تبحثُ عمّن يصلحُ تلفازكَ ينقلُ أخباركَ للعالمِ يكتبُ سطرا من شِعرٍ يتحدثُ عنكَ يصلِّحُ ماكنةَ القهوةِ أنتَ مريضٌ.. وفراشكَ بؤرة أوجاعٍ قال طبيبكَ: لن يشفيكَ غسيل يديك ولا استبدال لحافك بقصيدهْ غـَيِّر جلدكَ.. تـُشفى. يتحدثُ عنكَ الجيران بحسنِ النيةِ حين تمرُّ ولا تكترثُ لغصنٍ يصطادُ قميصكَ لن تكسرَ غصنا يتمتع بالحرية لن تذبحَ ولدا لمجرد أن ألقى كرةً من طينٍ لن تكترثَ لمزبلة الحارة إن كوَّمها الخدمُ ببابِ الدارِ ولن تفعلَ شيئا.. أنتَ مريضٌ ستهزُّ الرأس وتمضي ما أطيبَ هذي الجيرة! تفتعلُ الأحداثَ لتحتفلَ قليلاً تنسى أنكَ ممنوعٌ من كل الأشياء الحارّةِ ممنوعٌ من مصِّ الليمون على الريقِ ومن قطعِ الحلوى حاذقةِ الطّعمِ وتنسى أنكَ شخصٌ آخر.. لن تغضبَ لن تحرقَ أفكارك في كتبٍ تقرؤها لن يعصركَ الشوق لأحبابكَ إن غابوا لن تحلمَ إلا أحلاما ورديهْ أنتَ مريضٌ فتتخَفَّفُ مِنكَ لتـُشفى. حين تطلُّ العافيةُ تعَـزَّز لستَ رخيصا كي تهزمَكَ الصِّحة أثمنُ من أن تفقدَ صَبركَ أغلى من كل الأدوية الملقاة على طاولتك أنتَ وفنجانٌ ممنوعٌ من شُربه أنتَ ولائحةُ الحميةِ أنتَ ووصفتكَ الطبية ونتائج تحليل برازكَ أنتَ وكلّ تجاربكَ عن الوحدةِ أنتَ مريضٌ مَرِّرْ عينيكَ على ساعتكَ الرملية تك.. تك.. تك تتساقطُ حباتكْ.
انفجرت اليوم، لم أكن مصابة بالاكتئاب بقدر ما كنت ألوم نفسي على إخفاقي في تجاوز "الكركبة" التي خلقتها لي فوضى القرارات، والتسجيل الجامعي، والطالبات، والمساقات الدراسية، و"المجهول" القادم من اللا مكان والذي أحاول دائما تحاشي التفكير فيه، رغم علمي بأنه أمر حاصل لا بد من مواجهته. ذاكرتي ليست ضعيفة أبدا، أحسست بالانتصار اليوم لأن الأوراق التي أنبت نفسي كثيرا على فقدانها من مكتبي – الحقيقة أني أجبرت نفسي على الاقتناع بهذه الفكرة – كانت ما تزال في مكتب مديري. هو أمر تافه، لكنه كان مصيريا بالنسبة لي.. أن تصبح وحدك سوبر منسق لكليتين يعني ألا تمزق ورقة، ألا تنسى تاريخا، ألا تغفل أي ملاحظة يتفوه بها محاضر مادة أو طالب مستاء.. يعني.. ويعني.. ويعني........ منذ ثلاثة أيام وأنا منزعجة من لساني. هل سبق أن انزعج أحدهم من لسانه؟ لا علاقة لانزعاجي بالكلام، بل باللسان نفسه.. اللسان كعضلة تتحرك كيفما تشاء – أو نظن أننا نشاء – داخل فمنا. اليوم فقط، لاحظت أن لون لساني أصفر، وأن "الانزعاج" ليس إلا نوعا من حساسية أو التهاب أصابه، مرده إلى المعدة. سأتذكر أن أقوم بكشف يومي على أجزاء جسدي، سواء الخارجي منها أو الداخلي.. لكني لا أتخيل حقا أني سأراجع الطبيبة فقط لأخرج لها لساني! تحدثت في البداية عن البحر، وقلت إن لدي الآن العديد من الصور له. أول مشوار خرجته بالسيارة كان إلى البحر، وأصبحت أكرر هذا المشوار كثيرا في طريق عودتي من العمل. أقف بالسيارة على التلة التي تطل على البحر، وأتلو آيات الصمت، ألتقط له صورة، صورتين.. ثم أمضي. زيارتي للبحر كانت مميزة اليوم؛ بكيت. إنها مناسبة تستحق الاحتفال، رغم أن البكاء هنا لا يعدو دمعتين أو ثلاثا.. بالنسبة لي هذا يعني شلال دمع، بحيرات وأنهارا. ارتحت! مطلع من قصيدة كتبتها يوما، أردده كثيرا: (أيها البحر لماذا أخفقت روحي ومالت شمس قلبي للمغيب) على فكرة.. "أخفقت" هنا لا تعني الإخفاق أي الفشل، بل غروب – إن صح التعبير – القمر. يحبك الناس.. يقدرك الناس.. يحترمك الناس.. يتذكرك الناس. أيها تختار؟ ظرف بني صغير وجدته في صندوقي اليوم، فتحته وقرأت أول سطرين فيه، فرحت. فيما مضى كنت أدعو الله أن يحقق لي أمنية.. الآن صرت أفكر فيها فقط.. وأبتسم. أنت لا تمضي نحو قدرك.. قدرك يسعى إليك... هكذا ببساطة، سيأتيك! أكثرت من استخدام علامات التعجب، قالت لي زوجة خالي اليوم – والتي وصلتنا في زيارة مكوكية من فلسطين لتزويج ابنتها – إن عليّ أن أتحلى بقليل من الواقعية، وإن المثالية المفرطة – أو هكذا ترى من خلال مجموعتي القصصية التي قرأتها لي قبل أن تراني – تضر بمستقبل الفتاة، وتقلل من "فرصها". أتذكر كلمات الشاعر السوري ماجد خطاب، حينما وجد فيّ فصلا عنيفا ومخيفا بين الشاعرية والواقعية. من أصدق الآن! سأخضع لاختبار شخصية جديد ربما.. أليس ذلك أفضل؟! في معرض الكتاب اليوم في رأس الخيمة – وهو المعرض الأول من نوعه – ماتت الكتب على الرفوف، مات الباعة، مات الجمهور. يستمر المعرض عشرة أيام، اليوم هو الأول. لم ألتقط صورا، لكني أعدكم بأني سأفعل في زيارتي الثانية، لا بد. قاموسي ينتظر، وليلي طويل، وعاصفة ستمطر رأس الخيمة بالأمنيات الخضراء في العشرين من فبراير.. تذكروا هذا جيدا.
جاي ع بالي أحكي عاميّ.. مع إن العامية الفلسطينية حتى في بيتنا، لها أشكال وأنواع.. ممكن نقول إنها اختصار للشتات الفلسطيني.. للمسافات اللي زرعتها الغربة في لساننا جوا أفراد العيله الوحدة مهما كانت روابطهم العائلية متماسكة. هيك أشياء بتلاقيها بتتسرب من غير ما نحس فيها، وبعدين بتصير جزء من "النكتة" اللي بنعيشها.. مثلا ببساطة، نضربلكم مثال: بتلاقي التعبير عن الوقت.. لما بدنا نقول "الآن"، بيطلع في عيلتنا هيك: بابا وماما بيقولوا: هلقيت محمود بيقول: هـَسّه محمد بيقول: هالحين بسام وأنا بنقول: تـَوَه الكل بفهم ع الكل.. ومحدش بستهجن اختلاف المفردة ما دام التعبير عن المعنى وصل. كنت بحكي عن أكل الهوا.. مبارح سمعت عبد الحليم بغني "زي الهوا".. وصلتني مسج من بسمة بتسأل عن أخبار معدتي، وبعدما تبادلنا كم مسج بين معدتي ومعدتها المضروبات، قلت لها إنو لازم نهتم بحالنا وإلا مش حنلاقي غير "الهوا" ناكله!! الغريب إني بعد تفكير طويل، اكتشفت إننا كل يوم بناكل هوا بطرق مختلفة.. يعني مفيش أسهل من أكل الهوا.. كيف؟ خلوني أوريكم: - لما تكون مش قادر تعمل حاجه وانتا شايفهم بيقتحموا الأقصى – وع فكره هاي مش أول مره بيقتحموه – وتلاقي إن أي كلام وأي شجب وأي استنكار بدك تفكر فيه كأنوا كلام في الهوا.. بيطلع حكيك للهوا وبيرجع يرتد عليك.. في هالحاله بتلاقي حالك بتاكل كلامك.. باختصار يعني.. بتاكل هوا! - لما تتخانق مع واحد حمساوي وواحد فتحاوي، والاتنين مخاخهم مركبه شمال، وكل واحد مقتنع إنو جماعة التاني مقدسه ومفيش أطهر ولا أشرف منها بالكوكب.. وتقوللهم يا جماعه دخيلكم! الدم الفلسطيني واحد، ما فيه دم درجة أولى ودم درجة تانيه. ساعتها ما بتلاقي إلا التنين هبو فيك، وقالولك كلمتين خرسوك: يا عمي حـِلّ عنا.. يا أخي كول هوا! - لما تكون صايباك قرحه.. أو التهابات معدة – أيا كان نوعها – معدتك بتبطل تهضم الأكل كويس، وبتتجمع فيها الغازات ونواتج الهضم.. ما بدي أقرف بدنكم.. خلاصته يعني، بتصير حاسس إنك مليان هوا.. بالأخييير.. بتلاقي حالك مقتنع تماما إنك ما أكلت أكل فعلا، وإنو هاللي أكلته هوا.. هيك انتا ماكل هوا! - لما تحب.. وتحس بإن اللي بتحبه قدام عنيك.. دايما معك، في وجهك، من وراك ومن قدامك ووين ما رحت. شايفه فعلا.. شاااااايفه لدرجة مش مخلياك أساسا تقتنع إنو مش موجود معك في هالمساحه الصغيره اللي بتتحرك فيها. لما تيجي تمسك إيده، أو تحط راسك على كتفه، أو حتى تبوسه مثلا.. أو تكون مريض ونفسك ييجي يطعميك زي ما المرضى بيتدلعو.. بتفتح تمك للفراغ.. يعني للهوا.. ما بتوصلك اللقمه، بتمد إيدك تتلحقها.. بتلاقي حالك فاتح تمك للهوا.. وما أكلت غير الهوا! - لما ابنك يلزق فيك وكل شويه جاييك بدو تشتريله حلوى.. ومره يشوفلك دعاية كندر يقوللك بدي كينداااااار سرررربراااايز.. وبدي أوريو.. وبدي الحلوى اللي بتنط من هاي اللي بشوفها ع سبيس تون.. وبدي.. وبدي......! انتا بتوصل معك للآخر، وبينطبل راسك.. يا بتمسك بهدوم الولد وتحدفه لأمه، يا بتلاقي حالك بتضربه باللي ف إيدك وتهشه: أي عنّك ما أكلت زفت.. روح لأمك يجعلك تاكل هوا! - لما بتستنى ينزل مطر زي ما قالو في نشرة الأخبار. وكل ما تشوف غيمه بتجري تبحلق بالسما ع أساس كلها دقيقتين وينزلو المطرات. بخطر على بالك فجأة تعمل زي الأفلام الرومانس وتفتح تمك هيك بالك ينزلولك نقطتين مطر تبلعهم وترسم ابتسامة سحرية، ولو كملناها بتصير دعاية معجون سنان. بتضلك فااااااااتح تمك.. ما في مطر.. ما في حتى ورقة شجر طايره تعدي عليك أو حتى دبانه تنزل بهالتمّ المفتوح. ما في غير الهوا. هاي السما.. ما بتنقط في تمك مطر، هاي سما ما بتنقط غير هوا.. يا ماكل الهوا! - لما تستنى ترجع للبلاد، وكل يوم يحكيلك أبوك وأمك وجدودك عن البلاد، وريحة البلاد، وتراب البلاد، وأهل البلاد، وكل شبر من البلاد. لما تلاقي طعم الزتون واللمون والبرتقان في تمك. وتشم ريحة خبز الطابون كأنو بينخبز جنبك. ما ضل عليك غير تبلع اللقمة تتلحق التانيه.. تبلع وتبلع وتبلع.. يا الله ما أزكى التمني.. ما أزكى الحلم! هالحلم اللي انتا ماكله.. وطلعت مش ماكل غير الهوا! ولسه، ولسه في أنواع كتير من أكل الهوا، ويمكن انتو أدرى مني فيها.. كل واحد حسب تجربته وحسب "الهويات" اللي جرب ياكلهم! هاي خبره بتنبنى مع الزمن أكيد. بس مع هيك.. بيضل أكل الهوا أرحم.. أطيب.. من إنو ييجيك يوم تلاقي حالك بتاكل فيه أشياء تانيه. أشياء ما توقعت عمرك إنك تجرب تدوقها... أو ييجي واحد ابن...... يحكيلك: كوول "...." !!!!!!! 
<<الصفحة الرئيسية

























