رحيق
.

:: غربة يصبح فيها الحب "سكنا"

 
 

كم يوماً تبقى ليضاف إلى رأس الخيمة تعريف آخر في قاموس المسافة؟

 

منذ أن فتحت عيني على الدنيا، لم أعرف غير رأس الخيمة منزلاً وسكناً و.."وطناً".

إلى أن يصبح لديك ما يكفي لتعيد ترتيب الحروف الأبجدية، وترسم خارطة "الوطن" بقلم الرصاص.. ثم تعيد تلوينه، ثم تعيد شطبه ورسمه مرة أخرى بقلم حبر لا يمحى، ثم تعيد تمزيق ما رسمته وتحتفظ بخارطة الوطن في قلبك، وتنحتها في عقلك وتمضي.. أينما سرت فأنت الوطن يدب على قدمين.

 

لكل منا حلمٌ منقوش لا يلبث يطارده، ولم يكذب الشاعر حين قال:

كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى

وحنينه أبداً لأول منزلِ

 

هكذا.. وإلى الأبد على ما يبدو، سيظل حلمي ببيتنا القديم يطاردني، أو أطارده. أحلم دوما أني أخرج راكضة من بيتنا لأمشي في الشوارع حتى أصل بيتنا القديم. غالبا ما ينتهي الحلم هناك، لا أدخل البيت. لم أدخل البيت إلا مرة واحدة.. ولكأنه أطلال.. وكنت أبكي.

 

ما زال بيتنا القديم شامخا في مكانه، ويسكنه الآن مستأجرون لا أعرفهم بطبيعة الحال.. ورغم أنه لم يكن البيت الذي ولدت فيه، إذ إنني ولدت في بيت يطل على البحر مباشرة.. إلا أن ذكريات طفولتي كلها تسكن في هذا البيت.. فترة قصيرة لكنها عالقة بصورة غريبة في ذهني.. فارقنا هذا البيت إلى بيتنا الحالي عندما كنت في السابعة، ومهما تبدلت الصور.. فإن هذا البيت وظله لا يفارقان خيالي.. ولكأن سعادة الطفولة كلها تسكنه، ولكأن كل ذكريات أيامي الحلوة فيه.. فسبحان الله!

 

أتساءل حقا.. ما شكل الذكريات التي يرتبها الأطفال الآن في مخيلاتهم عن "أول منزلٍ"... ونحن نطارد كل يوم سكنا جديداً وشقة جديدة.. والإيجارات تلتهم جيوب آبائهم. لا يعود للمنزل الأول أهمية أو اعتبار.. المهم أن يكون هناك "مأوى" لا "سكن".

هل سأسأل الأطفال مثلا: "هل الشقة الفلانية أحسن من الشقة العلانية؟" و"هل تذكر الشقة على الطابق الثاني أو العاشر أو المليون.. أيها تفضل؟".

هل سيذكرلي أحد الأطفال مثلا أنه كان مغرما باللعب تحت البناية التي سكنها.. أو أنه يعرف أطفال جيرانه في الشقة السابقة.. وما يطل حولها.. وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يهتم بها إلا من ملك عيوناً كعيون الأطفال!

 

هنا.. يكمن ما يعنيه أن تستقر في بيت لا تبرحه، وينفرط عقد التغيرات التي تطرأ من حولك ببساطة هكذا. تتذكر متى بني هذا البيت مقابل بيتك، ومتى رصف الشارع، ومتى وصلت أعمدة الإنارة، ومتى افتتح أول "سوبرماركت" في الجوار.. وكل تلك التفاصيل حتى حفر الشوارع والمطبات. تحس أنك "ملك" المكان.. بلا منازع!

 

يبدو أن أطفالنا.. يفقدون شيئا حميما جدا.. لن يجدوه في شقق آبائهم المفروشة..!

 

الآن.. وأنا أوضب أمتعتي، وأستعد لأغادر "رأس الخيمة" إلى عجمان.. أعيد ترتيب ذاكرتي، وأطفئ شمعة لأشعل أخرى.. وأنتقل بعد زواجي – إن شاء الله – من "حكومة الطوارئ" إلى "البلاط الملكي"!

 

أتخيل كيف سيكون الحال وأنا أتحدث مع أحدهم مثلا.. وأقول: "بيتنا".. وأقصد عجمان لا رأس الخيمة! أو أمر على رأس الخيمة زائرة لأشهد تفاصيل لا أعرفها.. أبسطها حفرة جديدة في الشارع لم أشهد وجودها من قبل!

 

عندما "تعجن" بالمكان الذي سكنته، وتحبه حد الكره.. تجد أن مغادرتك إياه موحشة جدا.. بغض النظر إن كنت غريباً مقيما فيه لأسباب لا يسعك المرور عليها، وبغض النظر عن كون "وطنك" ينبض في قلبك، وتحمله في حقائب سفرك، وفي رائحة مصافحة قريبٍ لم يعد..

تجد كل الأشجار في الشوارع، والمارة، والأبنية، ومحلات التسوق، والسيارات التي تحفظها عن ظهر قلب.. تجدها كلها تمد لك لسانها.. وتدير لك ظهرها.. وتركك تستوعب المشهد وحيداً.. في الزحام!

تجد أنك لن تألف مكانا آخر بعده.. ربما ستحاول أن "تتأقلم" معه، لأنك تعيش في قلب من تحب، ولأنك مع من تحب، ولأن أي مكان مع محبوبك هو جنتك.. وكل ما سواه نارك. ولأنك لم تعد طفلاً تغويه ذكريات الطفولة.. ولأن روحك حلقت فوق أسوار البيوت وقفزت على سطوحها.. ولأنك لست وحدك بعد الآن.. ولست يتيم الطرقات ولا تنهشك الغربة التي سلمت بها.

 

هنا فقط، تكتسب الأمكنة امتيازاً.. وتذوب المسافة في فمك بمجرد أن تسمع "أحبك".

(4) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 31 اغسطس, 2008 11:29 ص , من قبل asma
من لإمارات العربية المتحدة

بالضبط ، الحب هو (الإنتماء)

لله ، للمكان .... ولدمك أو ذلك الذي يشبهك!


اضيف في 02 سبتمبر, 2008 03:11 ص , من قبل يوسف إبراهيم
من المملكة العربية السعودية

"ولدت في بيت يطل على البحر مباشرة"
محظوظة
على الأقل لا تخافين البحر مثلي ،أليس كذلك ؟


اضيف في 06 سبتمبر, 2008 08:46 م , من قبل amalna

----) صديقتي العزيزة/ أسماء..
هناك أشياء كثيرة تشبهنا..
نتذكرها بمجرد أن "نختلف" عنها.
.. كل يوم نتعلم من الحب درساً جديداً، ونفتح ذراعينا لما هو آت.

كوني بخير يا صديقتي..


----) رفيق الحرف/ يوسف إبراهيم..

ربما كنت أصغر من أن أستوعب صوت الموج، وربما هو ذلك الهمس الخفيّ الذي تسلل..
في النهاية..
يبدو أنني لست مثلك أخاف من البحر.. لكنني فعلا.. أخاف منه - أو منّي - وأنا مع البحر.. أحيانا!!

هذا الرابط ستجد عليه ألبوما خاصا للبحر من تصويري..
أتمنى أن يبدد مخاوفك تجاهه.

http://amalna.jeeran.com/memos/archive/2008/1/450680.html

كن بخير.
سلمك الله وبارك نبض حرفك.


اضيف في 14 سبتمبر, 2008 04:57 ص , من قبل يوسف إبراهيم
من المملكة العربية السعودية

آسفً
إزددت رهبة وربما فزعاً وحيرة




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية