رحيق
.

:: ماذا تقرأ المرأة.. يا حبيب الصايغ!

 

 
قرأت مقال الشاعر الأستاذ/ حبيب الصايغ، البارحة في جريدة الخليج بعنوانه المفخخ:"ماذا تقرأ المرأة؟". لم أستطع مقاومة ذلك الإحساس الذي يدفعك للغرق بحرية في بحر لجيّ من الكلمات، كيف لا وهو يتحدث عن القراءة.. يتحدث عن هذا الجرح الذي لا يشفى إلا بقراءة جديدة، وطعم جديد للدم على شفاه امرأة ترى في هذا الحبر أفضل "أحمر شفاه" يمكن أن تتزين به!

 

.. دعني أخبرك إذن ماذا تقرأ المرأة..!!

تقرأ كل شيء يمكن أن يثير أنوثتها وأمومتها وجبروتها.. أنوثتها في شعر يوقظها منتصف الليل لتبكي، ورواية تتمثل شخوصها في مرآة لا تعكس صورتها وحدها دائما..، وأمومتها في كتب تنشر ضحكة طفل، وتعد وجبة طعام وتنظف البيت، وجبروتها في كتب الفلسفة وعلم النفس وتحدي الذات.. وتلك الأسئلة التي تأتي بلا إجابات.

 

فيما مضى.. نذرت نفسي للكتب والقراءة، وأهملت كل ما عدا ذلك، أنت تكون المرأة قارئة – أولاً – وكاتبة ثانياً.. وفقط.. يعني أن تكون نصف امرأة.

بعد زواجي اكتشفت العالم الآخر من القراءة.. القراءة التي تكنس غبار البيت، والقراءة التي تعد وجبة لمن تحب، والقراءة التي تمسح رأس طفلك لكي ينام... القراءة التي تعيدك إلى جزيرة الكنز الذي لن تبحث عنه أبدا، لأنه بين يديك. ألا تظن أن المرأة "تقرأ" في بيتها.. على طريقتها!

 

لا أخفي سراً أنني توقفت عن القراءة فترة بسبب التزاماتي العائلية الجديدة والتي تعد في ذاتها اكتشافا مذهلا لجوانب شخصيتي الأخرى من هذه المرأة، الآن عندما عدت للقراءة برواية "زمن الخيول البيضاء" لإبراهيم نصر الله.. لن أكتفي بوصف حالة "النشوة" التي انتابتني وأنا أقرأها في كلمات.. ربما.. اذهب إلى البحر واترك موجة باردة أن تشعل صدرك.. هكذا!

 

زواجي جعلني أضيع فرصة حفل توقيع كتابي الجديد "نبضات" في معرض الشارقة للكتاب.. وجعلني أضيع فرصة التجوال في معرض الكتاب كما كنت أفعل من قبل.. أقفز كالفراشة بين دار وأخرى وكلي هوس وافتتان بالأرفف.. يا الله! لو ذكرت فرحي وانطلاقي في المعرض لشبهته بطفل تصحبه إلى مدينة الملاهي أول مرة. تختلط دقات قلبي، وأنتفض.. وأفلس.. وأصاب بشد عضلي في النهاية لكثرة ما أحمل من كتب!

يقول الصايغ: "لأن ألف باء أبجدية القراءة أن يعرف القارئ كيف يقرأ"..

 

هناك رواية لجوزيه ساراماغو اسمها "كل الأسماء".. إن قرأتها فإن السطر الذي ذكرته هنا هو ما أحس به البطل بالضبط.. أن تحاط بكل تلك الملفات وكل تلك الأعداد المهولة من الأحياء والأموات في أوراق مكدسة.

 

عملت فترة في مكتبة الجامعة عندما كنت طالبة.. انتابني هاجس أن أعجز عن القراءة. كنت أشتكي لمدير المكتبة دائما: كيف تستطيع أن تطيق صبرا وأنت محاط بكل هذه الأرفف من الكتب؟! كدت أجن يا رفيقي.. صدقني كدت أجن!! كتب كثيرة كثيرة، وكثير منها ساهمت شخصيا في شرائه وطلبه للمكتبة بناء على رؤيتي لما هو مناسب.. أقيدها في السجل بنفسي، أمنحها اسمها ورقما.. كأنني في غرفة المواليد أحصي الأطفال الجدد.. وأمنحهم شهادات ميلادهم!

أن تحاط بكل هذا الكم الهائل من الكتب.. ثم تفكر في اختيار كتاب لتقرأه.. أمر صعب للغاية! أمر يمكن أن يؤدي بك في النهاية إلى "فوبيا" القراءة.. أي أن تصاب بخوف من لمس أي كتاب، لأنك تخشى ألا تكمله.. أن يضيع منك.. أن تفقد حماسك لقراءته بعد أن تتصفحه، وتهرب إلى آخر، وهكذا!!

 

هذه الفوبيا أصابتني في مرحلة ما، قمت فيها بإهداء كتب "عظيمة" لمكتبة الجامعة من مكتبتي الشخصية لأهرب منها.. توقفت فترة، واعتزلت القراءة والكتابة.. لم أستطع فيما بعد.. تشققت جوعا وعطشا إلى كلمة، عدت، لكنني خرجت بتجربة جميلة، وإحساس شفاف بالكلمات. أتذكر ذلك الآن وأنا أعود إلى تدوينتي "هنــا"..!

المرأة تقرأ.. وتـُقرَأ..

المرأة تعرف أن الكتاب ليس كتابا فقط إذا احتوته يداها..

إنه.. حبيب آخر

وطفل آخر!
 
 

(7) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 29 ديسمبر, 2008 01:50 ص , من قبل Eman
من مصر

من " أمل " لـ " إيمان " يا قلبي لا تحزن ..

سعيدة بقراءتك جدًا جدًا يا " عزيزتي " : )


اضيف في 29 ديسمبر, 2008 01:53 ص , من قبل Eman
من مصر

جميل جدًا مقالك هذا ..

بحق سعدتُ بوجودي هنا ..

تحياتي


اضيف في 30 ديسمبر, 2008 11:39 ص , من قبل الكتبي
من Anonymous Proxy

المكتبة تفتقد لمساتك البنفسجية. والأرفف تسألني اين هي؟ حقاً لقد تركت بصمة واضحة على مجموعات الكتب، وخاصة الأدب والشعر والنقد.


اضيف في 31 ديسمبر, 2008 06:50 ص , من قبل asma
من لإمارات العربية المتحدة

بدأت اقراء الآن
علوم الفيزياء كما كنت اقراء كتب الفلسفة تماما!


الفيزياء علم المكان والزمان والحركةو ماوراء الطبيعة!



اضيف في 03 يناير, 2009 09:03 ص , من قبل amalna

الأمل والإيمان..
البسمة والفرح..

كلها أسماء يا إيمان... وتظل أسماء إلى أن تغمرنا ونتوحد فيها، ونصبحها لا تصبحنا.

مرورك وردة.. لا تدعيها تذبل أبدا.

سلمك الله وبارك نبض حرفك.


اضيف في 03 يناير, 2009 09:06 ص , من قبل amalna

----) "الكتبي"

كعصفور.. نربيه، ثم نطلقه ليحلق بجناحيه عاليا في الفضاء.. ومع كل نجمة في السماء يذكر اليد التي أطلقته يوما، ويبتسم.

شكرا لتلك الذكرى بين أرفف الكتب


البركة فيكم.. وفي عصافير لا تحد أجنحتها السماء.

سلمك الله وبارك نبض حرفك.


اضيف في 03 يناير, 2009 09:12 ص , من قبل amalna

---) رفيقة الحرف والنزف/ أسماء..

الفيزياء عشق لمن عشقه..

ربما لو قدر لي أن أدرس الهندسة الإلكتروكهربية لكانت الآن كلماتي "تكهرب" أكثر!

من يدري..!!


آخر مرة رأيتك فيها كنت متوهجة، وسعدت لما رأيت، لولا مساحة ما زلت أرجو أن تمتلئ بقوس قزح

كوني.. كل الأسماء.. واسمك فقط.

سلمك الله وبارك نبض حرفك.




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية