانا.. بنزق طفولي حميم.. نحضن المسافة فينا، نتسرب في الكلمات وبين النظرات، فنرتاح. يا أصدقاء "أمل" بـ"آمالها" المركبة، وقوالبها المعجونة كائنا واحدا قلقا. اعذروا أشلائي المبعثرة بينكم.. تلك التي لا تجمعها إلا هي. ألا... هل حدثتكُم عن شيرين! 
إلى ميسـون خليل أدهشتِـنِـي.. مرتين! . . . لكِ وحدكِ الفرح ولنا طول الأمـل. *** إلى بسمة فتحي أحببت أن أرسم "نجمة" على كفي لأتذكر... انتهيت إلى جسد مرقط فاحم.. كصفحة السماء في ليل حالك! *** إلى منى العبار برج الأسد.. يقطر رقة! إلى أسرة ديوان العرب أفتقدكم... أكره هذا الغياب. *** إلى صالح الأستاذ يوما ما..... سنعترف جميعا. *** إلى ميلاد الهرابي يا أخي.. ماذا تظن أن المسافة تفعل بالأماني إلى "شلة الفساد" يبدو أنكم.. رغم أنوفكم.. بخـــير! *** إلى "عبد الرحمن" الذي لا أعرفه لا تيـأس! *** إلى الترجمة يمكنني أن أنتظر دهرا.. وحدي.. هكذا فقط.. معكِ.. كم يصبح مرا هذا الانتظار! وكم تكسرني نظرة الخذلان في عينيكِ! إليه كل شيء.. يذكرني بك أولهم.. أنا! *** إلى أمل إسمـاعيل .. لا أفهمك! 

<<الصفحة الرئيسية



























