رحيق
.

:: البنت سر أبيها..

 
 

 

لست من المؤمنات بنظريات فرويد، ولا بعقدة أوديب وإلكترا، ولا بالمثل القائل "الولد سر أبيه"، و"......، تطلع البنت لأمها".

ما يهمني في الموضوع فقط، هو توجيه تحية، وشكر، وتقدير، وباقة محبة لا تقدر بثمن، وألف قبلة على يد هذا الرجل العظيم، والأب الحنون، والصديق الذي مهما بحثت له عن مثيل فلن أجد.

آخر العنقود = قدري.

مدللته الصغيرة = قمة سعادتي.

ابنته التي حملت همه، وفكره، وأحلامه، وجنونه الذي أراده ولم يكنه = غايتي.

 

في صغري حملت هم آخر العنقود، كنت قلقة جدا ألا أستمتع بذكريات أسجلها معه، وكثيرا ما جلست أعدد الأيام والسنوات التي قضاها إخوتي الآخرون مع والديّ، لأقارنها بما سأقضيه معهما. الآن.. أبتسم بسخرية لهذه الأفكار الطفولية... عندما أعد على أصابعي مرة أخرى، أجد أنني الابنة الأوفر حظا التي عاشت في كنف والديها دون بقية إخوتها وأخواتها!
 

صورة أثيرة وقديمة جدا.. في خورفكان، في الثالثة من العمر تقريبا.. فوق سيارة المازدا البيضاء!)
 
 

لا أذكر أنه تكبد عناء توصيلي إلى مشاوير "خاصة" منذ طفولتي.. إلى صديقاتي أو حفلاتي المدرسية أو غير ذلك من نشاطاتي التي لا تنتهي. وبينما كان الآباء الآخرون يقيدون حريات بناتهم كان أبي يوصلني هنا وهناك، وابتسامة السعادة والفخر تشرق على محياه.

أجمل مشاويري كانت عندما يصحبني معه إلى لعب كرة القدم صباح يوم الجمعة. وكذلك عندما يأخذ بيدي إلى السوق، سوق السمك، سوق الخضار، أسواق رأس الخيمة المتنوعة. لم أكن في حاجة لأطلب منه شراء حلوى.. كانت الحلوى حاضرة دائما، وما شئت أجده ملك يميني.

 

ما زلت أذكر درس حروف الهجاء للصف الثاني الابتدائي، عندما أخذت وقتا طويلا في نسخه. غضب مني حينها. لكنني لم أتأخر بعد ذلك في الكتابة.. أبدا!

 

في السابعة، وعندما كتبت أول قصة قصيرة.. فرح أيما فرح، وسعد أيما سعادة. محتفلا أحضر آلة كاتبة، وتولى بنفسه طباعة القصة، وأنا معه.. كلمة كلمة، وسطرا تلو سطر.

ورغم أني كنت أخجل من إطلاعه على كتاباتي، ورغم أني كنت أتحاشى أن أذكر في المدرسة أن والدي مدرس لغة عربية كي أستقل استقلالا "عصاميا" بنجاحي الأدبي، إلا أن الدائرة تدور دائما، وأجدني وإياه في قارب واحد.. القارب الذي لم أغادره أصلا!

في كتابتي تحليت بالجرأة التي تنازل هو عنها من أجلنا. ونشرت كتابا في سن صغيرة، في حين لم يجد هو وقتا يتفرغ فيه للكتابة بسببنا.

 

أبي في قمة السعادة.. يفتح معي صناديق كتاب "لأنها لا تموت" بعد وصولها طازجة من الشحن!)
 
 
 

وكثيرا كثيرا ما تمنيت في طفولتي أن أدخل إلى عقله، وأن أغرف من معين علمه، ومعرفته. تدهشني ذاكرته الحاضرة، وكلماته المتدفقة، وأسلوبه السلس، واستطراداته، وحكاياته، وذكرياته، ومعلوماته.. أقارن ما وصلت إليه فلا أجدني حققت إلا النزر اليسير الضئيل. أتمنى لو أن بإمكاني أن أكونه لحظة ما.. أن أنقل هذه الثروة التي بين يدي.. والتي لم أقدرها ولن أقدرها حق قدرها مهما فعلت.

أفرح حين يباهي بي أمام الجميع، يقول: أمل الوحيدة التي ورثت عني حب الأدب. أمل مترجمتي!

 

مشجعي لإقامة الأمسيات الشعرية، ورفيقي في السفر لحضور أول مؤتمر خارج البلاد ونطاق العائلة. رغم ملاحظاته التي احتفظ بها رسائل في عينيه، ورغم قلقه حينا، وتراجع حماسته حينا.. إلا أن ابتسامة رضى مني كانت تمسح كل ذلك في غمضة عين.

 

ومن خلفنا مسجد محمد علي.. وذكريات مصر..)
 
 
لست عاطفية أمامه.. لكنني مهرجة تخفي عاطفتها بصخبها وقفشاتها.

ابنته الجريئة الذكية الأنانية المتهورة أحيانا كثيرة. وهو يحب هذه الشخصية الواثقة، ولا يريد إلا أن يرى نظرة الحب الشجاعة في عيني.

كثيرا ما تمنيت أن ألقي نفسي بين ذراعيه وأبكي.. أو أن أقبله وأحضنه طويلا وأقول له كم أحبه. لكنني عند هذا أقف...

لم أملك جرأة عاطفية جياشة إلى هذا الحد. إنني أشبهه كثيرا.. أشبهه في صرامة قسماته، وحدة نظراته، التي يمكن أن تنقلب مائة وثمانين درجة في لحظة مؤثرة.. مزلزلة.

 
 

(يوم التخرج من الجامعة.. بعد دمعتين.. ابتسامة..)
 
 
 
الصدفة وحدها وضعتني أمام صديق قديم له، بينما كان يكتب اسمي الذي أمليه عليه، توقف.. نظر إلي، قال مندهشا: أنت.. ابنته!

في مدينة واحدة، ونتشاطر ردودا عشوائية كثيرة على هاتف المنزل عندما يتصل علينا طالبا التحدث إلى أبي. ابتسم وهز رأسه: 16 سنة.. أكثر من 16 سنة.. ياااه يا أمل! ها أنت أخيرا!! ابنة الرجل الطيب!

سألني عنه كثيرا رغم أنه ما زال يراه، ويهاتفه، وحدثني كم كنت وما زلت شغل أبي الشاغل، وحديثه المحبب حين تتألق عيناه بما أنجزت، وما فعلت. يضحك الرجل من حين لآخر: إنتِ جننتِ فينا كلنا يا أمل! مالوش سيرة غير أمل عملت، أمل جابت، أمل كتبت، لا يمكن أتأخر على أمل.. إلاااا أمل!

 

بين كل كلمة وأخرى، يوصيني به.. فأهز رأسي مطمئنة إياه. في داخلي أغلي، وأرتجف.. أدعو الله صادقة أن يوفقني لبره ونيل رضاه.

 

ربما كتبتُ الكثير من القصائد، والقصص، والمقالات.. لم أتحدث فيها من قبل عنه، ولم أذكره بهذا الشجن والبوح الموسعين. مرة، قص علي أحد الزملاء قصة مؤثرة، وبينما كنت أستمع إليه كانت مخاوفي وهواجسي تكبر أمامي.. أخشى أن أفقده، أن يأتي ذلك اليوم فلا يوقظني كعادته. تساءلت هل يسهل علي أن أحبه عن قرب أم عن بعد! ولم على الكتاب أن تفيض محبتهم على الورق دائما! وهل أصبحت أشبهه إلى الحد الذي لا أبوح فيه لأقرب المقربين عن مشاعري، وأترجمها في علاقات اجتماعية موسعة، وأنشطة ثقافية مبعثرة!

 

أبي الحبيب..

أتراني أهلاً لأن أرثَ عنكَ روحك، وقلمك، وبعض ملامحك!

... يا الله.. كم أحبك!

