يا سيدي.. قد كنتُ وحدي بين قوسين.. وغيمة! كيف جئتَ! متى مررتَ بشاطئي وأنا أرشّ الموج بالذكرى.. وأمضي كل يومٍ من هناك إلى "هناك". في عالمي.. الأحداثُ تمضي وحدَها وأنا أراقبُ من بعيدٍ كيفَ تذبحني المسافةُ من وريدٍ للوريد.. وكيف تحييني ابتسامةُ موجةٍ للبحر قالتْ: كم أحبك! حينَ أمضي أركلُ الغيمات في دَربي كراتاً من بَرَد .. ريشُ النوارس مثل حباتِ المطر والشمسُ ذاهلةً تغني للمساءْ إنْ كنتَ أنتَ فمَنْ أنا...! وَحدي حَضرتُ إلى اللقاءِ فكيفَ جئتَ ولم أركْ أهنا.. استقرّ بكَ المقام..؟ تحبّ هذا البحرَ هذا الصوتَ هذا العالمَ المجنونَ بالخطواتِ كلّ قصيدةٍ تودِي إلينا.. يا صديقي... لستُ وحدي الآنَ.. يبدو لي بأنكَ كنتَ دوماً واقفاً خلفَ الجدارِ يلوحُ اسمكَ من بعيدٍ أنّ نصرَ الله يأتي عندما نأتي إليهِ وأننا دوماً على شفةِ انتظارٍ أو رحيلٍ بين قوسينِ.. وغَيمة.

ما زلت أذكر تلك المحاضرة العصماء التي تشدق بها أحد مدرائي السابقين في وظيفتي السابقة، وذلك إثر معركة "سلطوية" نشبت بينه وبين موظف كان يعد "رأسا" من رؤوس العمل، أفضت في النهاية إلى انتصار المدير الداهية – ومن يضحك أخيرا يضحك كثيرا – ثم تنحية المدير من منصبه بعد سلسلة متتالية من المذابح الإدارية. ترن في أذني إحدى الجمل، وتغمرني سخرية مرة وأنا أذكر محاضرته التي لم يكن يهدف من خلالها إلا "وضع النقط على الحروف" – على طريقته لا على طريقة بوسي سمير – واستعراض عضلاته الإدارية علينا. حينها انشغلت بحساب المرات التي قال فيها لازمته الشهيرة: "يعني..". تقريبا.. أكثر من 120 مرة في أقل من ساعة ونصف. ببساطة كان يردد: "ما أدري ليش الواحد منكم مستعجل على عمره".. ثم يعيد ويكرر: "يعني مستعجل على رزقه.. يعني مستعجل على حياته..." إلخ من تفسيرات وتوضيحات.. ثم يعيد ويكرر: "يعني.. لو فكر فيكم الواحد إن الرزق اللي تاخذه معناه إنك نقصت من رزقك المكتوب والمقدر لك، يعني.. حياتك قاربت على النهاية.. يعني ما تريد تستمتع بحياتك ويعني تريدها تمضي بسرعة بلمح البرق دون ما تشعر بيها".. إلخ سلسلة الـ"يعنياااات" التي ذكرها. رغم أني لم أكن المعنية وقتها بتلك الـ"نغزات".. إلا أنني في مرحلة ما كنت إحدى ضحايا مذابح المدير.. ولكن بطريقة أخرى، حيث مثل لي حجر عثرة أمام إتمام دراستي العليا وسفري للخارج بناء على مكيدة مدبرة، لم يمتلك الشجاعة الكافية – أو لربما ظنها حقا مكتسبا – ليواجهني بها حينها، وتركت الأيام تكشفها لي تباعا بعد ذلك. الآن.. حين أعيد ترتيب أوراقي مرة أخرى، أجد أنني لم أحزن إلى درجة المرض، أو أبتئس وأفقد كل صلة لي بالحياة بسبب تعثر تحقيق أحد مشاريعي الطموحة حينها. أذكر أنني عندما أخبرت صديقتي وزميلتي في العمل بإقصائي عن المنحة الدراسية.. بكت هي، في حين لم أبك أنا من التأثر بالموقف..!!! أكتشف بعد هذه الفترة من تجارب الحواجز والعوائق التي تعترضنا في سبيلنا نحو تحقيق طموحاتنا وأهدافنا أنها لا تعد حواجز بقدر ما تعد فرصا لتغيير طريقنا.. فرصا لإعادة النظر في أحلامنا.. فرصا إما للتريث والانتظار لنحظى بفرصتنا الحقيقية.. أو لنتجاوز خطوة سيئة كان يمكن أن تدمرنا لو أننا لم نجد ذلك الحاجز الذي يصدنا عنها. في كل مرة يزداد إيماني بـ"لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع".. وفي كل مرة أقدس الآية القرآنية التي تقول: "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون". هذا يعني أنك في كل مرة تصطدم بها بحاجز ما.. لا تلعن الحاجز، ولا تسخط، ولا تغضب، ولا تحزن.. بل أعد التفكير، وتأكد أن وراء هذا الحاجز قدر ينتظرك، وأن ذلك الثقب الذي يأخذ في الاتساع رويدا رويدا ما هو إلا البراااااااااح الذي سوف تركض وتركض وتركض بعده وصولا إلى غايتك وهدفك الحقيقي. قد تكون طرقنا التي نسلكها في سبيل تحقيق طموحاتنا مضللة.. مزيفة.. ضبابية.. قد تكون وسائلنا في الوصول إلى أهدافنا مغلوطة.. معكوسة.. عمياء.. هذا الحاجز.. هذا العائق الذي يقف أمامك ليس ليثنيك عن عزيمتك.. بل هو الحقيقة التي أغفلتها، والكذبة التي عشتها، وآن لك أن تواجهها بنفسك، وتتجاوزها. في فترة ما.. كنت "مستعجلة على عمري" – كما حللها هذا المدير الفطحل – ولكن ليس عن طريق الظلم والعدوان كما فعل.. بل على طريقة الجيل الشاب الطموح الراغب في تجاوز القطار.. أو كما كان يقول عميد كليتي عندما يراني أدرس مواد أعلى من سنتي الدراسية لأتخرج في فترة أقصر من غيري: "يا أمل.. كل الناس تنتظر معا لتركب القطار محطة محطة.. إلا أنت.. تريدين أن تسبقي الركاب والقطار وتركبي في محطات لم يصلها أصلا!!" فإذن.. أنت الآن أكثر اتزانا.. أكثر هدوءا.. خذ نفسا عميقا أمام هذا الحاجز الذي يعترضك.. حاوره اطرقه بهدووووء لتسمع صدى طرقاتك تتسلل إلى أعماقه.. تخيل ما ينتظرك خلفه.. ستدرك أن ما من حاجز وضع أمامك إلا لحكمة.
من خلال عملي في قسم العلاقات العامة والإعلام.. ومسؤوليتي عن تحرير الأخبار الخاصة بالدائرة، وإرسالها إلى وكالات الأخبار والصحف على اختلافها، صار السؤال حول مصداقية الصحافة والصحفيين يتردد كثيرا في ذهني، وبتّ عندما أطالع أي صحيفة أقرأ الخبر المنشور فيها من زاوية أخرى.. وأرى فيه ما لا يراه القارئ البريء من دم هذه الضحية الصحفية. وعلى مبدأ: (إحنا دافنينه سوى).. فإنني عندما أقرأ الخبر أتبادل ضحكة خبيثة مع الصحفي الذي يبرز اسمه متوجا رأس الخبر، باعتباره كاتبه ومحرره، واللاهث وراء المصدر، والمجري لكل هذه اللقاءات الجانبية على هامش المناسبة. إن المهمة الأساسية لقسم العلاقات العامة والإعلام، أو القسم المسؤول عن إرسال الأخبار في أي دائرة أو مؤسسة - حكومية كانت أم خاصة – هي التواصل المباشر مع الصحفيين، وتزويدهم بالمادة الإخبارية للأحداث والمناسبات المهمة التي تمر بها مؤسساتهم. رغم ذلك فإن الأمانة الصحفية تقتضي من الصحفي أن يتناول الخبر "الخام" ويعمل على تقصي الحقائق وتدارك المناسبة من جميع جوانبها، لا أن يكتفي بقص ولصق الخبر كما هو حرفا حرفا.. أو يغير فيه عنوانه – تبراية عتب – وهكذا يضمن صفاء السريرة وراحة الضمير! لا يخفى على أحد أن كل خبر صحفي ينزل باسم الصحفي في الصحيفة يحتسب نقطة لصالحه، وتتضخم هذه النقطة إذا ما كان الخبر دسما، ووجود قسم علاقات عامة نشيط يعني أن الأخبار ستتكاثر وتتوالد، وستليها تغطيات صحفية أو تقارير إخبارية موسعة.. وهذه هي المائدة التي نزلت على الصحفي من السماء دون حاجة إلى دعاء أو انتظار! هناك أنواع مختلفة من ضمائر الصحفيين.. وللأمانة، فإنني أحيي ذكاء بعض الصحفيين، الذين يقومون بإعادة فبركة الخبر – مع المحافظة على المعنى والمعلومة – لينفوا عنهم تهمة سرقته حرفيا، وكذلك ليتجاوزوا مشكلة قيام صحفي آخر في صحيفة أخرى بنشر الخبر الوارد حرفيا.. وهكذا تصبح اللعبة مكشوفة. أما النوع الآخر الذي لا أحييه إطلاقا، فهو أولئك الصحفيين الذين لا يجدون حرجا في نقل الخبر عيانا بيانا كما هو، وبنفس الصيغة، وأحيانا بنفس العنوان، مع تجليله باسمهم المبجل! وكثيرا ما راجعني بعض الأصدقاء في عدد من الأخبار المنشورة متسائلين: "أمل.. هذا أسلوبك، مستحيل أن يكتب أحد جملة كذا أو عبارة كذا في هذا السياق سواك!!". بالطبع لن ألوم الصحفيين في بعض الحالات، إذ يستحيل عليهم أن يأتوا بصياغة أفضل، وأشمل من تلك التي نرسلها لهم، وأحيانا كثيرة أحرق عليهم عنوان الخبر.. إذ يكون انتقائي للعنوان "خطيرا" بمعنى الكلمة.. وأي عنوان آخر لن يعطي نفس المدلول الذي يشمل "الإثارة والشمولية" في آن واحد. هذا لا أسميه تفاخرا أو تباهيا بقدرات لغوية، ولكن فلنقل إنه اعتراف بخبرة لا بأس بها في العمل الصحفي، والكتابة الأدبية معا. أنتقل إلى نقطة أخرى أيضا.. متعلقة بالقارئ البريء.. الطيب.. الساذج.. أسألكم جميعا: هل تصدقون كل تلك التصريحات الصحفية التي ترد على لسان المسؤولين؟ ما دور الصحفي في صياغتها؟ أو فلنقل: في ترجمة كلام المسؤول على الورق؟ هل حقا.. قااااااااال المسؤول كل هذا الكلام المكتوب على لسانه!!!! إن إحدى أهم مميزات الصحفي الناجح – الناجح في عرف الصحافة لا عرف الضمير الصحفي – هي براعته في التحدث على لسان المسؤول، بغض النظر إن كان هذا المسؤول قال هذا الكلام المدون في الخبر أم لا، وفي نفس الوقت.. إرضاء المسؤول عندما يقرأ الخبر، ليهز رأسه ويقول: يا سلام.. هذا هو الكلام الذي كنت أريد أن أقوله! يكفي للمسؤول أو للمصدر الصحفي أن يقول: "آآآآ.. أعتقد.. شكرا"، ليتحرك الصحفي المحنك والذكي والخبير، والعالم بالإشارات والهنات والحركات الخفية وغير الخفية.. ليكتب صفحة كاملة على لسان هذا المسؤول قال فيها كذا وكذا، وعبر عن سعادته أو استيائه، وأوصى.. ونصح.. وشكر.. وأثنى.. وأكد.. وشدد... إلى آخر هذه الجمل والعبارات التي تعتبر أهم ركائز المهنة. هذا يوصلنا إلى نتيجة مفادها أن التصريحات الصحفية للمسؤولين ما هي إلا تصريحات صحفية للصحفيين أنفسهم..!! هل يعد ما سبق.. خيانة للضمير الصحفي؟ خيانة لحق القارئ على الصحفي؟ الخلاصة الأهم في نظري، تقول: على الصحفي أن ينقل الخبر.. و"رائحة" الخبر إن أمكن.. والقارئ بالإشارة يفهم! 
<<الصفحة الرئيسية



