 

(10) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 26 سبتمبر, 2007 07:44 ص , من قبل asma
من لإمارات العربية المتحدة

يا الله .....كم أحسدك!

وأنصحك عندما تفكرين بالزواج
لا تبحثي عن ملامحه في فارس أحلامك

لأنك ستنتهين بلا زواج!
(:


اضيف في 26 سبتمبر, 2007 08:30 ص , من قبل بسمة فتحي
من الأردن

الله الله على هذا الحب
الله يلعن شرك يا أمل، أدمعتِ عيني في هذا الصباح!
أدام الله أباك، وأمد في صحته. لا يمكنني أن أنسى أن "عمو" قرأ ما ظننت أنه بداية رواية لي، وأنه أعطى رأياً فيها. أكيد تذكرين "جنين آخر ساعة". سلّمي لي عليه. وحفظكم الله جميعا
اللهم أجب


اضيف في 26 سبتمبر, 2007 10:56 ص , من قبل احمد يوسف
من الأردن

لا أدري حقيقة بماذا أعلق على كلماتك

تقبلي مروري

مع التحية


اضيف في 26 سبتمبر, 2007 12:16 م , من قبل amalna
من لإمارات العربية المتحدة

----) أسماء.. يا كل الأسماء..!

أعيدي قراءة السطرين الأولين من هذه التدوينة مرة أخرى، ولن تقلقي حيال هذه الفكرة أبدا.

:)

وعلى فكرة يا أسماء..
نحن لا "نفكر" في الزواج..
بل.... "نتعثر" به!


اضيف في 29 سبتمبر, 2007 12:03 ص , من قبل عين ضيقة
من مصر

احترامى ليكى ولوالدك ولقلبك ولكلك


ياترى كفاية؟


اضيف في 30 سبتمبر, 2007 12:56 ص , من قبل amalna

----) بسمتي الغالية..

إيه يا بسوم.. "ما ظننا" أنه رواية.. أو مشروع كتاب..

لا تحكي عن المشاريع المؤجلة الله يرضى عليكي..

أبي دائما يذكرك بالخير ويسأل عنك، وكذلك أمي.. ويتمنيان حقا أن يرياك على الطبيعة لكثرة ما جننت فيهما من أخبارك وقصصنا المجنونة رغم المسافة!

...
بسوم..

ع الأقل أنت دمعت عينك..

ماذا أقول إذن!!!!

سلمك الله وبارك نبض حرفك.. وجمعنا قريبا.


اضيف في 30 سبتمبر, 2007 01:08 ص , من قبل amalna

------) رفيق الحرف/ أحمد يوسف،،،

مرورك.. يكفي


سملك الله وبارك في آبائنا جميعا.. وبارك نبض حرفك.


اضيف في 30 سبتمبر, 2007 01:34 ص , من قبل amalna

-------) "عين ضيقة"...

الكتاب في حالة "نهم" دائما...

فأين "الكفاية" يا رفيقة الحرف والنزف!!


سلمك الله وبارك نبض حرفك المجنون.. جــدا


اضيف في 22 اكتوبر, 2007 11:58 م , من قبل المتألم
من قطر

أمــل
أمــل
أمــل
أمــل
أمــل
أمــل
أمــل
أمــل
أمــل

شكراً من وسط القلب ..

من ذلك المكان الذي نعي منه ..
ونعرف أننا متواجدون حقا ..

شكراً ...

ضعي مني أنا المُتألـِم قبلة على جبين والدك ..
سأعتبرها أمانة لن أسامحك فيها يوم القيامة ..

لماذا القبلة .. لحاجة في نفسي أريد أن
أقضيها ..

..
شكراً يا أمل ..

مودتي لكِ ولوالدك الكريم حفظه الله بصحة وعافية لكِ وحفظكِ له ..

..
المتألم ..


اضيف في 11 نوفمبر, 2007 11:23 م , من قبل amalna
من لإمارات العربية المتحدة

------) أيها المتألم/ المتأمل....

لك ما أردت...


.. وزنبقة!




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية